صندوق الأدوات

أدوات بحثية من ألعاب الفيديو خاصتك

إن أجهزة استشعار الحركة لا تُستخدم في ألعاب الفيديو فقط، بل يمكنها - في حال وجود البرامج المناسبة - مسح جماجم الديناصورات، ومراقبة الأنهار الجليدية، ومساعدة الروبوتات على الرؤية.

آنا ناوُجرودزكي
  • Published online:

ILLUSTRATION BY THE PROJECT TWINS

رَجُلٌ بجهاز أسود مستطيل مثبت على صدره، يسير في دائرة كاملة حول جمجمة Tyrannosaurus rex.. هذا ليس مشهدًا دراميًّا؛ فالجهاز هو مستشعِر حركة يُدعى "كينيكت" Kinect، يستخدمه مرتدوه بمتحف "فيلد" في شيكاجو بولاية إلينوي لالتقاط صور رقمية للشكل الثلاثي الأبعاد الدقيق لجمجمة الديناصور.

وشتان الفرق بين هذا الاستخدام وذلك الذي كان يقصده مطوِّر الجهاز؛ فقد صممته شركة «مايكروسوفت» في الأساس للاستخدام في ألعاب الفيديو، حيث يمكّن مستخدمي "إكس بوكس" Xbox من التحكم بشخصياتهم في اللعبة باستخدام الحركات والإيماءات، عوضًا عن وحدة التحكم المحمولة يدويًّا. غير أنه منذ لحظة إطلاقه، والباحثون والأطباء يعمدون إلى تطويع الجهاز وغيره من أجهزة الاستشعار - بما في ذلك جهاز تحكُّم "نينتيندو وي" Nintendo Wii، وجهاز "آي توي" EyeToy الخاص بالبلايستيشن، وجهاز "ليب موشن" Leap Motion - للمساعدة بالبحوث في مجالات مختلفة، بدءًا من علم الروبوتات، حتى علم الجليد، والرعاية الصحية. وسرعان ما أدركوا أن البيانات التي تقوم الأجهزة بجمعها يمكن استخدامها في الدراسات التي تتضمن قياس حركات الجسم، أو التحكم في الأجسام ثلاثية الأبعاد، أو رصد أو بناء نماذج لفضاءات الأبعاد الثلاثية.

تعود أجهزة الاستشعار بعدد من المنافع على العلماء، فهي في المتناول (تبلغ تكلفة معظمها 80-100 دولار أمريكي)، وتتميز بسهولة حملها، وتوافقها مع البرمجيات المجانية سهلة التعلم؛ ما يجعل تلك الأجهزة خيارًا ذكيًّا في العديد من المشروعات.

ومع ذلك، فإن ثمة مواطن قصور كبيرة تشوب هذه الأجهزة؛ فمواصفاتها – كالدقة مثلًا - تبدو متدنية إذا ما قُورنت بالمعدات الصناعية المتخصصة، على سبيل المثال، كما أنها تعمل بشكل أفضل في غرف المعيشة عن ميادين العمل. ويعتمد نفعها بشدة على نوع البحث الذي يتم.

طب أسنان الديناصورات

بدأت تجربة دينيس مورمان مع جهاز "كينيكت"، كأداة بحثية في عام 2016، حين زارت متحف "فيلد" مع عائلتها. فبينما كانت تتفحص "سو" SUE، وهي واحدة من أكثر هياكل T. rex اكتمالًا، لاحظ أحد أبناء أخوتها عرضًا لجمجمة الديناصور، يوضح كيف أنها مليئة بثقوب صغيرة، غير معروف أصلها. فهل كانت آثار لعَضّات؟ أم ربما آثار عدوى؟ فرأت مورمان أنه سيكون من الممتع فحص الجمجمة بالطريقة نفسها التي تفحص بها آثار العضّ بعملها في الطب الشرعي كطبيبة أسنان شرعية.

ولم تكن أدواتها المعتادة ملائمة للعمل؛ فجمجمة "سو" يبلغ طولها حوالي متر ونصف المتر، وتزن 272 كيلوجرامًا، أي أنها ضخمة للغاية، ولا يمكن إدخالها في أجهزة مسح الأسنان ثلاثي الأبعاد، عالي الدقة. ومن ثم، توجهت مورمان إلى مجموعة "كاميرا كالتشر" Camera Culture بالمختبر الإعلامي في كامبريدج، التابع لمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، حيث اقترح الباحث في تقنيات التصوير أنشومان داس استخدام جهاز "كينيكت" متصل بحاسوب محمول. يقول داس إن دقة الفصل تكون أقل بحوالي عشر مرات عن تلك الناتجة عن الماسح الصناعي، لكنْ بإمكان جهاز "كينيكت" التعامل مع أبعاد العينة هذه.

