مستقبليات

قُوَى الملاحظة

كيف تصبح عالِمًا.

بيث كاتو
  • Published online:

ILLUSTRATION BY JACEY

غشيتني حالة من السكون التام فوق إحدى الأشجار لعدة ساعات، حيث أدرّب نفسي على الملاحظة. سوف أصبح عالِمًا؛ ولذا، فإنّ تَعَلُّم الملاحظة يمثّل أهمية خاصة لي. تدلت كاميرا الفيديو خاصتي من عنقي، لكنني أبقيتُ إحدى يديَّ على مقربة منها طوال الوقت، تحسبًا لأنْ أرصد شيئًا جديدًا. رأيت بالفعل العديد من الطيور التي رسمت خرائط وجودها منذ زمن.

كنتُ أوشك على النزول عندما لمحتُ طائرًا أحمر جميلًا يزدان جناحاه باللونين الأبيض والأسود. لا أعرف اسم الطائر، لكنني أعرف أنه ضمن فئة "الطيور النادرة" في منطقتي.

التقطتُ صورة بالكاميرا، وحبست أنفاسي. لم تمض لحظة حتى ظهرت نافذة التأكيد؛ حيث تعرّفَت الكاميرا على الطائر! مرت كلمات عديدة أمامي على الشاشة، لكنني لم أستطع قراءة معظمها. فبدت الحروف لي مختلطة، مثل "مكرونة" على شكل حروف أبجدية ملقاة في وعاء.

في أثناء نزولي من على الشجرة، أصدرَتْ الكاميرا نقرة خافتة. حدقتُ النظر فيها بمجرد أن وطئَت قدماي الأرض. امتلأت الشاشة بالكثير من البالونات، وكلمة تهنئة كبيرة الحجم؛ فحبستُ أنفاسي.

كنتُ أعرف أن هذا يعني أنني فعلت شيئا جيدًا، لكنني كنتُ بحاجة إلى أمي، لكي تقرأها لي.

أسرعتُ عائدًا إلى المنزل، لكنْ بحركة هادئة، كما تدربتُ. حركتي لم توقظ حتى كلبي ميكي في الحديقة. تسللت إلى الداخل، وتتبعتُ صوت أمي إلى المطبخ. كانت تتحدث عبر الهاتف. هل كانت تتحدث إلى أبي؟ إنه في مدينة بوثيل، حيث يصنع الناس أجزاء سفن الفضاء الكبيرة.

بدت أمي غاضبة إلى درجة لم أعهدها من قبل. انحنيتُ خلف الطاولة، وراقبتُها من خلال فجوة بين الكراسي.

هدرت بصوت غاضب: "أرسلتُ لك معلومات بشأن ولدي لويس في الأسبوع الماضي، ولم يصلني رد. أريده أن يكون ضمن القائمة. لا تكلني إلى ذلك؛ فإنني لا أصدق أيًّا مما تقولونها عن عمليات القرعة السخيفة بإنها "منصفة وغير منحازة"".

أنا لويس، لكن لماذا تتحدث أمي عن عمليات القرعة؟ إنها منصفة بالفعل. جميع الإعلانات والملصقات تقول ذلك، وتُظهِر أُسَرًا بأكملها يعتصرها الحزن، لكنْ يحدوها الأمل، وهي تلوح بالوداع للأرض، وتغادر قبل أن تنهال الصخور من الفضاء الخارجي.

تُتَابِع أمي: "زوجي وأنا … لا نتمتع بالمهارات الأساسية ليمنحونا أولوية الذهاب إلى هذه البقاع. أعرف أن العائلات الثرية تدفع مقابل ذهابها إلى هناك. الثمن الذي حددته مقابل نقل ثلاثة أفراد …؟ أجل. نحن … لا نستطيع أن نفعل ذلك. لقد توقعت هذا الثمن". تأخذ نفَسًا عميقًا عدة مرات، ثم تردف: "لكن لويس يحتاج إلى مكان في السفينة. قيل لي إنك تستطيع أن توفر ذلك. إنه يتمتع بالصحة والذكاء. صحيح أنه يعاني من عسر القراءة، لكنْ مع المساعدة ...".

التعبير الذي ارتسم على وجهها أثار الرعب بداخلي. قبضت يدها التي لا تمسك بالهاتف بقوة على قلادة الصليب التي كانت ترتديها، كما لو كان بمقدورها أن تعتصرها، وتجعلها مسطحة. صمتت دقيقة، ثم تابعت: "حقًّا؟ أريد معلومات عن هذين الزوجين؛ لأتحقق من أنهما يريدان فعلًا أن يتبنيا طفلًا، ويحباه، وأنهما يتفهمان أن هذا الوضع سيستمر إلى الأبد".

