تحقيق إخباري

الإعاقة الخفية

تمتلك الأبحاث التي أُجريت على متلازمة التعب المزمن ماضيًا غير ناصع، لكن ربما يكون العلماء الآن في سبيلهم إلى العثور أخيرًا على الطريق الصحيح.

إيمي ماكسمِن
  • Published online:
تحتفظ إليزابيث آلين بسجلات دقيقة للعلاجات العديدة التي تلقتها، من أجل تخفيف أعراض متلازمة التعب المزمن.

تحتفظ إليزابيث آلين بسجلات دقيقة للعلاجات العديدة التي تلقتها، من أجل تخفيف أعراض متلازمة التعب المزمن.

Preston Gannaway for Nature

اذْكُر أيّ علاج شئت، وستجد - على الأرجح - أن إليزابيث آلين قد جرّبته، مثل: الوخز بالإبر، والمضادات الحيوية، ومضادات الفيروسات، والأعشاب الصينية، والعلاج السلوكي المعرفي، وعشرات غيرها على الأقل. تكره إليزابيث المشاركة في هذا العدد الكبير من العلاجات، غير أنها تفعل هذا لأنها تتوق إلى الأيام التي كانت تتمتع فيها بصحّتها في الماضي. لقد كانت هذه المحامية - البالغة من العمر أربعة وثلاثين عامًا - تشارِك في منافسات السباحة في إحدى جامعات رابطة اللبلاب المرموقة، حين سقطت فريسة لمتلازمة التعب المزمن لأول مرة، وذلك منذ أربعة عشر عامًا. وتُبيِّن سجلاتها الدقيقة أن هذا الداء المستعصي أسوأ كثيرًا من الإنهاك العادي. تقول إليزابيث: "في العام الماضي، ذهبتُ إلى الأطباء 117 مرة، ودفعتُ 18 ألف دولار من مالي الخاص".

وإذ شعرت إليزابيث بالذهول لمّا وجدت أن الأطباء لا يعرفون إلا أقل القليل عن متلازمة التعب المزمن - المعروفة أيضًا باسم "التهاب الدماغ والنخاع المؤلم للعضل"، أو ME/CFS اختصارًا - فقد عقدت العزم منذ عدة سنوات على المشاركة في أي دراسة ستقبل بها. وفي عام 2017، حصلت على فرصتها؛ إذ شاركت في دراسة تُقيِّم استجابة النساء المصابات بهذه المتلازمة للهرمونات التخليقية.

"في العام الماضي، ذهبتُ إلى الأطباء 117 مرة، ودفعتُ 18 ألف دولار من مالي الخاص".

بعد عقود من المناشدة، حصل المصابون بهذه المتلازمة أخيرًا على اهتمام جمهور العلماء؛ وتُجرَى حاليًّا عشرات من الدراسات الاستكشافية. ويتحسس العلماء طريقهم إلى هذا المجال، مستخدمين الأدوات الفعّالة التي تمدّهم بها البيولوجيا الجزيئية الحديثة؛ بغية البحث عن أي جينات، أو بروتينات، أو خلايا، أو عوامل مُعدية ممكنة لها صلة بالأمر. وهم يأملون أن يؤدي عملهم إلى إنتاج اختبار معملي؛ لتشخيص متلازمة التعب المزمن - التي من الممكن أن تكون لها مسببات عديدة مختلفة، وتتجسد في صور متعددة - كما يرغبون في تحديد المسارات الجزيئية؛ كي يستهدفونها بالعقاقير.

دعمت معاهد الصحة الوطنية الأمريكية في بيثيسدا بولاية ميريلاند هذا المجال العام الماضي بأنْ زادت، بأكثر من الضعف، المبالغ المنفَقة على الأبحاث المتعلقة بهذه الحالة المرضية، وذلك من حوالي 6 ملايين دولار أمريكي في عام 2016 إلى 15 مليون دولار في 2017. وتتضمن هذه المبالغ التمويل الممنوح لأربعة مراكز بحثية معنية بمتلازمة التعب المزمن في الولايات المتحدة، ستتلقى مجتمعةً 36 مليون دولار خلال الأعوام الخمسة المقبلة.

