أنباء وآراء

علم الأحياء الدقيقة: التعهيد الجماعي لدراسة ميكروبات الأرض

عكفت دراسة واسعة النطاق على تقييم التنوع الميكروبي، عن طريق تحليل تسلسلات الحمض النووي المأخوذة من عينات قدّمها علماء من شتى أنحاء العالم. وتُستخدَم النتائج الأولية حاليًّا في إنشاء مورد مفتوح. 

جيرون رايس

  • Published online:

تُعَد الفكرة البسيطة - وإنْ كانت شديدة الطموح في الوقت ذاته - المتمثّلة في أخذ عينات للتنوّع الوراثي الميكروبي من شتى أنحاء كوكب الأرض، القوةَ الدافعة وراء مشروع ميكروبيوم الأرض. يستعرض طومسون وآخرون1 -في بحث نشر في دورية Nature، نتائج هذا المشروع التجريبي شديد البراعة.

ظهر المشروع إلى النور في اجتماع عُقد في سنوبيرد بولاية يوتا في عام 2010، حيث ناقشت مجموعة من العلماء من طائفة متنوعة من التخصصات العلمية أهداف هذا المشروع، وما يقابله من تحديات، وجوانبه العملية2. وبعد سبع سنوات من ذلك التاريخ، يقدم مؤلفو البحث الآن الملامح التركيبية الميكروبية لعدد ضخم من العينات، مقداره 27,751 عينة مأخوذة من 97 دراسة منفصلة؛ ما يقدم رؤى ثاقبة حول تنوع الكائنات الدقيقة - من نطاقي البكتيريا، والعتائق - في مجموعة كبيرة من الأنظمة البيئية والجغرافية، الأرضية منها والمائية. ومن هذه العينات، أنتج طومسون وزملاؤه 2.2 مليار قراءة لتسلسلات الحمض النووي لمنطقة شديدة التنوع لجين ظل محفوظًا على مستوى العالم - من خلال عملية التطور - يُسمَّى 16S rRNA، ويشفِّر أحد مكونات الريبوسوم (آلية تخليق البروتين في الخلية).

إن الطبيعة المذهلة لهذه الدراسة لا تكمن في حجمها، واتساع نطاق العينات البيئية التي جرى تحليلها فحسب (الشكل 1)، وإنما كذلك في المنهجية المتبعة فيها. فقد تضَمَّن هذا المشروع جهد تعهيد جماعي عالميًّا ضخمًا، عاد فيه العلماء إلى مُجمِّدات مجموعات العينات الخاصة بهم، كي يسهموا بها في المشروع.

شكل 1: المصادر البيئية للعينات الميكروبية التي حللها مشروع ميكروبيوم الأرض.

يقدّم طومسون وزملاؤه1 بيانات مأخوذة من عملهم في مشروع يهدف إلى تقييم التنوع الميكروبي في أرجاء الأرض. فقد أرسل علماء من 43 دولة إلى الباحثين المشاركين في هذا المشروع 27,751 عينة حمض نووي مأخوذة من كائنات دقيقة حرة، وأخرى مرتبطة بعوائل تم تجميعها من بيئات متعددة. وبعد القيام بخطوة لمراقبة الجودة، حلل الباحثون جزءًا من تسلسل جين يُسمَّى 16Sr RNA في 23,828 عينة من هذه العينات.

يقدّم طومسون وزملاؤه1 بيانات مأخوذة من عملهم في مشروع يهدف إلى تقييم التنوع الميكروبي في أرجاء الأرض. فقد أرسل علماء من 43 دولة إلى الباحثين المشاركين في هذا المشروع 27,751 عينة حمض نووي مأخوذة من كائنات دقيقة حرة، وأخرى مرتبطة بعوائل تم تجميعها من بيئات متعددة. وبعد القيام بخطوة لمراقبة الجودة، حلل الباحثون جزءًا من تسلسل جين يُسمَّى 16Sr RNA في 23,828 عينة من هذه العينات.

كبر الصورة

كان النهج المتبع واضحًا ومباشرًا؛ إذ وُجِّهت دعوة إلى العلماء؛ كي يسهموا بالعينات البيئية المحفوظة جيدًا، التي جمعوها خلال مشروعات بحثية معينة، وعرض مشروع ميكروبيوم الأرض القيام بتعيين تسلسل الحمض النووي الخاص بالجين 16Sr RNA الموجود في العينات الميكروبية، وجعْل البيانات متاحة للوصول المفتوح.