ثبّت داس جهاز "كينيكت" على صدره، وأخذ يسير ببطء حول الجمجمة؛ فكشف المسح ثلاثي الأبعاد أن الثقوب لم تخترق الجمجمة بالزاوية نفسها، ولذا، فإنها - على الأرجح - لم تنشأ من عضة واحدة. كما أنها مستدقة نحو الداخل، ما جعله يعتقد أنها لم تَنْتُج عن إصابة بعدوى. نشر الفريق اكتشافاته في شهر يوليو الماضي (A. J. Das et al. PLoS ONE 12, e0179264; 2017). ورغم أن مشروع مورمان لم يكن المشروع الأول الذي يتم فيه مسح جمجمة "سو"، فقد استغرق المشروع السابق الذي قام بذلك 500 ساعة على جهاز تصوير مقطعي محوسب، عادة ما يُستخدم لتفقُّد مكونات مكوك الفضاء؛ أما المسح بجهاز "كينيكت"، فقد استغرق بضع دقائق فقط في المتحف نفسه.

الأنهار الجليدية، وحركة المشي، والروبوتات

إن علم الحفريات ليس هو المجال الوحيد الذي استفاد من أجهزة التحكم الخاصة بالألعاب. فقد استخدم كين مانكوف، المتخصص في علم الجليد لدى هيئة المسح الجيولوجي بالدنمارك وجرينلاند، جهاز "كينيكت" لنمذجة قيعان الأنهار الجليدية، وقنوات المياه الذائبة من تحتها، بدقة وضوح حتى الملِّيمتر الواحد. يمكن لتلك البيانات مساعدة علماء الجليد للوصول إلى فهم أفضل لكيفية تأثير ذوبان الجليد على مستويات سطح البحر. ويقول مانكوف إنه عادة ما يتم تجميع البيانات باستخدام نظام "الليدار" LiDAR (وهو اختصار لاسمه "نظام رصد الضوء، وتحديد المدى")، الذي قد تزيد تكلفته عن 10 آلاف دولار.

وبإمكان أجهزة استشعار الحركة الخاصة بألعاب الفيديو المتوفرة في الأسواق أن تعمل أيضًا كأنظمة رؤية ملائمة للروبوتات. وقد اتجه باحثا الروبوتات أشوتوش ساكسينا، من جامعة ستانفورد بكاليفورنيا، وشينشا وو، التي كانت تعمل حينذاك بجامعة كورنيل في إيثاكا بنيويورك، نحو جهاز "كينيكت"؛ لتصميم روبوت يمكنه تعلُّم مهمة ما بمجرد "مشاهدة" الناس. يتكوّن روبوتهم "واتش بوت" WatchBot من جهاز حاسوب، ومؤشر ليزر، بالإضافة إلى جهاز "كينيكت" مركَّب على حامل ثلاثي الأرجل، ليكون بمثابة "عينَي" الروبوت. تمكَّن "واتش بوت" من تعلُّم الخطوات التي تنطوي عليها إحدى المهام - كجلب الطعام من الفرن - بشكل جيد مكّنه من التعرف على الخطوة المفقودة في 60% من المرات؛ وهذه دقة تمكِّنه من أن يصبح له استخدامات محتملة في مجالي التصنيع، ومراقبة السلامة.