ينطوي هذا الأمر على قدر كبير من المخاطرة؛ لأن السمعة العلمية لهذا المجال شوّهتها أبحاث مثيرة للجدل في الماضي. ففي عام 2009، قوبِل تقرير1 أفاد بأن أحد الفيروسات القهقرية يُسمَى "إكس إم آر في" يمكن أن يكون المسبِّب للمرض، باحتفاء شديد، لكن هذا الاحتفاء تراجَع بعد ذلك بعامين. وفي عامي 2011، و2013، أفاد فريق بريطاني بأن التمارين البدنية، والعلاج السلوكي المعرفي قد خففا من حدة أعراض متلازمة التعب المزمن لدى العديد من الأشخاص في دراسة إكلينيكية كبيرة، سُميَت تجربة2،PACE3 . وقد أصدرت السلطات الصحية في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة توصيات، استنادًا إلى نتائج هذه الدراسة، لكنْ بدايةً من عام 2015 تقريبًا، بدأ العلماء والمدافعون عن حقوق المرضى في الانتقاد العلني للتجربة، نظرًا إلى ما وجدوه من عيوب في تصميمها. وينكر منظمو التجربة وجود مشكلات خطيرة بها، غير أن مسؤولي الصحة في كلا البلدين شرعوا في مراجعة مبادئهما التوجيهية.

في الوقت عينه، يهيم المرضى على غير هُدى في الفراغ المعرفي المحيط بهذه الحالة المرضية، وذلك حسب تعبير خوسيه مونتويا، إخصائي الأمراض المُعدية في كلية الطب بجامعة ستانفورد في كاليفورنيا وأحد الأطباء المعالجين لإليزابيث. ويضيف خوسيه: "لقد عانت متلازمة التعب المزمن من تطبيق العلماء للطرق المعتادة". وهو يأمل أن تساعد التحليلات المتقدمة لكل من علم الجينوم، وعلم دراسة البروتينات، وعلم دراسة الأيض، وغيرها في تغيير ذلك. وعن هذا يقول: "لم يتمكن عالِم أحياء دقيقة إيطالي من الربط بين الكوليرا والبكتيريا المسببة لها، إلا بعد اختراع الميكروسكوب. وبالمنطق ذاته، نحن لم نمتلك مكافئ الميكروسكوب حتى الآن". 

الأيام الأولى

في عامي 1984، و1985، تفشى وباء من التعب المستديم في منطقة بحيرة تاهو في نيفادا. وأخضعت المراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها المصابين لاختبارات فيروس إبشتاين-بار، وهو أحد أسباب المرض المسبِّب للتعب المسمى "كثرة الوحيدات"، أو "الحُمَّى الغُدِّيَّة"، غير أن النتائج لم تكن حاسمة، وتوقف التحقيق في أسباب هذا الوباء. وفي عام 1987 تقريبًا، صكّ الباحثون اسم "متلازمة التعب المزمن"، غير أن وسائل الإعلام أطلقت عليه - استهزاءً - اسم "إنفلونزا المترفين". وكان الأطباء يخبرون الناس عادةً أن الأعراض التي يعانون منها سببها العُصاب، أو الاكتئاب.

هذا.. ولكن نسبة صغيرة من الأطباء الإكلينيكيين استمعوا بانتباه إلى المرضى، الذين أصرُّوا على أن شعورهم بالإنهاك الموهِن لم يكن في عقولهم فقط. وبالرغم من أن ممارسة القليل من التمارين البدنية يمكن أن يُحسِّن مؤقتًا من الحالة المعنوية للشخص المصاب بالاكتئاب، إلا أن المصابين بمتلازمة التعب المزمن يظلون طريحي الفراش لأيامٍ، عقب بَذْل أيّ مجهود بدني. ويعاني البعض أيضًا من إعاقات مزمنة، والبعض من اضطرابات معوية، والبعض الآخر يفقدون قدرتهم على المشي تمامًا. وقد بدأ أنطوني كوماروف - وهو طبيب وعالِم في كلية هارفارد للطب ببوسطن في ولاية ماساتشوستس - في إجراء دراسات على هذا المرض في منتصف الثمانينات، رغم تثبيط زملائه له. وعن هذا يقول: "شجّعتني حقيقة أنني عندما كنت أسأل زملائي عن سبب تَشَكُّكهم، لم يستطيعوا أن يذكروا سببًا واضحًا".