يُعَد هذا المشروع مثالًا ممتازًا على توجُّه معين في تبني المناهج العلمية، يتضمن مشاركة واسعة النطاق، تُسَخَّر فيها سهولة التواصل الإلكتروني، وقوة وسائل التواصل الاجتماعي من أجل إنتاج موارد مفيدة. وعلى النهج ذاته، يتعاون علماء رياضيات في مشروع "بوليماث"؛ من أجل التعامل مع المسائل الرياضية الصعبة.

إن هذه المناهج الخاصة بتوليد بيانات تجريبية عن طريق التعهيد الجماعي تعمل في المعتاد عن طريق البدء في المشروع أولًا، ثم الحصول على التمويل لاحقًا، حين يكتسب المشروع الزخم، وربما يكون ذلك عن طريق التمويل الجماعي. ومن أمثلة مشروعات التعهيد الجماعي.. تلك التي تضطلع بتحليل البكتيريا داخل الأمعاء البشرية، مثل مشروع النُّبَيْت الجرثومي المعوي الفلمنكي3، أو مشروع التغذية المُخصَّصة4. وتختلف هذه الدراسات عن المشروعات البحثية التعاونية التقليدية، التي تبدأ بعد الحصول على منحة من إحدى هيئات التمويل.

تظهر تحديات على نحو حتمي في نوعية العمل التي يؤديها طومسون وزملاؤه، وتحديدًا نتيجة للاضطرار للتعامل مع عينات من مواقع جمْع متعددة. ويتمثّل أحد مصادر الإحباط الشائعة في أبحاث الميكروبات في أن إجراءات أخذ العينات، والتخزين، وظروف النقل، وبروتوكولات استخلاص الحمض النووي وتضخيمه تؤدي في المعتاد إلى اتصاف كل عينة بِسِمَات محددة خاصة بالمختبر الأصلي الذي جاءت منه، ما يجعل من الصعب مقارنة البيانات الآتية من مجموعات بحثية مختلفة. ولمواجهة هذه المشكلة، وضع مشروع ميكروبيوم الأرض عددًا من البروتوكولات5 والمعايير لعملية جمع العينات، واستخلاص الحمض النووي، والنقل، وتنسيق البيانات الإضافية المصاحِبة (مثل درجة الحرارة، والموقع)، إضافة إلى إجراءات تحليل البيانات. وقد استُخدِمت هذه البروتوكولات من أجل المشروع ذاته، لكن سرعان ما تبنّاها المجتمع البحثي الأوسع نطاقًا، ونُشِرت بالفعل أكثر من ألفي ورقة بحثية تَستخدِم هذه البروتوكولات6. وعن طريق استخدام بروتوكول واحد مع كل العينات، وإجراء كل عمليات التحليل في مختبر واحد، حاول طومسون وزملاؤه التخلص من أكبر عدد ممكن من العوامل الفنية المُربِكة.

وتؤكد النتائج، فيما يبدو، أنهم نجحوا بالفعل؛ إذ كشفت عن أن ملامح العينات الميكروبية تتجمع حسب البيئة؛ فتلك الآتية من نوع معين من البيئات تكون أكثر شبهًا ببعضها البعض من تلك الآتية من أنواع أخرى من البيئة، بصرف النظر عن المجموعة البحثية التي قامت بجمع العينة. ولهذا النهج نقطة ضعف أيضًا؛ لأنه ليس من المتوقع أن يعمل بروتوكول واحد لاستخلاص الحمض النووي بالكفاءة عينها في نطاق التنوّع الكيميائي والحيوي الواسع للعينات المُجمَّعة في مثل هذا النوع من المسح واسع النطاق، وقد يكون أقل فاعلية من أي نهج موجَّه، تُضبَط فيه بروتوكولات الاستخلاص على أفضل نحو؛ لتتوافق مع البيئة التي تؤخذ منها العينات. وقد فضّل طومسون وزملاؤه إمكانية التعميم على الدقة، وهو اختيار يمكن بالتأكيد الدفاع عنه في هذه الظروف.

يتمثّل أحد أوجه القصور الأخرى للدراسة في افتقارها إلى التصميم التجريبي القائم على الفرضيات، وذلك لأنها تقدِّم نفسها عمدًا كتحليل استكشافي للبيانات عبر أنواع مختلفة من البيئات والعينات. ويفرض ذلك قيودًا معينة على الاستدلالات التي يمكن الخروج بها، لأن البيانات البيئية المُجمَّعة من أجل العينات لم تكن دائمًا تُقاس بالطريقة عينها في البيئات المختلفة.

