تحقيق إخباري

العلوم التي لم يُستشهَد بها أبدًا

دورية Nature تستكشف نِسَب الأوراق البحثية التي لا تحظى فعليًّا بأيّ استشهادات.

ريتشارد فان نوردن

  • Published online:

ILLUSTRATION BY SERGE BLOCH

كان عالِم الوراثة الحاصل على جائزة "نوبل"، أوليفر سميثيز، الذي توفي في يناير عام 2017 عن عمر يناهز 91 عامًا، مخترعًا متواضعًا، يفضل الابتعاد عن الأضواء. وقد اعتاد استحضار قصة واحدة من أكبر إخفاقاته، وهي ورقة بحثية1 تتناول قياس الضغط الأسموزي، نُشرت في عام 1953، التي - حسب قوله - حظيت "بانفراد مريب بعدم الاستشهاد بها إطلاقًا".

وقد أخبر بعض الطلاب في لقاء جمعه بهم في عام 2014 في لينداو بألمانيا، قائلًا: "لم يَستشهِد بها أحد قط، ولم يَستخدِم أحد المنهج الوارد فيها أبدًا".

هذا.. ولكن في حقيقة الأمر، جذبت ورقة سميثيز البحثية قدرًا من الاهتمام يفوق ما اعتقده هو، فقد استُشهد بها مرجعيًّا في تسع مقالات بحثية في غضون عقد واحد مِن نشرها. وذلك الخطأ الذي ارتكبه يمكن تفهُّمه، فكثير من العلماء يُكنُّون في داخلهم انطباعات خاطئة بشأن الأبحاث التي لم يُستشهد بها، من ناحية مداها، وكذلك تأثيرها على العلم والمعرفة.

"لا يمكنني إخبارك كَمّ من الأشخاص سألوني على العشاء: "كم تبلغ نسبة الأبحاث والدراسات التي لا يُستشهد بها مطلقًا؟"

أشار تقدير متكرر على نطاق واسع - ورد في مقالة مثيرة للجدل في دورية "ساينس" Science خلال عام 1990 - إلى أن أكثر من نصف المقالات الأكاديمية كلها يظل غير مُستشهَد به لمدة خمس سنوات من تاريخ نشر المقالة2. ويُصاب العلماء بالقلق حقًّا من هذه المسألة، حسبما يقول جيفين ويست، عالِم المعلومات بجامعة واشنطن في سياتل، الذي يدرس الأنماط واسعة النطاق في الأدبيات البحثية. وفضلًا عن ذلك.. تحظى الاستشهادات بالتقدير على نطاق واسع، بوصفها مقياسًا موحدًا للتأثير الأكاديمي؛ أي علامة على أن البحث لم يُقرأ فحسب، وإنما ثبت نفعه وجدواه للدراسات اللاحقة. ويساور الباحثين القلقُ من أن ارتفاع معدلات عدم الاستشهاد يشير إلى كومة من البحوث غير المفيدة، أو عديمة الصلة. يقول ويست: "لا يمكنني إخبارك كَمّ من الأشخاص سألوني على العشاء: "كم تبلغ نسبة الأبحاث والدراسات التي لا يُستشهَد بها مطلقًا؟"".

في الواقع، الأبحاث التي لا يُستشهد بها ليست دائمًا عديمة الفائدة، بل لا يوجد الكثير منها، حسبما يقول فينسنت لاريفيير، عالِم المعلومات بجامعة مونتريال في كندا.

ولكي نفهم ذلك الجانب الغامض والمنسي من البحوث المنشورة بصورة أفضل، بحثت دورية Nature في الأرقام والإحصاءات؛ بغية الكشف عن عدد الأوراق البحثية التي بالفعل لا يُستشهد بها. من المستحيل أن نعرف ذلك بصفة قطعية، لأن قواعد البيانات الخاصة بالاستشهادات غير كاملة، لكنْ من الواضح أنه - على الأقل فيما يخص المجموعة الأساسية التي تضم 12 ألف دورية، أو ما يقرب من ذلك على موقع شبكة "ويب أوف ساينس" Web of Science، وهي قاعدة بيانات ضخمة تمتلكها شركة «كلاريفيت أناليتكس» Clarivate Analytics في فيلادلفيا بولاية بنسلفانيا - تُعَد الأوراق البحثية التي لم يتم الاستشهاد بها مطلقًا أقل شيوعًا بكثير من الاعتقاد السائد على نطاق واسع.