وفي التسعينات، بدأ ليونارد جيسون - وهو باحث في علم النفس بـجامعة دي بول في شيكاجو بولاية إلينوي - في التحقق من صحة المعلومات الوبائية الأساسية المتعلقة بمتلازمة التعب المزمن. على سبيل المثال.. وصفت المراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها (CDC)المتلازمة بأنها نادرة، وتؤثر في الأساس على النساء البِيض، غير أن جيسون رأى أن الأطباء الإكلينيكيين ربما يغفلون العديد من الحالات. فالحالات التي جرى تشخيصها كانت - على الأرجح - هي تلك التي تعود من أجل الحصول على رأي طبي مرة ثانية، وثالثة، ورابعة. أما الأشخاص الذين يشعرون بالوصم بسبب تعبهم هذا، أو طريحو الفراش، أو الفقراء، أو مَن لا يجدون دعمًا اجتماعيًّا كافيًا، فربما لا يبذلون كل هذا الجهد من أجل الحصول على تشخيص.

ومن ثَمَّ، فقد اتصل فريق جيسون بقرابة 30 ألف رقم هاتفي عشوائي في شيكاجو؛ بغية الاستفسار عما إذا كان أحد سكان المنزل يعاني من أعراض هذا المرض، أم لا. وإذا كان هذا صحيحًا، كان الفريق يأتي بهم إلى العيادات؛ من أجل تقييم حالتهم. ونتيجةً لما توصلت إليه هذه الدراسة4، وغيرها من الدراسات الأخرى، حذفت المراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض، والوقاية منها كلمة "نادرة" من وصفها للمتلازمة. وفي عام 2015، قدَّر تقرير5 صادر عن معهد الطب الأمريكي أن عددًا يتراوح بين 836 ألف، و2.5 مليون أمريكي يعانون من هذا المرض. كما قدَّرَت دراسة أخرى6 أن أكثر من 125 ألف شخص في المملكة المتحدة يعانون من متلازمة التعب المزمن. أشار أيضًا تقرير7 وارد من نيجيريا إلى أن هذا المرض ربما يكون أكثر شيوعًا هناك، وربما يستفحل بفعل أمراض مُعدية أخرى، وسوء التغذية، غير أن هذه الأرقام غير دقيقة؛ نظرًا إلى الطرق المختلفة التي يشخّص بها الأطباء هذه الحالة المرضية.

وبطرق عديدة.. يظل المصابون بمتلازمة التعب المزمن بعيدين عن الأنظار، فغالبية المرضى أخبرهم طبيب واحد على الأقل بأنه لا بأس بهم، كما أن المجتمع كثيرًا ما يتجاهلهم. ففي الولايات المتحدة، نلحظ أن الضغوط المالية شائعة؛ لأن الجهات التي توفر التأمين الطبي ربما تَعتبِر أن العلاجات التجريبية غير ضرورية، وربما لا يشعر أصحاب العمل بأن بَدَلات الإعاقة مبرَّرة. وحتى في الدول التي تُعَد فيها الرعاية الصحية حقًّا أصيلًا، كان الموقف شديد السوء. يقول عدد كبير من المدافعين عن حقوق المرضى إن الوكالات الحكومية في المملكة المتحدة عاملت متلازمة التعب المزمن - بشكل أساسي - كما لو كانت حالة نفسية محضة. وهذا الاستنتاج دعمته - في نظرهم - ما توصلت إليه تجربة PACE من نتائج، مفادها أن التمارين البدنية والعلاج السلوكي المعرفي يخففان من حدة الأعراض. وقد أوصت هيئة الخدمات الصحية الوطنية بهذه التدخلات العلاجية، حتى بعد أن شكا كثيرٌ من المرضى من أن التمارين البدنية تسببت في تدهور حالتهم بشدة.

وقد رأى أخصائيو الوبائيات8 أن الكرب الناتج عن الصراع مع المرض، وكذلك تغافل المجتمع عنه بوجه عام، يسهمان في زيادة معدلات الانتحار بسبعة أضعاف على الأقل لدى المصابين بمتلازمة التعب المزمن.