أثبتت أجهزة استشعار أخرى من ألعاب الفيديو أن لها فائدة في البحوث كذلك. فقد صُمم جهاز التحكم الذي أنتجته شركة «ليب موشن» Leap Motion في سان فرانسيسكو بكاليفورنيا، بغرض تتبع الحركات الدقيقة لليد والأصابع، كما أن أجهزة الواقع الافتراضي التي يتم ارتداؤها على الرأس، مثل جهاز "داي دريم" Daydream (من إنتاج شركة «جوجل» في ماونتن فيو بكاليفورنيا؛ وسعره حوالي 80 دولارًا)، وجهاز "ريفت" Rift (من إنتاج «أوكولوس في آر» Oculus VR في مينلو بارك بكاليفورنيا؛ وسعره 400-500 دولار)، تمنح المستخدمين تجربة أكثر غنى. وقد استَخدَم عالِم الهيدرولوجيا فيليم لوكسيمبورج بجامعة دلفت للتكنولوجيا في هولندا جهاز تحكم "وي"؛ لقياس معدلات تبخر المخزون بدقة وضوح حتى أكبر من المليمتر الواحد. (توقف إنتاج جهاز "وي"، لكن لا تزال الأنظمة المستخدمة فيه متاحة على شبكة الإنترنت، كما هو الحال بالنسبة إلى جهاز "كينيكت"، الذي أوقفت شركة «مايكروسوفت» تصنيعه في أكتوبر الماضي. ويَستخدم المنتَج الأحدث لشركة مايكروسوفت "هولو لينس" HoloLens - وهي نظّارات واقع معزز محدودة الإنتاج نتيجة لتوالي عملية تطويرها - المستشعر الأساسي نفسه الذي كان يعمل به جهاز "كينيكت").

كما يتزايد استخدام أجهزة الاستشعار الخاصة بألعاب الفيديو في قطاع الرعاية الصحية. بدأت مارجوري سكوبيك، وهي مهندسة بجامعة ميسوري في كولومبيا، استخدام جهاز "كينيكت" بمجرد إصداره في عام 2010، كطريقة لرصد حركة المشي لدى كبار السن، والتنبؤ باحتمال وقوعهم. تسترجع سكوبيك ذلك قائلة: "كان ذلك قبل عيد الميلاد مباشرة؛ طُفْنا في المدينة، وقمنا بشراء جميع الأجهزة المتاحة. أخشى أننا بذلك ربما تَسبَّبْنا في إحباط بعض الأطفال". كان جهاز "كينيكت" بمثابة تحسُّن رئيس لمنظومة الرصد التي كان فريقها يستخدمها في السابق، والتي كانت عبارة عن كاميرا ويب، وجهاز حاسوب مكتبي ضخم، كما تقول. كان الحاسوب يحتل مساحة، ويولِّد قدرًا كبيرًا من الحرارة، حتى إنه تَطَلَّب مراوح صاخبة، بدت اقتحامية للمكان. أزال جهاز "كينيكت" كلتا المشكلتين، حيث يتطلب حاسوبًا أصغر بكثير، بينما يلتقط صورًا ظلية دقيقة لكبار السن في أثناء تحرُّكهم.

كينيكت، مُوصِّل النقاط ببعضها

لالتقاط صور ثلاثية الأبعاد للأجسام، يقوم جهاز "كينيكت" بالتقاط صورة رقمية أولًا، تمامًا كما تفعل الكاميرا الرقمية العادية، إلا أنه يقيس أيضًا العمق باستخدام الأشعة تحت الحمراء، ثم يجمع بعد ذلك مجموعتي البيانات تلك؛ لإنتاج "صورة عمقية"، حيث يتم تعيين كل وحدة بكسل من الصورة حسب مسافتها من المستشعر. ومن هنا، يمكن للنظام إنتاج نموذج ثلاثي الأبعاد، أو إعادة بناء شكل هيكلي.

ولاستخدام تلك البيانات، يحتاج الأمر فقط إلى خبرة بسيطة، أو بعض المعدات القليلة. كل المطلوب هو محوِّل لربط جهاز "كينيكت" بحاسوب محمول (وهو متاح على الإنترنت بحوالي 50 دولارًا)، إضافة إلى وحدة معالجة رسوم جيدة؛ للتعامل مع الإنشاءات الآنية ثلاثية الأبعاد التي يبنيها الجهاز، كما يقول داس. ويضيف: "بعض حواسيب الألعاب المحمولة هذه ممتازة جدًّا للاستخدام في ذلك".

ولهؤلاء الراغبين في اللعب بالمنصة، هناك مجتمع كبير من القراصنة مستعد للمساعدة. تصنع مايكروسوفت أيضًا مجموعة أدوات تطوير برمجية، يمكن استخدامها لبناء تطبيقات، مُصممة حسب الحاجة، تَستخدِم بيانات "كينيكت"، ويمكن تحميل "ثري دي سكان" 3D Scan، وهو حزمة برمجيات لمسح الأجسام، من متجر تطبيقات مايكروسوفت. كان فريق سكوبيك قد بدأ في استخدام جهاز "كينيكت"، قبل أن تكون تلك البرمجيات متاحة. ولذلك، استخدم الباحثون مكتبة برمجيات مفتوحة المصدر، تُدعى libfreenect، مقدَّمة من مشروع "أوبن كينيكت" OpenKinect.

