أنباء وآراء

فيزياء حيوية: قياس التغيرات السريعة في كتلة الخلايا

تم تطوير ميزان فائق الحساسية، لقياس وزن خلايا مفردة أو متعددة، بدقة زمنية وكتلية عالية، ما أدى إلى الكشف عن تغيرات سريعة ودقيقة في الكتلة في أثناء دورة حياة الخلية، وعند الإصابة بعدوى فيروسية.

ديفيد ألستينز، وإيف إف. دوفرين 

  • Published online:

ثمة تحدّ طويل الأمد في علم الأحياء الخلوي، يتمثل في مسألة قياس الخواص الفيزيائية للخلايا الحية في أثناء نموها أو تفاعلها مع الفيروسات والعقاقير. وتُعتبر معرفة أمور كهذه أساسيةً لفَهْمنا للعمليات الأساسية، كتلك المشارِكة في تغيرات شكل الخلية، وفي تمايزها ومرضها. وبشكل أكثر تحديدًا، تُعَد طريقة تنظيم الخلايا لحجمها وكتلتها خلال دورة حياتها مسألة مهمة، لكنها غير مفهومة بشكل جيّد. وفي بحث نُشر مؤخرًا بدورية Nature، وصف مارتينيز-مارتن وزملاؤه1 ميزانًا يمكنه أن ينجح في التغلب على هذه التحديات؛ عن طريق تمكين قياس التغيّرات الصغيرة التي تحدث في الكتلة الخلوية خلال ما لا يزيد على بضعة من الملِّي ثانية.

استُخدمت الأدوات المعروفة باسم "أجهزة قياس التدفق الخلوي"، و"أجهزة كولتر" في السابق لتحليل حجم وأبعاد الخلايا المعلَّقة في السوائل؛ إذ تأخذ أجهزة قياس التدفق الخلوي قياساتها عادة عن طريق تحليل كيفية بعثرة الخلايا لشعاع ليزر، في حين ترصد أجهزة كولتر التغيرات في قدرة السوائل على التوصيل الكهربائي عند مرور الخلايا عبرها. ورغم أن هذه الأساليب مفيدة لدراسة مجموعات الخلايا، فإنها غير مناسبة لدراسة الخلايا المفردة بدقة عالية، أو لتتبع الاختلافات في الخصائص عبر الزمن.

في السنوات القليلة الماضية، حدث تقدُّم في تطوير الأجهزة الرنانة الميكانيكية لقياس كتل الخلايا المفردة2. والأجهزة الرنانة الميكانيكية النانوية هي أجهزة تتضمن رافعة دقيقة مهتزّة؛ إذا التصقت خلية بالرافعة، أو مرّت خلال قناة ميكرومترية الحجم ضمنها، ممتلئة بسائل، عندئذ تتغير ترددات الاهتزاز بطريقة تعتمد على كتلة الخلية وموضعها3.

وقد استُخْدمت الأجهزة الرنانة ذات القنوات الدقيقة لقياس وزن الخلايا السرطانية المفردة المعلّقة مرارًا وتكرارًا مع مرور الوقت في وجود علاجات السرطان4. وحدّدت هذه الطريقة بدقة درجة الحساسية للدواء ومقاومته في الخلايا الدبقية، وخلايا سرطان الدم الأولية. واستُخدمت مصفوفات المستشعرات ذات القنوات الدقيقة لقياس معدلات نمو العديد من الخلايا المفردة المعلَّقة في وقت واحد بدقّة وسرعة5. كما تم تحديد كتلة ومعدلات نمو خلايا سرطان القولون والمستقيم المفردة، المتصلة برنان ميكانيكي نانوي6. ورغم أن طرق القياس هذه جيدة، فإنها لا تستطيع تحليل خلايا مفردة ملتصقة (تلك التي تعلق على السطوح في الأوساط البيولوجية) في ظروف ذات صلة من الناحية الفسيولوجية في المستوى المطلوب للدقة في الكتلة والدقة الزمنية؛ لتعقب الديناميكيات الخلوية السريعة.

