رؤية كونية

الأنظمة الجامعية تساعد على تزايُد أعداد المتحرشين جنسيًّا

حان الوقت لأنْ تتحمل المؤسسات الأكاديمية مسؤولية حماية الطالبات والعاملات، كما تقول لوريل أيسن.

لوريل أيسن
  • Published online:

URBAN VIBE STUDIOS LONDON

بدءًا من الوسط الفني، ووصولًا إلى الوسط الأكاديمي، ساعدت الاتهامات الموجهة إلى كل من هارفي وينستين، وروجر ايلز، وجيوف مارسي بسوء استغلالهم للسلطة في إحداث تغيرات هائلة في أعداد مَن هم على استعداد للتحدث عن التحرش الجنسي في مكان العمل. وقد اهتمت حوارات كثيرة بإدانة المتحرشين، والثناء على مَن يُقْدِمْن على الحديث عمّا رأينه ومررن به. إنّ ذلك يضع إطارًا شخصيًّا لمشكلة منهجية؛ بيد أنه يجب لفت الانتباه كذلك إلى الأنظمة التي تسمح بازدياد عدد المتحرشين.

التحقتُ في عام 2006 بقسم علوم الدماغ والعلوم الإدراكية في جامعة روتشستر بنيويورك كطالبة دكتوراة. وفي أغسطس 2017، انضممتُ إلى طالبات دراسات عليا، وباحثات ما بعد الدكتوراة أخريات للشهادة في شكوى مقدَّمة إلى اللجنة الأمريكية للمساواة في فرص التوظيف، حول التحرش الجنسي، وإهمال التحقيق في ادِّعائنا، والتمييز. شرحنا كيف كنا نتجنب فلوريان جايجر، وهو أستاذ في قِسْمنا، بسبب تلميحاته الجنسية المتكررة، والضغط الذي يمارسه لإقامة علاقات حميمية، وغيرها من السلوكيات غير المهنية. ووجدنا أنفسنا إثر ذلك أمام خيارات غير عادلة وغير معقولة بأنْ نفقد فرصًا مهنية، أو نعرِّض أنفسنا إلى مواجهات مزعجة للغاية. و(طِبقًا لصحيفة «نيويورك تايمز»، أخذ جايجر منذ ذلك الحين إجازة من العمل، لكنه قال إن ذلك لا يُعَد إقرارًا بارتكابه الذنب).

كنتُ أعلم أن هذا السلوك ليس مقبولًا، وكنتُ مقتنعة كذلك بأنني إذا ما تقدمتُ وحدي بهذا البلاغ؛ فإنني سأُعَرِّض نفسي للخطر، كما أن الجامعة لن تأخذ ادعائي على محمل الجد. شعرتُ بأن أفضل خيار لديّ هو أن أحذِّر الطالبات الأخريات بشكل شخصي، وأنْ أُعْلِمهن بأنني سأتقدم بشكوى، إذا أصبح عددنا كبيرًا.

وبعد أن اخترتُ الابتعاد؛ لإنهاء أطروحتي، علمتُ أنه في عام 2013 تقدمَتْ زميلتان بشكوى إلى رئيس القسم حول سلوك جايجر، وذكرتا اسمي مِن بين اللاتي يجب سؤالهن حول الموضوع؛ ولكنْ لم يتواصل معي أحد. وفي عام 2016، عَلِم أعضاء أكثر في هيئة التدريس بهذه الادعاءات؛ فقدموا شكوى أخرى إلى الجامعة؛ للتحقيق في الأمر. في هذه المرة، تواصَلَتْ معي الجامعة لأول مرة خلال الاستئناف، بعد إصدار تقريرٍ بَرَّأ جايجر. وكان أول مَن حصل على شهادتي هو شخص من شركة «مكاليستر أوليفاريس» McAllister Olivarius، وهي شركة محاماة، مقرها لندن، تعاقدَتْ المُدَّعِيات معها. ووجدَتْ زميلاتي السابقات حليفًا قويًّا لأَخْذ شكواهن على محمل الجد.

ما كان ينبغي أن يستدعي الأمر كل هذا الجهد البطولي.

وفي هذا الصدد، نجد أنه لدى هوليوود والمجال الأكاديمي أوجه تشابه مثيرة للقلق. فكلاهما يَعتمِد كثيرًا على العلاقات بين الموجِّه، والموجَّه، مع القليل من الرقابة على السلطة الفردية. تتوفر في المجال الأكاديمي حماية ضئيلة لعضوات المختبرات؛ فطالبات الدراسات العليا، وباحثات ما بعد الدكتوراة يُنظر إليهن على أنهن أقرب إلى أن يكُنّ جزءًا من مختبرات مشرفيهن، عن كونهن جزءًا من المجتمع الجامعي. بل وعلى العكس، لدى تلك المؤسسات العديد من الدوافع لحماية أعضاء هيئة التدريس لديها الدائمين ذوي النفوذ، والذين غالبًا ما يَكُونون مَصْدَر ربح لها.