أما تيفاني تانج، الباحثة بجامعة ونتشو كين بالصين، فقد طورت منظومة قائمة على جهاز "كينيكت"؛ لمساعدة الأفراد على قراءة مشاعر الأطفال المصابين بالتوحد. وجدت تانج البرنامج سهل الفهم، وكان مكوّنًا - في حالتها - من حزمة تطوير برنامج "كينيكت"، و"فيجوال استوديو" Visual Studio، الخاصين بشركة «مايكروسوفت». وتقول: "تعلَّم أحد طلابي الأمر بنفسه في غضون أسبوع".

ويمكن الانتفاع من سهولة الاستخدام هذه، إذ قد يحتاج الباحثون عادة إلى تغيير المنصات التي يستخدمونها؛ لمواكبة التطورات في قطاع صناعة الألعاب سريع الخطى. وفي جامعة أولستر بالقرب من بلفاست بالمملكة المتحدة، زاوجت سوزان ماكدونوه الباحثة في إعادة التأهيل، وداريل تشارلز الباحث في علوم الحاسب الآلي، بين أجهزة استشعار ألعاب الفيديو، وبرنامج مُصمم خصيصًا لمراقبة تمارين العلاج الطبيعي للمرضى بالمنزل، وإعطائهم تمارين جديدة مع تقدمهم في العلاج. وعلى مر السنين، تحولت ماكدونوه وتشارلز من استخدام جهاز "آي توي"، وجهاز "وي" إلى كاميرات الويب المصنوعة؛ من أجل ألعاب الواقع الافتراضي، ثم انتقلت عبر إصداران من جهاز "كينيكت" لتتبُّع حركات الذراع واليد، وفي النهاية استقرت على أجهزة الواقع الافتراضي التي يتم ارتداؤها على الرأس من «أوكولوس»، ومن «جوجل»، من أجل تجربة أكثر غنى. كما يستخدمان أيضًا جهاز الاستشعار "ليب موشن". يقول تشارلز: "يستطيع الجهاز أن يتعرف على الإيماءات والتحركات الطبيعية لليد بكفاءة عالية".

ومع ذلك، فإن هذه الأدوات تشوبها مواطن قصور جوهرية. فمن المشكلات الأساسية مع جهاز "كينيكت": المسافة، إذ حيث كان مصممًا لغرف المعيشة، يستطيع الجهاز إجراء القياسات على بعد بضع أمتار فقط من المستشعر، كما يقول مانكوف. أما الخوارزميات الجديدة، بما فيها "كينيتيوس" Kinituous، و"إيلاستيك فيوجن" ElasticFusion، فتسمح للباحثين بدمج البيانات معًا، والتغلب على هذه النقيصة، لكن تظل هناك عقبات أخرى، ولا سيما فيما يتعلق بالعمل الميداني. يقول مانكوف: "أي شيء مبلل هو مشكلة، وأشعة الشمس المباشرة مشكلة. ولحسن حظي أنني أعمل داخل الكهوف، وإنْ لم يكن كذلك، كان سيتعين عليَّ العمل ليلًا، أو في الأيام الغائمة للغاية". ومن المشكلات الأخرى عمر البطارية، وصعوبة تتبُّع البشر ذوي الأوضاع الجسدية الغريبة، أو الملابس الفضفاضة.

ومع ذلك، يواصل الباحثون اكتشاف استخدامات مبتكرة لأجهزة الاستشعار. فمنذ أن نشر داس نتائج T. rex، تَلَقَّى طلبات متعددة من المتحف ومجتمعات علم الحفريات، لاستخدام الماسح الخاص به أو تطويعه؛ لتحليل حفريات وقطع فنية وأثرية أخرى. إن الأداة بسيطة جدًّا، حتى إنه قام باستخدامها ضمن نشاط لمسح الأوجه بمدرسة ابتدائية في نيو هامبشاير، حيث يعمل بشكل تطوعي. يقول داس: "لن تكون قادرًا على مضاهاة ماسح صناعي، لكنْ نظرًا إلى كونه رخيصًا للغاية، وتَسْهُل مشاركة البيانات منه، فمِن شأن ذلك أن يشجع على التعاون".

آنا ناوُجرودزكي كاتبة في مجال العلوم، تعيش في بوسطن بولاية ماساتشوستس.