والآن، يطرح مارتينيز-مارتن وزملاؤه في بحثهم رنانًا مجهريًّا، يتم تفعيله ضوئيًّا، ويمكنه أن يقيس وزن خلية واحدة، أو عدة خلايا مرتبطة في أوضاع فسيولوجية، بدقة زمنية حتى الملِّي ثانية الواحدة، وحساسية للوزن حتى البيكوجرام الواحد (البيكوجرام الواحد يعادل 10-12 جرام). وعند التصاق خلية مفردة في نهاية رافعة الأداة، تتغير الترددات الاهتزازية للرافعة، كما يحدث في الأجهزة المشار إليها سابقًا، لكن الباحثون يعمدون أيضًا إلى تسليط شعاع من الليزر الأزرق منخفض الطاقة على الرافعة بالقرب من نهايتها الثابتة (الشكل 1)، الذي يتناسب استخدامه مع خلايا الثدييات الحية. ويتم تغيير شدة الليزر لتوليد اهتزازات متناهية الصغر في الرافعة. وفي الوقت ذاته، يتم تسليط شعاع ليزر الأشعة تحت الحمراء على النهاية الحرة للرافعة؛ لقراءة ارتفاع حركة الرافعة، وإشارة الطور الخاصة بها. وتُستخلص كتلة الخلية من قياس تردّد الذبذبات، قبل التصاق الخلية وبعده، مع الأخذ بعين الاعتبار الموقع الدقيق لكتلة الخلية الموضوعة على الرافعة.

الشكل 1 | ميزان فائق الحساسية، لقياس وزن الخلايا الحية. يشير مارتينيز-مارتن وزملاؤه1 في بحثهم إلى ميزان جديد، يعتمد على رافعة ميكرومترية الحجم. تهتز الرافعة إثر تسليط شعاع ليزر أزرق عليها، ويتم تتبُّع الاهتزازات من خلال رصد شعاع ليزر الأشعة تحت الحمراء، منعكس عن النهاية الحرّة للرافعة. ويعتمد تردد الاهتزاز على كتلة وموقع خلية ملتصقة بالرافعة. وبمراقبة الاهتزازات، يمكن رصد تغيرات كتلة الخلية بدقة زمنية حتى الملِّي ثانية الواحدة، ودقة قياس للكتلة حتى البيكوجرام الواحد (البيكوجرام الواحد يعادل 10-12 جرام).

الشكل 1 | ميزان فائق الحساسية، لقياس وزن الخلايا الحية. يشير مارتينيز-مارتن وزملاؤه1 في بحثهم إلى ميزان جديد، يعتمد على رافعة ميكرومترية الحجم. تهتز الرافعة إثر تسليط شعاع ليزر أزرق عليها، ويتم تتبُّع الاهتزازات من خلال رصد شعاع ليزر الأشعة تحت الحمراء، منعكس عن النهاية الحرّة للرافعة. ويعتمد تردد الاهتزاز على كتلة وموقع خلية ملتصقة بالرافعة. وبمراقبة الاهتزازات، يمكن رصد تغيرات كتلة الخلية بدقة زمنية حتى الملِّي ثانية الواحدة، ودقة قياس للكتلة حتى البيكوجرام الواحد (البيكوجرام الواحد يعادل 10-12 جرام).

كبر الصورة

وباستخدام هذا الميزان، أظهر مارتينيز-مارتن وزملاؤه أن كتلة خلايا الثدييات الحية تتغير في حدود بضع درجات في المئة على مدى فترات زمنية في نطاق الثواني خلال دورة حياة الخلية. ولم تبدِ الخلايا التي ثُبّتَتْ - أي حُفِظت كيميائيًّا بطريقة تمنع حدوث العمليات الكيميائية الحيوية فيها - تغيراتٍ في الكتلة، ما يشير إلى أن هذه سمة أساسية للخلايا الحية. وقد ربط الباحثون التغيّرات بالعمليات الخلوية الأساسية، مثل تخليق مركبات ATP، وتحلل الجلوكوز (وكلاهما يشتركان في إنتاج الطاقة الخلوية)، وكذلك عملية نقل المياه عبر الغشاء الخلوي.