تشير سجلات شبكة "ويب أوف ساينس" إلى أن أقل من نسبة 10% من المقالات العلمية من المرجح أن تظل غير مُستشهَد بها. والرقم الحقيقي - في الغالب - أقل من ذلك، لأن أعدادًا كبيرة من الأوراق البحثية التي تسجلها قاعدة البيانات بوصفها غير مُستشهَد بها قد استشهَد بها أحد الأشخاص بالفعل في مكان ما.

ولا يعني ذلك بالضرورة أن الأبحاث منخفضة الجودة التي تثير القلق عددها أقل، فآلاف الدوريات ليست مُفهرسة بموقع "ويب أوف ساينس"، وتبقى المخاوف من أن يستفيض العلماء في سيرهم الذاتية بحَشْوها بأوراق بحثية عديمة الجدوى، برغم كونها حقيقية.

قد تبث الأرقام الجديدة الطمأنينة في نفوس أولئك الذين تفزعهم التقارير التي تتحدث عن تلال البحوث المهمَلة. وإذا ما ألقينا نظرة عن كثب على بعض الأوراق البحثية التي لم يُستشهَد بها؛ لرأينا أن لها نفعًا، وأنها تُقرأ، رغم أنها قد تعرضت لتجاهل واضح. يقول ديفيد بندلبري، أحد كبيري محللي الاستشهادات بشركة «كلاريفيت»: "لا يمكن تفسير نقص الاستشهادات على أن المقالات البحثية تلك عديمة الفائدة، أو ليست ذات قيمة".

أساطير حول عدم الاستشهاد

تعود فكرة أن الأدب العلمي مكتظ بالأبحاث التي لم يُستشهد بها أحد إلى مقالتين نُشرتا في دورية "ساينس" Science، إحداهما2 في عام 1990، والأخرى3 في عام 1991. ذكر التقرير المنشور في عام 1990 أن 55% من المقالات المنشورة في الفترة ما بين عامي 1981، و1985 لم يُستشهد بها في الأعوام الخمسة التالية لنَشْرها، لكنّ تلك التحليلات تُعَد مضللة. والسبب الرئيس في ذلك أن المواد المنشورة التي حصرتها الدراسة تضمنت وثائق من قبيل الخطابات، والتصحيحات، وملخصات الاجتماعات، وغيرها من المواد التحريرية، التي في العادة لن يُستشهد بها، فإذا حذفناها، وتركنا فقط الأوراق البحثية، ومقالات المراجعة؛ لانخفضت معدلات عدم الاستشهاد انخفاضًا حادًّا. كما أن مَدّ فترة القطع لتتخطى خمسة أعوام يقلل المعدلات أكثر وأكثر.

في عام 2008، ألقى لاريفيير وزملاؤه نظرة جديدة على موقع "ويب أوف ساينس"، وقد أفادوا بأن نسبة عدم الاستشهاد ليست فقط أقل مما كان يُعتقد، بل كذلك بأن نسبة الأوراق البحثية غير المستشهَد بها ظلت تتراجع بشكل مستمر على مدار عدة عقود4. وقد طلبت دورية Nature من لاريفيير - بالتعاون مع كاسيدي سوجيموتو من جامعة إنديانا بلومنجتون - تحديث وتفصيل ذلك التحليل؛ من أجل هذه المقالة.