ولن ينسى مونتويا مطلقًا مأساة بعينها من هذا النوع. فمنذ عقد مضى، فتح عيادة لعلاج المصابين بمتلازمة التعب المزمن لمدة نصف يوم في الأسبوع في ستانفورد. وذات ظهيرة، تلقى اتصالًا من امرأة باكية، كانت ابنتها - البالغة من العمر 45 عامًا - قد عادت إلى منزلها في كاليفورنيا، بعد أن أُصيبت بمتلازمة التعب المزمن. قرأت الابنة على الإنترنت عن عيادة مونتويا، وأرادت أن تحجز موعدًا، غير أن المواعيد كلها كانت محجوزة لعامين كاملين. ويقول مونتويا إن الابنة طلبت - في رسالة الانتحار التي تركتها - التبرع بمخها لمونتويا، من أجل الأغراض البحثية. ويضيف مونتويا: "أشعر بالذنب الشديد، لأن في تلك السنوات كان مئات المرضى على قائمة الانتظار".

الجهاز المناعي

في الوقت الحالي، تفتح عيادة مونتويا أبوابها خمسة أيام في الأسبوع. ويستكشف مونتويا في أبحاثه عددًا من السبل المختلفة.. فدراسة الهرمونات التي تشارك فيها إليزابيث آلين تبحث عن التغيرات في الكيفية التي يجري بها تنظيم الجهاز الصَّمَّاوي لدى الأشخاص المصابين بمتلازمة التعب المزمن، وهو عنصر ربما يفسر شيوع المرض لدى النساء أكثر من الرجال، غير أن فرضية مونتويا الرئيسة هي أن متلازمة التعب المزمن تبدأ بعدوى تسبِّب خللًا شديدًا في الجهاز المناعي.

تؤدي صور العدوى - في العموم - إلى التهاب، وذلك حين تتعرف مستقبِلات البروتينات الموجودة على الخلايا التائية - وهي أحد أنواع الخلايا المناعية - على البروتينات المناظِرة التي تحملها البكتيريا، أو الطفيليات، أو الفيروسات. وتتضاعف أعداد الخلايا التائية، وتحفز هجومًا التهابيًّا يتضمن نسخ خلايا مناعية مُنتِجة للأجسام المضادة، تُسمَّى الخلايا البائية. وفي السنوات القليلة الماضية، كشف الباحثون عن إشارات لوجود استجابة مناعية غير معتادة في متلازمة التعب المزمن. وفي وقت قريب، في يونيو الماضي تحديدًا، كشف مونتويا وزملاؤه9 عن وجود مواطن شذوذ في مستويات 17 بروتينًا من بروتينات الجهاز المناعي، تُسمَّى "السيتوكينات" لدى أشخاص مصابين بصور حادة من المتلازمة، لكن ما يسبب خلل الاستجابة الالتهابية يظل مجهولًا. ويتمثّل أحد الاحتمالات في أنه في حالة بعض أمراض المناعة الذاتية، تُستثار الخلايا التائية خطأً من جانب أحد بروتينات الجسم نفسه، بدلًا من بروتين دخيل، ومن ثم تفرز الخلايا البائية أجسامًا مضادة ذاتية التفاعل.

أدّت نتيجة توصلت إليها إحدى الدراسات بصورة عارضة إلى تعضيد هذه الفكرة. ففي عام 2008، كان أويستاين فلوج - أخصائي الأورام بمستشفى جامعة هوكلاند في برجين بالنرويج - يعالج مريضًا مصابًا بسرطان الغدد الليمفاوية باستخدام "الريتوكسيماب"، وهو جسم مضاد يقتل الخلايا البائية. وقد أخبره المريض أن العقار حلّ مشكلة متلازمة التعب المزمن التي يعاني منها؛ فأجرى فلوج وزملاؤه تجربة خاضعة للضبط، عن طريق عقار وهمي على 30 شخصًا يعانون من المتلازمة (وليس السرطان)، ووجدوا أن "الريتوكسيماب" قد حسَّن الأعراض10. ومع ذيوع هذه الأنباء.. انهالت على فلوج مئات من رسائل البريد الإلكتروني من أشخاص يطلبون المشاركة في تجاربه، وتَلَقَّى الأطباء من كل أنحاء العالم طلبات مستميتة للحصول على هذا العلاج التجريبي.

