أنباء وآراء

علم الآثار: جذور عميقة لعدم المساواة في أوراسيا 

أظهرت دراسة شملت 64 موقعًا في أربع قارّات أن نمو الأنظمة الزراعية والسياسية أدّى إلى تفاوت اقتصادي بدا أكبر في أوراسيا، مقارنةً بأمريكا الشمالية.

ميشيل إيليوت
  • Published online:

يُعَد فهم العمليات التي توسّع الفجوة بين الأغنياء والفقراء مسألة تشغل علماء الاجتماع وصُنّاع السياسات في جميع أنحاء العالم1. ورغم أنه يمكن لعلماء الاقتصاد والمؤرخين تحديد العوامل الأساسية التي تقف وراء عدم المساواة في وقتنا الحاضر، إلا أنه ليس من الواضح بالقدر نفسه أين تكمن جذور هذه المسألة، والآليّات التي أدت إلى ظهور التفاوت الاقتصادي2 لأول مرة. يحتل عِلْم الآثار موقعًا فريدًا لمعالجة هذه المسألة؛ إذ يمكن استخدامه لدراسة الحضارات القديمة المتنوعة على مدار فترات زمنية طويلة، قبل وجود السجلات المكتوبة. يستعرض كوهلر وآخرون3، في بحثهم المنشور في دورية Nature، دراسة في عِلْم الآثار، تُقدِّم أدلة على أن تزايد الاعتماد على الزراعة، والتعقيد المتنامي للأنظمة السياسية قد عَزَّزا من حدة عدم المساواة في الثروات بمرور الوقت.

يدرك علماء الآثار منذ زمن بعيد أن أفراد المجتمعات القديمة لم يحظوا دائمًا بإمكانية وصول متساوية للموارد والفرص المتعلقة بالنهوض الاقتصادي5،4، لكن تحديد المتغيرات التي تعكس - بصورة موثوقة - الوضع الاقتصادي للأُسر، والقابلة للمقارنة على مستوى ثقافات وفترات زمنية مختلفة، يُشكِّل تحديًا هائلًا. على سبيل المثال.. أُشير6 إلى أن العطايا التي كانت توضَع في المقابر تمثّل طريقة لفهم الفروق في الوضع الاجتماعي لسكان منطقة ما، لكن الأفراد المدفونين في هذه المقابر لا يُمثّلون دائمًا كل السكان؛ فالمقابر الرسمية ربما كانت مخصصة للأشخاص ذوي المكانة الرفيعة. وحتى مقارنة أنواع الممتلكات التي عُثِر عليها في المنازل القديمة قد تمثّل مشكلة؛ لأنه من النادر أن تترك أسرة كل ممتلكاتها عند الانتقال من مكان إلى آخر، بل تصطحب معها - على الأرجح - أشياء معينة منتقاة ذات قيمة. وإضافة إلى ذلك.. فإن الطريقة التي تُنسَب بها القيمة للأشياء قد تتفاوت تفاوتًا كبيرًا بين المجتمعات.

وبالاستعانة بالبيانات الأثرية والتاريخية، أوضّح كوهلر وزملاؤه أن معيارًا عامًّا وبسيطًا نسبيًّا (وهو التفاوت في حجم المنازل في مجتمع ما) يرتبط - بصورة كبيرة - بدرجة عدم المساواة الاجتماعية في هذا المجتمع. ففي المجتمعات التي يحظى فيها معظم الناس بوضع اقتصادي متماثل، تميل المنازل إلى أن تكون بالحجم نفسه، لكنْ فيما يخص المجموعات التي يحظى فيها البعض بثروة أكبر من الآخرين، يشيع أكثر وجود مزيج من المنازل الكبيرة والصغيرة.

حلل مؤلفو الدراسة أحجام المنازل في 62 موقعًا أثريًّا في أمريكا الشمالية، وأوروبا، وآسيا، بالإضافة إلى موقعين في أفريقيا (الشكل 1). تُمثّل هذه المواقع مجموعة متنوعة من الأنظمة الاقتصادية، تغطي فترة الأحد عشر ألف عام الماضية، بدءًا من مجتمعات الصيد وجمع الثمار، وصولًا إلى المدن القديمة. قاس الباحثون تنوّع حجم المنازل في كل موقع باستخدام إحصائية تُسمَّى "مُعامِل جيني"، الذي وُضِع في الأساس لدراسة عدم المساواة في الثروات داخل المجتمعات الحديثة، وبينها7. بعد ذلك.. رتّب الباحثون المواقع على أساس هذه الدرجات النسبية، لعدم المساواة في الثروات.