كما أظهر الباحثون أيضًا أن الخلايا المصابة بفيروسات الوقس (vaccinia) تتوقف عن النمو، لكن تستمر كتلتها في التغيّر، حتى موت الخلية. كما طوّروا طريقة لنقل الفيروسات من خلية إلى أخرى، عن طريق إحداث اتصال ميكانيكي بين الخلايا؛ وهكذا يوفرون سبلًا جديدة لدراسة آليات نقل الفيروس.

في المجمل، تشير تجارب مارتينيز-مارتن والعاملين معه إلى أن تغيرات الكتلة السريعة والدقيقة واسعة الانتشار في الخلايا الحية، وتحدث طيلة دورة حياة الخلية. ويمثل هذا العمل خطوة كبيرة إلى الأمام نحو تطوير أدوات فائقة الحساسية، لمراقبة كتلة الخلايا الحية، وقد تجد تطبيقات لها في العديد من المجالات، بما في ذلك دراسة فسيولوجيا الخلايا، واكتشاف الأدوية، ودراسات تمايز الخلايا الجذعية.

 وسيكون أحد التحديات الأساسية في السنوات القليلة القادمة هو جعل هذه التقنية أسهل استخدامًا، بحيث تصبح في متناول مجموعة واسعة من الباحثين في علوم الحياة. كما ستكون ثمة حاجة لإيجاد طريقة موازية لهذا النهج؛ من أجل دراسة خلايا متعددة في آن واحد، ومن أجل تمكين القيام بقياسات عالية الإنتاجية للبحوث الأساسية، وتطبيقات اختبارات تحرّي المخدرات.

إن هناك حاجة إلى إيجاد أدوات مبتكرة، من أجل التعرف السريع على المُمْرضات الميكروبية ومكافحتها، إذ إن العديد منها قد أصبح مقاوِمًا للمضادات الحيوية. وقد استُخدمت فيما مضى الرافعات المملوءة بالسائل3، لقياس وزن الخلايا البكتيرية الحية المفردة بدقة كتلة حتى أجزاء من الفيمتوجرام (الفيمتوجرام الواحد يعادل 10-15 جرام)، ما يشير إلى أنه يمكن استخدام هذا النهج لرصد تركيزات منخفضة جدًّا من المُمْرضات. والأكثر من ذلك، استُخدمت تقنيات الروافع، لدراسة التفاعل بين جدران الخلايا البكتيرية والمضادين الحيويين ذواتا الأهمية الطبية، فانكومايسين، وأوريتافانسين7، ما يقدم رؤىً حول طريقة عمل هذه الأدوية. كما أتاحت الروافع قياس حساسية ومقاومة البكتيريا تجاه المضادات الحيوية في غضون دقائق، وهذا أسرع بكثير من أساليب المزارع التقليدية8. ولذلك، فإن ميزان الخلايا الذي ابتكره مارتينيز-مارتن وزملاؤه يحمل في طياته وُعُودًا ضخمة لدراسة آليات عمل المضادات الحيوية، ولتحديد أكثر العلاجات فاعلية ضد الميكروبات. 

References

  1. Martínez-Martín, D. et al. Nature 550, 500–505 (2017).  | article
  2. Zangle, T. A. & Teitell, M. A. Nature Methods 11, 1221–1228 (2014). 

     | article
  3. Burg, T. P. et al. Nature 446, 1066–1069 (2007).  | article
  4. Stevens, M. M. et al. Nature Biotechnol. 34, 1161–1167 (2016).  | article
  5. Cermak, N. et al. Nature Biotechnol. 34, 1052–1059 (2016).  | article
  6. Park, K. et al. Proc. Natl Acad. Sci. USA 107, 20691–20696 (2010). 

     | article
  7. Ndieyira, J. W. et al. Nature Nanotechnol. 3, 691–696 (2008).  | article
  8. Longo, G. et al. Nature Nanotechnol. 8, 522–526 (2013).| article

ديفيد ألستينز، وإيف إف. دوفرين يعملان في معهد علوم الحياة، جامعة لوفان الكاثوليكية، 1348 لوفان لانوف، بلجيكا. إيف إف. دوفرين يعمل أيضًا في "والون إكسلانس" لعلوم الحياة والتكنولوجيا الحيوية (WELBIO)، وافر، بلجيكا.

البريد الإلكتروني:

david.alsteens@uclouvain.be؛

yves.dufrene@uclouvain.be