وبإمكان الإداريين افتراض أنهم إذا تجاهلوا الادعاءات لوقت طويل بما يكفي لنسيان تلك الادّعاءات المثارة، فإنهم لن يتعرضوا أبدًا للمساءلة. فأمثالي من الطالبات يتخرّجن، أو يغادرن الجامعة، دون الحصول على درجة علمية؛ ويسقط الأمر بالتقادم، ويحصل المتحرشون على ترقيات. وأحيانًا لا تسأل الجامعة الشاهدات المرشَّحات، ولا تجمع أدلة أخرى. ومن وجهة نظري، يسمح لهم ذلك بادعاء أنهم قد حققوا في الادعاءات المقدَّمة، ولم يجدوا أسبابًا كافية لاتخاذ المزيد من الإجراءات. فقد (صرحت جامعة روتشستر بأنها أخذت الادعاءات على محمل الجد، وأن تحقيقاتها كانت شاملة).

وبعد انتهائي من دراسة الدكتوراة، حصلتُ على وظيفة في شركة كبيرة، لكنْ يَظَلّ هناك تفاوت في السلطة في مثل هذه البيئات، وقد تمر حوادث التحرش الجنسي، دون عقاب في أي مكان؛ إلا أنني رأيتُ هناك عدة ممارسات، أعتقدُ أنّ بإمكان الوسط الأكاديمي التعلم منها.

في أول أسبوع لي في العمل، شرحَتْ لي الشركة حقوقي في الحصول على بيئة عمل آمنة، وأبلغتني بالخيارات المتاحة لي للإبلاغ عن أي مشكلات. عندما كنتُ طالبة دراسات عليا، كنتُ أعتقدُ - خطأً - أن حالات التحرش الجنسي الوحيدة التي يمكن الإبلاغ عنها هي الحالات الأكثر فداحة، مثل الاعتداءات، أو عَرْض شيء مقابل شيء. ولم أكن على علم بالسوابق القانونية التي تناولت أنواع التحرش الأكثر انتشارًا، والتي تخلق بيئة معادية وغير متكافئة. كما لم أكن على دراية بمعايير ترجيح الأدلة، وظننتُ أن كل حادثة يجب أن تكون مسجَّلة، ولا يمكن دحضها. إذًا، لا ينبغي أن تكون طالبات الدراسات العليا والموظفات أستاذات في القانون، لينعمن بالحماية.

"لا ينبغي أن تكون طالبات الدراسات العليا والموظفات أستاذات في القانون، لينعمن بالحماية".

ثمة مشكلة أخرى، تتمثل في قَدْر اعتماد مصائر طالبات الدراسات العليا وباحثات ما بعد الدكتوراة على مشرفٍ يتحكم في تمويل مناصبهن البحثية، وفي التوقيت الذي يمكنهن فيه تقديم أطروحة، أو ورقة بحثية، وفي الفرص الأخرى التي بإمكانهن التقديم فيها. إنّ احتمالات سوء استخدام السلطة تقلّ عندما تكون موزَّعة على عدد أكبر من المسؤولين.

وتَعقِد الشركة التي أعمل بها حاليًّا مكالمات جماعية مفاجئة على مدار العام، بعضها مخصص للنساء فقط، حيث بإمكاننا مناقشة مخاوفنا، دون تسجيلها، أو حتى دون ذكر أسمائنا. وتتدرج الموضوعات من توحيد إجراءات الترقي، وتحسين قَدْر التنوع في التعيينات، إلى مناقشة التعليقات التي جعلتنا نشعر بالإهانة أو عدم الارتياح. ويكون أمام مَن يأتين بالمشكلات حرية الاختيار فيما إذا كُنّ سيُبْلِغْن عنها بعد المكالمة، أم لا، وكيف. وفي الوقت ذاته، يمكن للقادة كذلك أن يصبحوا على دراية حتى بأصغر المشكلات، والتعامل معها (من خلال النقاش مع العاملين والمديرين التنفيذيين، أو من خلال إصدار مذكرات)، قبل أن يتحول الأمر إلى نمط يؤدي إلى بيئة عمل غير صحية.

لقد اعتدنا اعتبار مَن هُم في مواقع القيادة أبرياء، لمجرد عدم كونهم هم أنفسهم متحرشين. والآن، أصبحنا نستشرف الأفضل.

لوريل أيسن كانت طالبة دكتوراة في «جامعة روتشستر» في نيويورك بين عامي 2006، و2013، وهي تعمل الآن كمستشارة في لندن.