تشير الأرقام الجديدة - التي تحصر المقالات البحثية، ودراسات المراجعة - إلى أنه في معظم التخصصات تستقر نسبة الأوراق البحثية التي لا تجذب أي استشهادات بين خمسة وعشرة أعوام بعد النشر، رغم أن النسبة تختلف باختلاف التخصص (انظر: "علوم لا يُستشهَد بها"). ومن بين جميع الأوراق البحثية المنشورة في عام 2006 في مجال العلوم الطبية الحيوية، هناك نسبة 4% فقط لا زالت لم يُستشهَد بها حتى اليوم، وتزيد هذه النسبة في الكيمياء إلى 8%، وفي الفيزياء إلى حوالي 11%. (عند حذف الحالات التي يقوم فيها باحثون بالاستشهاد بأبحاثهم هم، ترتفع تلك النسب، بل تعاود الزيادة في بعض التخصصات بمعدل النصف). وفي مجالي الهندسة والتكنولوجيا، يبلغ معدل عدم الاستشهاد بمجموعة الأوراق البحثية المفهرسة في موقع "ويب أوف ساينس" لعام 2006 نسبة 24%، وهي نسبة أعلى بكثير منها في العلوم الطبيعية. وقد يرتبط ذلك الرقم الكبير بالطبيعة التقنية لكثير من تلك التقارير، التي تقوم بحل مشكلات محددة، بدلًا من تقديم أبحاث لآخرين، للبناء عليها بشكل تراكمي، حسبما يرى لاريفيير.

كبر الصورة

كبر الصورة

 V. LARIVIERE & C. SUGIMOTO/WEB OF SCIENCE

وفيما يخص الأدبيات العلمية ككل – 39 مليون ورقة بحثية عبر جميع التخصصات، مسجَّلة على موقع "ويب أوف ساينس"، من عام 1900، حتى نهاية 2015 - هناك تقريبًا 21% لم يتم الاستشهاد بها حتى الآن. ومن غير المستغرب أن يظهر معظم تلك البحوث - غير المستشهَد بها - في دوريات قليلة الشهرة، لأن جميع الأوراق البحثية – تقريبًا - المنشورة في دوريات معروفة يتم الاستشهاد بها.

قياس مستحيل

لا تقدِّم هذه البيانات سوى صورة جزئية فقط، بيد أن ملء الفراغات في الأدب العلمي يُعَد مهمة غير ممكنة على أرض الواقع.

إنّ فحص حفنة من الأوراق البحثية صعب بما يكفي. فعلى سبيل المثال.. في عام 2012، قرر بيتر هينيبرج - عالِم الأحياء بجامعة تشارلز في مدينة براغ - فحص سجلات ثلاثة عشر عالِمًا من الحاصلين على جائزة "نوبل"5 على موقع "ويب أوف ساينس"، من أجل التدقيق في ورقة بحثية بدت منافية للمنطق، إذ زعمت أن حوالي 10% من أبحاث الحاصلين على جائزة "نوبل" لم يُستشهد بها6. وبنظرته الأولى على موقع "ويب أوف ساينس"، قَدَّر هينيبرج النسبة بما يقترب من 1.6%. وبعد الفحص، من خلال الباحث العلمي "جوجل سكولار" Google Scholar، رأى هينيبرج أن أوراقًا بحثية كثيرة متبقية قد تم الاستشهاد بها مرجعيًّا بالفعل من قِبَل أعمال أخرى مفهرسة بموقع "ويب أوف ساينس"، لكنها أُغفلت إمّا بسبب أخطاء في عملية إدخال البيانات، وإمّا بسبب وجود أخطاء مطبعية في كتابة الأوراق البحثية ذاتها. كما كانت هناك استشهادات إضافية في دوريات علمية، وكُتُب لم يقم موقع "ويب أوف ساينس" بفهرستها إطلاقًا. وعند توقف هينيبرج عن البحث بعد حوالي عشرين ساعة من العمل، كان قد خفض النسبة بمعدل خمسة أضعاف أخرى إلى 0.3%.