هذا.. غير أن آمال فلوج التي كان يحلم بها تبددت في أكتوبر الماضي، حين قيَّم البيانات المأخوذة من تجربة إكلينيكية لم تُنشَر نتائجها، بعد أن أُجريت على 151 شخصًا، ووجد أن "الريتوكسيماب" لم يكن أفضل من العلاج الوهمي. يقول فلوج إن التفاصيل الأدق للتجربة ربما تكشف عما إذا كانت مجموعة فرعية صغيرة من المشاركين قد استفادت، أم لا. ويشك فلوج - شأنه شأن كثيرين غيره - في أن متلازمة التعب المزمن ربما يتضح أنها مكوَّنة من عدة أمراض ذات مسبِّبات وآليات عمل جوهرية مختلفة. ولهذا السبب.. فإن ما قد يساعد بعض الأشخاص ربما لا يساعد البعض الآخر. وربما يظل هذا التأثير مستعصيًا على الإدراك، إلى أن يكون بمقدور الأبحاث تمييز الكيفية التي يتباين بها المرضى بعضهم عن بعض. ومع هذا.. فإن الإخفاق الإجمالي للتجربة الإكلينيكية يشير إلى أن المناعة الذاتية ليست السبب الرئيس لمتلازمة التعب المزمن، وذلك حسب قول ديريا أونوتماز، أخصائي المناعة في مختبر جاكسون لطب الجينوم في فارمينجتون بولاية كونيتيكَت. وهو يرى - بدلًا من ذلك - أن الالتهاب المرصود في متلازمة التعب المزمن ربما يكون ناتجًا عن مشكلة في الجانب التنظيمي لأحد بروتينات الجهاز المناعي، الذي يقوم في الأحوال العادية بكبح استجابة الخلايا التائية نحو الفيروسات الحميدة، أو جسيمات العفن، أو غيرها من المثيرات غير المسببة للتهديد. ويضيف أونوتماز: "إن إخفاق الريتوكسيماب يسبب إحباطًا شديدًا لدى المرضى، لكن إجراء هذه التجربة - في حد ذاته - أمر شديد الأهمية في هذا المجال. وعن طريق استبعاد هذا الاتجاه، يصير بوسعنا التركيز على غيره من الاتجاهات الأخرى". وهذه هي الاستجابة العلمية التي كافح المدافعون عن حقوق المرضى من أجلها منذ عقد التسعينات.

الجهاز الأيضي، والميكروبيوم

تُوَثِّق رسائل إخبارية، عمرها يزيد على العقد، كيف جاهد النشطاء في سبيل الحصول على اعتراف العلماء بهذه المتلازمة. ففي عمود مكتوب في عام 1998، تتحدث الشريكة المؤسِّسة لواحدة من منظمات الدفاع عن حقوق المصابين بمتلازمة التعب المزمن عن مؤتمر عُقِد حول هذا المرض في بوسطن، وتقول إن شخصًا من منظمة "آكت أب" - وهي جماعة معروفة بدعمها للأبحاث التي تُجرَى على فيروس العوز المناعي البشري - كان حاضرًا، "وكان من الممكن أن يرينا كيف نحصل على مزيد من الانتباه لهذا المرض".

"تعلمتُ أنه إذا بدا الأمر مثيرًا، فهو - على الأرجح - خاطئ".

خلال العقد الأول من القرن الواحد والعشرين، اتهم المدافعون عن حقوق المرضى معاهد الصحة الوطنية الأمريكية بمحاباة طلبات المِنَح التي تركز على الدراسات النفسية والسلوكية، في مقابل تلك التي تستكشف المسارات الفسيولوجية، لكنْ حدث تغير كبير في عام 2015، حين راجع معهد الطب الأمريكي5 أكثر من 9 آلاف مقال علمي، وخلص إلى أن "الرسالة الأساسية لهذا التقرير هي أن متلازمة التعب المزمن مرض خطير، ومزمن، ومعقد، وشامل الجسم كله". وبعد ذلك بوقت قصير، قال مدير معاهد الصحة الوطنية، فرانسيس كولينز، إن المعاهد ستدعم الأبحاث العلمية الأساسية؛ بهدف التوصل إلى آليات هذه المتلازمة.