الشكل 1: منزل مُنقَّب عنه في موقع إل بالميلو الأثري في المكسيك. 

دَرَس كوهلر وزملاؤه3 التنوّع في أحجام المنازل في 64 موقعًا أثريًّا في مناطق مختلفة حول العالم؛ للبحث عن جذور عدم المساواة في الثروة.

دَرَس كوهلر وزملاؤه3 التنوّع في أحجام المنازل في 64 موقعًا أثريًّا في مناطق مختلفة حول العالم؛ للبحث عن جذور عدم المساواة في الثروة.

كبر الصورة

LINDA NICHOLAS

وجد كوهلر وزملاؤه تفاوتًا أكبر في المواقع الزراعية، مقارنةً بالمواقع التي قَطَنها الصيادون وجامعو الثمار، أو البستانيون (وهم مجموعات أصغر حجمًا، اعتمدت على حصد المحاصيل، بالإضافة إلى صيد الحيوانات، أو الأسماك). وهذا أمر منطقي، لأن أنماط الحياة المستقرة للمزارعين صاحَبَتها فرص أكبر لجمع الثروة المادية. كما لاحظ علماء الآثار أيضًا أن الجماعات السكانية الأكبر، والأنظمة السياسية المعقدة (مثل الولايات)، والأنظمة الأكثر سُلْطةً ارتبطت جميعها بدرجة أكبر من عدم المساواة في الثروات.

يبدو بديهيًّا أن الأنظمة السياسية الهرمية والمجموعات السكانية الكبيرة توفر فرصًا أكبر للمنافسة والتفاوت، لكن ّكوهلر وزملاءه توصلوا إلى نتيجة ثانية غير متوقَّعة، باستخدام نهج مبتكر لمقارنة درجات "مُعَامِل جيني" للمواقع عبر الزمن. فبدلًا من ترتيب المواقع طبقًا للسنوات التقويمية فحسب، أَعدّ الباحثون ترتيبًا نسبيًّا بناءً على إجمالي عدد السنوات التي وُجِدت فيها الزراعة في مواقع سابقة في المنطقة، قبل الإشغال الأوّلِي للمواقع التي وقع عليها الاختيار للدراسة.

سمح ذلك بإجراء مقارنات أفضل للمواقع التي مرّت بمراحل متشابهة من التطور الاقتصادي، لكنها وُجِدت في فترات زمنية مختلفة (المواقع الأوراسية في العالَم القديم سبقت بفترات طويلة مواقع أمريكا الشمالية في العالَم الجديد). وأظهرت النتائج أن المواقع الأوراسية وصلت إلى درجات أكبر بكثير من عدم المساواة، مقارنةً بمواقع أمريكا الشمالية، حتى في الأوقات التي ظلت فيها الأنظمة الاقتصادية الزراعية لكلٍّ منهما قائمة لفترات زمنية متساوية.

ورغم أن ملاحظات كوهلر وزملائه مثيرة، فمن الضروري أن نضع في الاعتبار أن الدراسة ليست سوى محاولة أولى لتحقيق هدف طموح للغاية. ففي بعض النواحي، تطرح الدراسة أسئلة أكثر من تلك التي تجيب عليها. فعلى سبيل المثال.. إذا نظرنا إلى عينة المواقع المدروسة، يتّضح أن المسار نحو عدم المساواة يختلف في أوراسيا عن أمريكا الشمالية. والسؤال الذي يتبادر إلى الأذهان هنا هو: ما العوامل التي يمكن أن تفسِّر هذا التناقض؟

يرى كوهلر وزملاؤه أن ذلك يرجع إلى فروق رئيسة في الأنظمة الاقتصادية الزراعية، لا سيما وجود عدد كبير من الحيوانات المستأنَسة، - مثل الماشية، والخيول، والخنازير - في أوراسيا، وغيابها في أمريكا الشمالية. ويرى مؤلفو الدراسة أن استخدام الحيوانات في حرث الحقول كان ليسمح بنمو اقتصادي أسرع وأشمل في مجتمعات العالَم القديم، لكنْ نظرًا إلى عدم تمكُّن كل أفراد المجتمع مِن تحمُّل تكلفة حيوانات الجرّ، ولأنّ حجم الأراضي المتوفرة للحرث في كل موقع كان محددًا، فإن التنافس على هذه الموارد كان من شأنه أن يفاقم التفاوت الاقتصادي بمرور الوقت. وربما مَثَّل استخدام الحيوانات في نقل البضائع وركوبها في الحملات العسكرية عوامل رئيسة أيضًا في هذا الشأن.