إن مثل هذه الأخطاء والعيوب هي التي تجعل من غير الممكن معرفة العدد الحقيقي للأوراق البحثية التي لم يُستشهد بها على الإطلاق؛ فمحاولة تكرار عمليات الفحص اليدوي التي قام بها هينيبرج سوف يستغرق القيام بها على نطاق واسع بهذا الشكل وقتًا طويلًا للغاية. كما تختلف التخصصات وتتباين من حيث مدى تأثُّرها بتلك العيوب في عمليات القياس. على سبيل المثال.. يسجل موقع "ويب أوف ساينس" أن نسبة 65% من الأوراق البحثية في مجال العلوم الإنسانية المنشورة في عام 2006 لم يتم الاستشهاد بها إلى الآن. وصحيح أن كثيرًا من الأدبيات الخاصة بالعلوم الإنسانية لا يتم الاستشهاد بها مرجعيًّا، ويعود ذلك جزئيًّا إلى أنه مقارنة بالعلوم الأخرى، نجد أن الأبحاث الجديدة فيها أقل اعتمادًا على المعرفة التراكمية بما سبق التوصل إليه، لكن موقع "ويب أوف ساينس" لا يعكس ما يدور في ذلك المجال بشكل دقيق، إذ إنه يتغاضى عن كثير من الدوريات والكتب الخاصة به.

ومثل هذه الأشكال من الاعتبارات تضلل أيضًا عمليات المقارنة بين الدول. ويبين موقع "ويب أوف ساينس" أن احتمال تعرُّض الأوراق البحثية التي يؤلفها علماء في الصين والهند وروسيا للتجاهل تزيد عن مثيلتها في الولايات المتحدة وأوروبا، لكن قاعدة البيانات لا تتعقب كثيرًا من الدوريات الصادرة بلغات إقليمية، التي إذا أُخذت في الاعتبار سوف تُضيِّق تلك الفجوة، حسب قول لاريفيير.

ورغم المحاذير بشأن الأرقام المطْلقة، يُعَد انخفاض معدلات عدم الاستشهاد في الموقع نمطًا ثابتًا، كما يقول لاريفيير. لقد سهلت شبكة الإنترنت كثيرًا من إمكانية العثور على الأوراق البحثية ذات الصلة، والاستشهاد بها، كما يقول. و(من الممكن أن تكون الحملة الرامية إلى جعْل المقالات متاحة للوصول المفتوح بمثابة عامل مساعد أيضًا)، لكنْ يحذِّر لاريفيير من المبالغة في قراءة هذا الاتجاه السائد. فقد وجد هو وآخرون في دراسة7 أُجريت في عام 2009 أن معدلات عدم الاستشهاد تتناقص، بسبب أن العلماء يقومون بنشر كَمّ أكبر من الأبحاث، ويحشون مقالاتهم بمزيد من المراجع. ومن جانبه، يتفق الباحث في تحليل الاستشهادات المرجعية لودو والتمان - من جامعة ليدن في هولندا - مع هذا الرأي. ويقول: "لا أميل إلى تفسير تلك الأرقام باعتبارها مصدرًا للاطمئنان بأن مزيدًا من أعمالنا البحثية تخدم هدفًا مفيدًا".

يقول والتمان إن أوراقًا بحثية كثيرة تفلت من مسألة عدم الاستشهاد بها بصعوبة شديدة، حيث تبيِّن عمليات الحصر المستقلة، التي أجراها والتمان ولاريفيير، أن الأوراق البحثية على موقع "ويب أوف ساينس"، التي جرى الاستشهاد بها مرة أو مرتين فقط، تفوق في العدد تلك التي لم يُستشهَد بها على الإطلاق. ويضيف والتمان قائلًا: "نحن نعلم أن استشهادات كثيرة تكون سطحية تمامًا، أو بمثابة إجراء روتيني"، أو ربما تكون مؤشرًا على أن الأكاديميين يساعدون بعضهم بعضًا، كما تقول داليا ريملر، المتخصصة في اقتصاديات الصحة بكلية ماركس للشؤون العامة والدولية في مدينة نيويورك. وتضيف: "حتى البحوث التي تم الاستشهاد بها كثيرًا قد تكون بمثابة لعبة، يقوم بها الأكاديميون معًا، ولا تخدم مصلحة أحد".