وفي سبتمبر من العام الماضي، أعلنت معاهد الصحة الوطنية عن الفائزين بمنح جديدة تدعم المحاور البحثية التي تتناول متلازمة التعب المزمن. يبدو بعض هذه المشروعات كما لو كان تكرارًا للبعض الآخر، لكن هذا أمر مقصود. ويفسر والتر كوروشيتز - رئيس معهد الأمراض العصبية والسكتات الدماغية الوطني، التابع لمعاهد الصحة الوطنية الأمريكية في بيثيسدا، ورئيس مجموعة العمل المشتركة في معاهد الصحة الوطنية، المعنية بمتلازمة التعب المزمن - هذا الأمر بأن معاهد الصحة الوطنية ترى في هذا التكرار نقطة قوة. وعن هذا يقول: "لم يكن هناك جهد مُنسَّق لمتابعة الدراسات المنشورة، وتحديد أي النتائج هي الأهم، وأيها يمكن إعادة إنتاجها، وأيها تتضاءل أهميتها حين نتدبر مجموعة مختلفة من المرضى". ولهذا السبب.. ذهبت واحدة من المِنَح التي قدمتها معاهد الصحة الوطنية إلى مركز في معهد ريسرش ترايانجل في ولاية كارولاينا الشمالية، سيدمج البيانات المتعلقة بمتلازمة التعب المزمن معًا.

ستُقدَّم أيضًا منحة مقدارها 10 ملايين دولار على خمس سنوات إلى أونوتماز، الذي يدرس التفاعل بين الجهاز العصبي، والأيضي، والمناعي لدى المصابين بمتلازمة التعب المزمن. وكجزء من هذه الدراسة، سيتعاون أونوتماز مع أخصائيي أحياء دقيقة؛ بغية تقييم البكتيريا التي تعيش داخل أجساد المصابين، ورؤية كيف أن التغيرات في مجموعات هذه البكتيريا من شأنها أن تغيِّر منتجات أيضية، مثل الجلوكوز، ربما تؤثر بدورها على الالتهاب. ويقرّ أونوتماز بأن دراساته لا تزال في مراحلها المبكرة، ويقول إن الهدف منها هو توليد بيانات؛ من أجل صياغة فرضيات أدق، ويقول: "لا ندري ما يمكن أن نكتشفه بعد في هذا المرض". وقد فاز باحثون في جامعة كولومبيا بمدينة نيويورك، وجامعة كورنيل في إيثاكا بنيويورك بمِنَح مقدمة من معاهد الصحة الوطنية؛ من أجل استكشاف بعض هذه الموضوعات عينها، والتعمق في دراسة الالتهاب داخل الدماغ.

يرى بعض باحثي متلازمة التعب المزمن أن إسهامات معاهد الصحة الوطنية لا تزال هزيلة. وتقول إلينور رايلي، أخصائية المناعة في جامعة إدنبرة بالمملكة المتحدة: "ثمة مشكلة حقيقية، تتمثّل في أن الممولين يرغبون في رؤية الأوراق البحثية وهي تصدر بعد فترة قليلة، غير أن هذا مرض معقد، ويتطلب دراسات طويلة المدى، إجراؤها عالي التكلفة". وبداية من عام 2013، ساعدت رايلي في تدشين بنك حيوي مدعوم من معاهد الصحة الوطنية، والحفاظ عليه، وهو البنك الذي يضم عينات مأخوذة من المصابين بمتلازمة التعب المزمن في كلية لندن لحفظ الصحة وطب المناطق الحارة، غير أن هذا البنك كان محدودًا، بسبب قيود التمويل.

يقول رونالد ديفيز - وهو كيميائي حيوي يدير مركز ستانفورد لتكنولوجيا الجينوم - إنه يجاهد هو الآخر من أجل تمويل أبحاثه المعملية على متلازمة التعب المزمن. ويشير ديفيز إلى أنه بالرغم من أن فيروس العوز المناعي البشري يؤثر على العدد نفسه تقريبًا من الأشخاص في الولايات المتحدة - حوالي 1.2 مليون شخص - فإن التمويل الذي يتلقاه من معاهد الصحة الوطنية يساوي مائتي ضِعف التمويل المقدَّم إلى متلازمة التعب المزمن.

وفي شهر ديسمبر الماضي، أعلنت مؤسسة أوبن ميديسين في أجورا هيلز بكاليفورنيا - وهي مؤسسة بحثية خيرية، يعمل ديفيز مستشارًا لها - عن دعمها لمركز تعاوني خاص بدراسة متلازمة التعب المزمن بقيادة ديفيز. وفي أحد المشروعات، يعتزم الفريق الانتهاء من تحليل الجينومات الكاملة لعشرين شخصًا مصابين بدرجة حادة من متلازمة التعب المزمن، إضافة إلى جينومات أفراد أُسَرهِم، وذلك من أجل البحث عن أي استعداد جيني مسبق للإصابة بالمرض. ويتضمن مشروع آخر تطوير ما يمكن أن يكون أول اختبار تشخيصي لمتلازمة التعب المزمن.