إن الجدل بشأن المزايا النسبية للنهج التجريبي القائم على البيانات، في مقابل ذلك القائم على الفرضيات، ليس جديدًا، وثمة أمثلة على تقديم كلا النهجين لرؤى علمية ثاقبة. وتُعَد هذه الدراسة نموذجًا ممتازًا للنهج الأول، حتى وإنْ اضطررنا لتقديم بعض التنازلات فيما يخص اختيار المتغيرات التي يمكن استخدامها في عمليات التحليل عبر البيئات كلها.

لقد توصل طومسون وزملاؤه إلى عدة نتائج.. فتحققوا - على سبيل المثال - مما إذا كانت النظريات القائمة حاليًّا حول العلاقة بين ثراء الأنواع (كما يرصدها تنوع تسلسلات الجين 16Sr RNA)، ودرجة الحرارة، ودرجة الحموضة (الأُس الهيدروجيني) عبر البيئات، متسقة مع بياناتهم، أم لا. فمثلًا.. يوجد نموذج يقترح وجود زيادة لوغاريتمية ثابتة في الثراء الميكروبي بالترافق مع الزيادة في درجة الحرارة7،8. ومن المدهش أنه، خلافًا لما تذهب إليه هذه النظرية، وجد الباحثون أن التنوع الحيوي الميكروبي يصل إلى ذروته عند نطاق ضيق نسبيًّا من درجات الحرارة، ودرجات الحموضة، ثم ينخفض مجددًا.

رصد مؤلفو البحث كذلك مقدارًا عاليًا غير متوقع من "التداخل" بين العينات الآتية من بيئات مختلفة؛ إذ كانت العينات ذات المستوى المنخفض من التنوّع الحيوي موجودة دائمًا كمجموعات فرعية ميكروبية داخل عينات أخرى ذات مستوى مرتفع من التنوّع الحيوي، بصرف النظر عن أصل هذه العينات. ومن الجدير بالذكر أن نمط التداخل هذا ظهر في أوضح صُوَره في عمليات التحليل الميكروبية التي أُجريت فوق مستوى الجنس، لكنْ عند إجراء عمليات التحليل على مستوى النوع، أو عند تحليل سلالات مختلفة من النوع ذاته، رُصِد انخفاضٌ قوي في مستوى التداخل.

ستتجاوز قيمة مشروع ميكروبيوم الأرض الأمور الواردة في الورقة البحثية المقدَّمة من طومسون وزملائه. فهذا المشروع يقدّم موردًا، مِن شأنه إبقاء علماء البيئة والأحياء التطورية المعنيين بدراسة الميكروبات منشغلين لسنوات. لقد نُشِر بالفعل أكثر من 60 مؤلَّفًا يستخدم مجموعات فرعية من البيانات التي صدرت مُسبقًا6. وعن طريق تطبيق نموذج الوصول المفتوح هذا، والحرص الشديد على استمراره، يؤكد طومسون وزملاؤه على قيمة التعاون والمشاركة في مقابل المنافسة، التي لا تزال - بكل أسف - الممارسة الأكثر شيوعًا داخل المجتمع العلمي.

References

  1. Thompson, L. R. et al. Nature 551, 457–463 (2017). 
  2. Gilbert, J. A., Jansson, J. K. & Knight, R. BMC Biol. 12, 69 (2014). | article
  3. Falony, G. et al. Science 352, 560–564 (2016). | article
  4. Zeevi, D. et al. Cell 163, 1079–1094 (2015). | article
  5. www.earthmicrobiome.org/protocols-and-standards 
  6. www.earthmicrobiome.org/publications
  7. Allen, A. P., Brown, J. H. & Gillooly, J. F. Science 297, 1545–1548 (2002).  | article
  8. Brown, J. H., Gillooly, J. F., Allen, A. P., Savage, V. M. & West, G. B. Ecology 85, 1771–1789 (2004). | article

يرون رايس يعمل في قسم الأحياء الدقيقة وعلم المناعة في معهد ريجا بجامعة لوفان الكاثوليكية، وفي مركز الأحياء الدقيقة بمعهد فلاندرز للتكنولوجيا الحيوية، لوفان 3000، بلجيكا.

البريد الإلكتروني: jeroen.raes@kuleuven.be