ليست عديمة الجدوى تمامًا

لا يزال من الممكن لبعض الباحثين الميل إلى اعتبار الأوراق البحثية التي لا يُستشهد بها غير ذات جدوى. فعلى أيّ حال، لو كانت مهمة، ولو قليلًا، ألم يكن من الممكن لشخص ما أن يذكرها؟

ربما يكون ذلك صحيحًا أحيانًا، لكنْ ليس دائمًا. يتأثر الأكاديميون بعدد أكبر بكثير من الأوراق البحثية عما يستشهدون به بالفعل، حسبما يقول مايكل ماك روبرتس، عالِم النبات بجامعة ولاية لويزيانا في شريفبورت. وفي مقالة8 نُشرت في عام 2010، تناولَت نواحي القصور في عملية تحليل الاستشهادات، استشهد ماك روبرتس بورقة بحثية9 نُشرت له في عام 1995، وتناولت اكتشاف نوع من نبات رجل الذئب المتدلي (Palhinhaea cernua) في تكساس. وكانت تلك المرة الأولى والوحيدة التي استُشهد فيها بتلك الورقة البحثية، لكنّ المعلومات المذكورة فيها كانت قد سُجلت في أطالس النباتات وقواعد البيانات الضخمة الموجودة على شبكة الإنترنت؛ ومَن يستخدمون قواعد البيانات تلك يعتمدون على هذه الورقة البحثية، وعلى آلاف مثلها من التقارير الخاصة بعلم النبات. يقول ماك روبرتس: "تُستخدم المعلومات الواردة في تلك المقالات التي يُقال إنها لا يُستشهد بها. كل ما في الأمر هو أنها لا يُستشهد بها".

هذا.. وما زالت المقالات غير المستشهَد بها تُقرأ حتى الآن. ففي عام 2010، نشر باحثون بإدارة الصحة والسلامة العقلية بمدينة نيويورك دراسة، استُخدم فيها برنامج حاسوبي لتحليل أخطاء الأداء في اختبار10 لفيروس نقص المناعة البشرية HIV، يعتمد على اللعاب. وقبل ذلك ببضع سنوات، كان قد تم إيقاف استخدام تلك الأداة في العيادات، رغم إعادة العمل بها لاحقًا. وأراد مؤلفو البحث استخدام خبرة العيادات كدراسة حالة، للسؤال عما إذا كان قد أمكن استخدام البرنامج لتحليل أداء الأدوات عندما ظهرت المشكلات، أم لا.

إن الورقة البحثية الخاصة بهؤلاء الباحثين، التي نُشرت في دورية "بلوس وان" PLoS ONE، لم يتم الاستشهاد بها إطلاقًا، لكنْ تم الاطلاع عليها أكثر من 1,500 مرة، وتحميلها ما يقرب من 500 مرة، حسبما يذكر جو إيجر، أحد المؤلفين المشاركين للورقة البحثية، الذي يعمل حاليًا في معهد ديوك للصحة العالمية في دورهام بولاية نورث كارولينا. ويقول: "كان الهدف من المقالة البحثية تحسين ممارسات الصحة العامة، وليس إحداث تغيير فِعليّ في مجال علمي".

ومع ذلك.. قد تبقى مقالات أخرى غير مُستشهَد بها، لأنها تغلق السبل البحثية غير المثمرة، حسب قول نيكلاس بوورما، عالِم الكيمياء بجامعة كارديف بالمملكة المتحدة. وفي عام 2003، نشر بوورما وزملاؤه ورقة بحثية عن "الجدل حول ثبات الحجم"، وهو نقاش بشأن ما إذا كان من المفيد منْع مادة مذيبة من الانكماش أو التمدد في أثناء التفاعل، أم لا، كما يحدث عادة عندما تتغير درجات الحرارة11 من الناحية النظرية، ربما تتيح تلك التجربة الصعبة تقنيًّا نظرة متعمقة بشأن كيفية تأثير المذيبات على معدلات التفاعل الكيميائي، ولكن اختبارات بوورما أظهرت أن الكيميائيين لا يحصلون على معلومات جديدة من هذا النوع من التجارب. يقول: "عَزَمْنا على توضيح أن شيئًا ما ليس جديرًا بأن يتم، وأوضحنا مرادنا". ويضيف: "إنني فخور تمامًا بتلك الورقة، رغم أنه لم يُستشهد بها على الإطلاق".