اقتُرِحت أفكار مماثلة بخصوص اختلاف توزيع الموارد بين العالَمَين القديم والجديد، قبل أن يصبحا متصلين ثقافيًّا؛ لتفسير الاختلاف في التطورات الاجتماعية والاقتصادية بين المنطقتين8. وبالرغم من أن هذا الافتراض يبدو مثيرًا للاهتمام، ينبغي أن يخضع لمزيد من الاختبارات والتنقيح. ومن بين الخطوات الأساسية لتحقيق ذلك.. إدراج مجتمعات الأنديز - الواقعة في أمريكا الجنوبية - في التحليلات المستقبلية. فقد استأنست مجموعات العالَم الجديد هذه حيوانات اللاما، والألباكا؛ لتكون مصدرًا للغذاء، ولتوفير الألياف للأقمشة، ونقل البضائع إلى مسافات بعيدة بين مناطق مختلفة بيئيًّا9. فهل ستقع صور عدم المساواة في الثروات في مجتمعات الأنديز قريبة في الترتيب من مجتمعات العالم القديم، أم المجتمعات المجاورة لها في أمريكا الشمالية؟

وبالإضافة إلى ذلك.. من المهم أن نُسلِّم بأن "العالم القديم" كان فضاءً شاسعًا، يتميز بجغرافيا حيوية، وثقافات وأنظمة اقتصادية متنوعة تنوعًا هائلًا، بيد أن هذا العالم في دراسة كوهلر وزملائه يمثله 25 موقعًا فقط على مدار 9 آلاف عام، الأمر الذي يترك فجوات كبيرة في الزمان والمكان. لذا.. فثمة حاجة إلى عينة أكثر دلالة للمواقع، تتضمن مساحات أكبر من أوروبا، وآسيا، وأفريقيا؛ لتحديد كيفية ارتباط وجود الحيوانات المستأنسة الكبيرة بتزايد عدم المساواة بشكل أكثر دقة. وقد تمثّل اختلافات أخرى أيضًا بين العالَمَين القديم والجديد كلها مسارات بحثية مثمرة، مثل علم التعدين الأكثر تعقيدًا في العالم القديم، وإمكانية امتلاك بعض الأنظمة السياسية الكبرى في العالَم الجديد لأنواع حُكْم أكثر جماعية11،10.

References

  1. United Nations. The Sustainable Development Goals Report 2017 (UN, 2017). 
  2. Piketty, T. Le Capital au XXIe Siècle (Le Seuil, 2013).
  3. Kohler, T. A. et al. Nature551, 619–622 (2017). 
  4. Flannery, K. & Marcus, J. The Creation of Inequality (Harvard Univ. Press, 2012). 
  5. Earle, T. & Kristiansen, K. Organizing Bronze Age Societies (Cambridge Univ. Press, 2010). 
  6. Pearson, R., Lee, J., Koh, W. & Underhill, A. J. Anthropol. Archaeol. 8, 1–50 (1989). | article
  7. Gini, C. Variabilità e Mutabilità (1912); reprinted in Memorie di Metodologica Statistica (eds Pizetti, E. & Salvemini, T.) (Libreria Eredi Virgilio Veschi, 1955). 
  8. Diamond, J. Guns, Germs, and Steel: The Fates of Human Societies (Norton, 1999).
  9. Bonavia, D. The South American Camelids: An Expanded and Corrected Edition (UCLA-Cotsen Inst. Archaeol. Press, 2009).
  10. Carballo, D. M. Cooperation and Collective Action: Archaeological Perspectives (Univ. Press Colorado, 2013). 
  11. Blanton, R. E., Feinman, G. M., Kowalewski, S. A. & Peregrine, P. N. Curr. Anthropol. 37, 1–14 (1996). | article

ميشيل إيليوت تعمل في قِسمَي UMR7041، وUFR03 لتاريخ الفن والآثار في جامعة باريس 1- بانتيون سوربون، باريس 75006، فرنسا.

البريد الإلكتروني: michelle.elliott@univ-paris1.fr