يَستخدِم هذا الاختبار جهازا صغيرًا يحوي 2500 قطب كهربي، تقيس المقاوَمة الكهربية في الخلايا المناعية والبلازما المأخوذة من الدم. وحين عرَّض ديفيز عينات الدم المأخوذة من المصابين بمتلازمة التعب المزمن لأحد مسببات الإنهاك - رشة مِلح - كشفت الرقاقة الإلكترونية عن أن الدم لم يتعاف بالدرجة نفسها التي تَعافَى بها في العينات المأخوذة من البالغين الأصحاء. ومع ذلك.. فإن ديفيز يمنع نفسه من التصريح بأي شيء، إلى أن يُجرِي دراسة كبيرة بما يكفي، بحيث توضح تأثيرات ذات دلالة إحصائية؛ من ضمنها وجود اختلاف بين الأشخاص المصابين بمتلازمة التعب المزمن، والمصابين بحالات مرضية أخرى. ويقول ديفيز: "كانت المشكلة في حالة فيروس "إكس إم آر في" هي أن الناس قفزوا إلى النتائج. وقد تعلمتُ أنه إذا بدا الأمر مثيرًا، فهو - على الأرجح - خاطئ".

يجهِّز الباحث رونالد ديفيز علاجًا لابنه، ويتني دافو، المصاب بمتلازمة التعب المزمن، الذي صار عاجزًا عن المشي، أو التحدث.

يجهِّز الباحث رونالد ديفيز علاجًا لابنه، ويتني دافو، المصاب بمتلازمة التعب المزمن، الذي صار عاجزًا عن المشي، أو التحدث.

VERONICA WEBER/PALO ALTO WEEKLY

يدرك ديفيز الألم الناتج عن الإحباط بصورة شخصية. فقد بدأ دراسة متلازمة التعب المزمن في عام 2008، حين صار ابنه، ويتني دافو، عاجزًا بسبب هذا المرض. تطوَّع دافو للخضوع للدراسة في مركز والده. وتتذكر لوريل كروسبي - وهي عضوة بالفريق - أنها كانت تتبادل رسائل البريد الإلكتروني مع دافو، يتناقشان فيها في الأبحاث، لكنْ مع تدهور حالة دافو، توقف عن الرد بعبارات مكتملة، وبدأ يرد برسائل نصية بالحرفين Y (نعم)، أو N (لا). بعد ذلك.. توقفت هذه الرسائل هي الأخرى، إذ لم يعد بمقدور دافو - البالغ من العمر 34 عامًا - التحدث. وهو يتواصل مع والديه عبر حركات بسيطة، مثل تمزيق ثقوب على شكل قلوب في المناشف الورقية.

يوجد ملصق يحمل صورة دافو، معلَّق في مكتب والده. وفي هذا الملصق يقف دافو على شاطئ يقع في شمال كاليفورنيا، وهو يرفع يديه نحو السماء. التقط ديفيز هذه الصورة في أحد أواخر الأيام التي كان بمقدور ابنه السير فيها. ويقول ديفيز: "إنه عاجز عن السير الآن، وعاجز عن الاستماع إلى الموسيقى، وعاجز عن الكتابة، وهو طريح الفراش طوال اليوم، وهناك آلاف آخرون من المرضى مثله، يشعرون بالإحراج حين يقال لهم إنه لا يوجد بهم ما يستدعي قلقهم". ولهذا.. يعكف ديفيز في نشاط على اختبار الجهاز الكهربائي، إضافة إلى فحص عينات الدماء؛ بحثًا عن البروتينات والبصمات الوراثية التي يمكن أن تكشف عن واسمة حيوية للمرض. فقد أدى عدم امتلاك معايير واضحة للتشخيص إلى جعل التجارب الإكلينيكية شديدة الصعوبة.