وفي معرض حديثه في لقاء لينداو، قال أوليفر سميثيز إنه أدرك قيمة ورقته البحثية المنشورة في عام 1953، حتى مع اعتقاده أنها لم يُستشهَد بها.. فالجهد المبذول فيها - كما أخبر الحاضرين - ساعده في الحصول على درجة الدكتوراة، وعلى أنْ يصبح عالِمًا صاحب مكانة عالية. كانت تلك الورقة البحثية في جوهرها تجسد مرحلة التمرس والتدريب المستقبلية لذلك العالِم الحائز على جائزة "نوبل". قال سميثيز: "لقد استمتعت بالعمل عليها، وتعلمتُ كيفية إجراء بحوث علمية جيدة".

ومع ذلك.. فمِن بين قائمة مؤلفاته القديمة، هناك ورقة بحثية واحدة على الأقل كتبها سميثيز، ولم يُستشهد بها فعلًا، وهي مقالة12 نُشرت في عام 1976، أوضحت أن جينًا معينًا يخص جهاز المناعة يوجد في الكروموسوم البشري رقم 15.وحتى تلك الورقة كانت مهمة لأسباب أخرى، كما يقول عالِم الوراثة راجو كوتشيرلاباتي بكلية طب هارفارد في بوسطن بولاية ماساتشوستس، الذي شارك في تأليف الورقة. كانت المقالة - حسبما يقول - بداية لتعاون طويل الأمد مع مختبر سميثيز، وصل إلى ذروته في العمل البحثي المتعلق بعلم الوراثة في الفئران، الذي كان فيما بعد سبب حصول سميثيز على جائزة "نوبل" في الفسيولوجيا أو الطب لعام 2007. ومن جانبه، يقول كوتشيرلاباتي: "تعود أهمية تلك الورقة البحثية بالنسبة لي إلى كوني تعرفتُ من خلالها على أوليفر".

References

  1. Smithies, O. Biochem. J. 55, 57–67 (1953). | article
  2. Hamilton, D. P. Science 250, 1331–1332 (1990). | article
  3. Pendlebury, D. A. Science 251,1410–1411 (1991).  | article
  4. Larivière, V., Gibgras, Y. & Archambault, E. J. Assoc. Inform. Sci. Tech. 60, 858–862 (2009). | article
  5. Heneberg, P. J. Am. Soc. Inf. Sci. Tech. 64, 448–454 (2013). | article
  6. Egghe, L., Guns, R. & Rousseau, R. J. Am. Soc. Inf. Sci. Technol. 62, 1637–1644 (2011). | article
  7. Wallace, M. L., Larivière. V. & Gingras, Y. J. Informetrics 3, 296–303 (2009). | article
  8. MacRoberts, M. H. & MacRoberts, B. R. J. Am. Soc. Inf. Sci. 61, 1–12 (2010). | article
  9. MacRoberts, B. R. & MacRoberts, M. H. Phytologia 78, 402–403 (1995).  | article
  10. Egger, J. R., Konty, K. J., Borrelli, J. M., Cummiskey, J. & Blank, S. PLoS ONE 5, e12231 (2010). | article
  11. Blandamer, M. J., Buurma, N. J., Engberts, J. B. F. N & Reis, J. C. R. Org. Biomol. Chem. 1, 720–723 (2003). | article
  12. Kucherlapati, R. S., Faber, H. E., Poulik M. D., Ruddle, F. H. & Smithies, O. Cytogenet. Cell Genet. 16, 178–180 (1976). | article

ريتشارد فان نوردن محرر التحقيقات الإخبارية لدى دورية Nature في لندن.