عمّ تتحدث؟

عاودها الهدوء مجددًا، ثم قالت: "نعم. يمكنني أن أرسل إليك الدفعة الأولى في غضون بضع دقائق ". وضعت حاسوبها اللوحي على الطاولة. قدماها ترتعشان كما لو كانت تشعر بالبرد. في الحديقة بالخارج، بدأ ميكي في النباح. وعلى إثر ذلك، قالت أمي: "يجب أن أذهب. أعتقد أن لويس قادم ليتناول وجبة الغداء. سأنتظر ردًّا منك بشأن هذه المعلومات في غضون ثلاثة أيام؟ شكرًا لك".

رأيتُ أنه ينبغي عليّ التصرف كما لو أنني دخلت لِتَوِّي. انطلقتُ عائدًا إلى الباب الأمامي، وفتحته ثم أغلقته، بصوت مرتفع هذه المرة.

حييتها قائلًا: "مرحبًا يا أمي"، بينما كنت أدخل إلى المطبخ. تابعتُ: "انظري". دفعتُ بالكاميرا أمام وجهها. لم تعد تبدو غاضبة الآن، بل سعيدة حقًّا لرؤيتي. كان حاسوبها اللوحي في وضع مقلوب على الطاولة.

هتفَت: "يا للروعة!"، وهي تقرأ المكتوب على شاشة الكاميرا، وأردفت قائلةً: "مبروك، أنت الآن أحد أفضل خمسين مصممًا لخرائط الطيور على مستوى الولاية بأكملها، والأول على مقاطعتنا. أشعر بالفخر يا عزيزي".

أعادت إليّ الكاميرا، وهي تقول: "أنت تتفوق على معظم البالغين".

أجبتُها: "أنا أنقذ جميع الطيور".

ردت: "نعم، لكنّ عددًا من هذه الطيور لم يُعيَّن تسلسُل حمضها النووي بعد. سوف يرسلون روبوتًا قريبًا لتنفيذ هذه المهمة. تذكَّر أنه بإمكانك أن تصمم خرائط لأماكن كائنات أخرى أيضًا، فعلماء الأرض الجديدة يحتاجون إلى معرفة كل شيء عن البق والفئران، وغيرهما من الكائنات؛ لحفظ بياناتها على السفن".

أجبتُها: "يمكنني أن أفعل ذلك". أخرجت نفسًا عميقًا من صدري، ثم أردفت: "كَوْني بطلًا في رسم الخرائط سيجعلني أبدو جيدًا بشكل كبير في القرعة".

وبمجرد أن تفوهت بهذه الكلمة، حتى اعتقدت أنه ربما لم يكن من المفترض أن أفعل ذلك. فقد تدرك أنني كنت أتنصّت عليها؛ وبالتالي أواجه عندئذٍ مأزقًا كبيرًا، لكنْ ما كان منها إلا أن انحنت لتطبع قبلة سريعة على جبهتي.

أجابتني: "لا تقلق بشأن القرعة يا لويس. سوف نهتم بك قدر استطاعتنا". طرفت بعينها سريعًا، ثم قالت: "اذهب واغسل يديك. سوف أسخّن الغداء".  

سألتها: "المكرونة والجبن؟"

أجابتني: "المكرونة والجبن". بدت ابتسامتها جامدة وغريبة، كما كانت تبدو في الأسبوع الماضي عندما كانت وجنتاها مخدرتَين، بعد أن انتزع طبيب الأسنان الذهب من أسنانها.

ذهبت إلى الردهة، وخلعت حذائي، وتسللت بهدوء مجددًا. وبدلًا من الذهاب إلى الحمام، دلفت إلى غرفة الطعام.   

كانت أمي تحدق النظر في حاسوبها اللوحي، وتبكي بحرقة، حتى كادت تسقط على الأرض. وكانت يدها تحوم، كما لو كانت لا تستطيع ملامسة الشاشة مباشرة. وأخذَتْ تقول مرارًا وتكرارًا: "سيعيش لويس. هذا ما يهم".

بالطبع سأعيش! قطبت حاجبيّ مرتبكًا. من المفترَض أن تسعد أمي بأنني هذا الرسّام العظيم لخرائط الطيور، وبأننا سنتناول المكرونة والجبن، لكنها كانت تَنْشَج بدلًا من ذلك.

تابعتُ ملاحظتها؛ لأن هذا ما يفعله العلماء. أردتُ أن أفهم سبب حزنها الشديد، فربما سأعرف عندئذٍ كيف أجعلها سعيدة من جديد. 

بيث كاتو تعيش في ولاية أريزونا. تُعَد روايتها "أنفاس الأرض" Breath of Earthالرواية الأولى في سلسلة روايات تاريخ بديل جديدة تنشرها دار النشر «هاربر فويجر». ويمكن متابعتها على موقعها الإلكتروني التالي: BethCato.com