في عام 2015، نشر ديفيد تالر - وهو صحفي تحوّل إلى مُدافِع عن حقوق المصابين بمتلازمة التعب المزمن - نقدًا لدراسات PACE11. وبعدها بأسابيع، وقّع ستة باحثين خطابًا مفتوحًا إلى محرر مجلة «ذا لانسيت»The Lancet ، التي نشرت النتائج الأولية لدراسات PACE، يطلبون إعادة تحليل للبيانات (انظر: go.nature.com/2z9inlg). وفي شهر مارس من عام 2017، فعل علماء ومدافعون عن حقوق المرضى الأمر عينه في خطاب موجَّه إلى دورية «سايكولوجيكال ميديسين» Psychological Medicine - التي نشرت نتائج دراسات PACE في عام 2013 - يطلبون منها سحبها (انظر: go.nature.com/2brb5yx). وقد تمثّل أحد الانتقادات الرئيسة في أن الباحثين غيّروا كيفية قياس التعافي في أثناء سير التجربة، ما جعل النتيجة أيسر في التحقيق. وأنكر باحثو دراسات PACE هذا الاتهام وغيره من الاتهامات الأخرى على موقعهم الإلكتروني، وكتبوا أن التغييرات أُجريت قبل أن يحللوا البيانات، وأنها لم تؤثر على النتائج.

يختلف المرضى والمدافعون عن حقوقهم مع هذا الرأي. ورغم أن الورقة لم تُسحَب، إلا أن المراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض، والوقاية منها سحبت توصياتها بشأن التجربة المعنية. وفي سبتمبر من العام الماضي، أعلنت معاهد الصحة الوطنية أيضًا أنها ستراجع توصياتها. وفي تقرير مماثل12. خلصت لجنة من الخبراء إلى أن النماذج البيولوجية الأخيرة المبنية على أوجه الشذوذ الفسيولوجية القابلة للقياس تتطلب اهتمامًا أكبر.

ورغم العقبات والتأخيرات الطويلة، يرى كثيرون أن العِلْم يعمل كما ينبغي؛ من حيث كونه منفتحًا على النقد الذاتي والمراجعة. وفي غضون خمس سنوات، من المفترَض أن يكون الباحثون قادرين على تحديد انحرافات محددة في الأجهزة المناعية، أو الأيضية، أو الصمامية، أو العصبية لدى المصابين بمتلازمة التعب المزمن، وربما يعثرون على استعدادات وراثية للإصابة بهذه الحالة. وربما تتمخض هذه المؤشرات عن اختبارات تشخيصية، ثم علاجات بعد ذلك.

لم تلتحق إليزابيث آلين بدراسة مونتويا على أمل العثور على علاج عما قريب. وهي تقول إنها ستكون سعيدة، لو تَمَكَّن جيل أصغر - على الأقل - من تجنب الحيرة التامة التي شعرت بها حين أخذ جسدها يخذلها على حين غرة. وتقول: "أعرف كم يستغرق العِلْم من وقت، وسأحاول أن أفعل كل ما في وسعي، كي أجعله يتحرك إلى الأمام بأسرع ما يمكن".

References

  1. Lombardi, V. C. et al. Science 326,585–589 (2009). | article
  2. White, P. D. et al. Lancet 377,823–836 (2011). | article
  3. White, P. D., Goldsmith, K., Johnson, A. L., Chalder, T. & Sharpe, M. Psychol. Med. 43, 2227–2235 (2013).  | article
  4. Jason, L. A. et al. Arch. Intern. Med.159, 2129–2137 (1999). | article
  5. Institute of Medicine. Beyond Myalgic Encephalomyelitis/Chronic Fatigue Syndrome: Redefining an Illness (National Academies Press, 2015); available at http://go.nature.com/2kydjdi | article
  6. Nacul, L. C. et al. BMC Med. 9, 91 (2011).

     | article
  7. Njoku, M. G. C., Jason, L. A. & Torres-Harding, S. R. J. Health Psychol. 12, 461–474 (2007). | article
  8. Kaupur, N. & Webb, R. Lancet 387, 1596–1597 (2016). | article
  9. Montoya, J. G. et al. Proc. Natl Acad. Sci. USA114, E7150–E7158 (2017). | article
  10. Fluge, Ø. et al. PLoS ONE6, e26358 (2011). | article
  11. Tuller, D. ‘Trial by error: The Troubling Case of the PACE Chronic Fatigue Syndrome Study’ Virology Blog (2015); available at http://go.nature.com/2j5fip7 | article
  12. National Institute for Health and Care Excellence. Surveillance report 2017 — Chronic fatigue syndrome/myalgic encephalomyelitis (or encephalopathy):  diagnosis and management (2007) NICE guideline CG53 (NICE, 2017); available at http://go.nature.com/2d4ckro| article

إيمي ماكسمِن تكتب لدورية Nature من سان فرانسيسكو في كاليفورنيا.