أنباء وآراء

علم الأحياء الضوئية: كيف تَحْصُل الزهورُ على اللون الأزرق لجذب النحل

تحتوي بتلات زهور متنوعة على أنماط متكررة من بِنى نانويّة ذات مستويات متشابهة من عدم الانتظام في الأنواع المختلفة. وتؤدي هذه الدرجة من عدم الانتظام إلى ظهور هالة زرقاء من الضوء المشتَّت، تساعد النحل في العثور على الزهور. 

ديمتري دِي. دِيين
  • Published online:

إنّ القدرة على نقل المادة الوراثية بنجاح إلى الشريك الجنسي محرك قوي للتطوّر. فقد تطوّر البشر والكائنات المتحركة الأخرى، بحيث ينجذب الشريكان الجنسيان إلى بعضهما البعض، لكن الكائنات غير المتحركة - مثل النباتات - يجب أن تعتمد على عنصر ناقل وسيط، مثل النحل، الذي يحمل المادة الوراثية الموجودة في حبوب اللقاح. وهذه الناقلات ضرورية لبقاء الأنواع غير المتحركة، وقد تطوّرت بالتزامن مع تطوّر هذه الأنواع على نحو وثيق2،1. وتشير مويرود وزملاؤها3 - في البحث المنشور بالعدد 550 من دورية Nature - إلى أن نباتات زهرية متنوعة قد تطورت لتُنتِج "هالة زرقاء" تجذب النحل الطنّان (Bombus terrestris).

تستخدم المُلقِّحات توليفة من الإشارات الشمّية والبصرية؛ للعثور على الزهور5،4. وفيما يخص النحل، تكون ألوان الزهور وأشكالها هي - على الأرجح - العوامل السائدة في تمييز الزهور، غير أن الفكرة القائلة إنّ النحل يستطيع رؤية الألوان قد طعنت في صحتها الدراسات7،6 حول استقبال الضوء والحساسية الطيفية، التي أوضحت أن أعين النحل غير حساسة نسبيًّا لمعظم الألوان، عدا الأزرق.

ينشأ اللون بشكل عام من جزيئات صبغية تمتص بعض أطياف اللون الأبيض، وتسمح بمرور البعض الآخر خلالها، فيصبح عندئذ مرئيًّا. ويبدو أن اللون الأزرق يصعب تشكيله من الأصباغ وحدها، رغم أن أسباب ذلك لم تزل قيد البحث. واللون الأزرق في حدّ ذاته غير شائع نسبيًّا في النباتات الزهرية (التي تُعرَف إجمالًا باسم مغطاة البذور)، مقارنةً بالألوان الأخرى.

وقد أصبح السؤال المتعلق بما يقود النحل إلى الزهور الكثيرة غير الزرقاء محل اهتمام كبير. فالأزهار غير الزرقاء تستطيع جذب النحل بالكفاءة نفسها لجذب الزهور الزرقاء لها. وتبدو هذه القدرة غير مرتبطة بحجم الزهرة، أو رائحتها، أو لونها الظاهري. ومن هنا، يتضح وجود إشارات أخرى تلعب دورًا في عملية عثور النحل على الزهور بنجاح وفاعلية.

يمكن لألوان النباتات مغطاة البذور أن تتأثر أيضًا بأنماط متكررة من بِنى نانوية توجد على سطوح بتلات الزهور، فتتفاعل الأطياف اللونية المختلطة في ضوء الشمس مع هذه الأشكال نانوية البنية، التي تُفَرِّق بين الأطياف فيزيائيًّا، بحيث تنعكس أطوال موجية محددة فقط. وتُحدِّد المسافة بين هذه الأشكال وأحجامها اللونَ الناتج. ويمكن أن يُصنَع اللون الأزرق بسهولة من خلال عملية التلوُّن البِنيوي هذه؛ لأن الحجم النموذجي للبِنى النانوية يساعد على تشتيت الأطياف الزرقاء. ويمكن أن تكون البِنى النانوية أيضًا الأساس لعملية التقزّح اللوني؛ إذ تعطي تدرُّجات بصرية للون، أي "رتوشًا" لونية تُضاف إلى لون البتلة الأساسي؛ لإنتاج إشارات منفصلة، يكون تمييزها أحيانًا أفضل عند ظروف أو زوايا إضاءة محددة.

ولدراسة انجذاب النحل إلى النباتات مغطاة البذور، حللت مويرود وزملاؤها3 بعناية البِنى النانوية لاثني عشر نوعًا من الزهور التي تختلف في ألوانها، ويَبعُد كل نوع منها عن الآخر من ناحية التطوّر. ومثلما كان متوقَّعًا، أظهرت سطوح الزهور أشكالًا نانوية البنية، متكررة ومختلفة، ما أدَّى إلى ظهور ألوان أو تدرجات لونية مختلفة. وأكد مؤلفو الدراسة ما تضمنته بحوث سابقة10،9،8. من أن ترتيب كل من هذه الأشكال المتكررة يشوبه بعضٌ من عدم الانتظام. والمثير للدهشة أنهم وجدوا أن هذا المستوى من عدم الانتظام كان متشابهًا في جميع الأنواع الاثني عشر. ومن ثم، كان مستقلًا عن النمط الأساسي نانوي البنية، الذي أدى إلى ظهور اللون الأساسي، أو الدرجة اللونية الأساسية لكل زهرة. لذا، يبدو أن درجة عدم الانتظام خاصية محتفَظ بها تطوريًّا، وظاهرة شائعة في الأنواع الأخرى المتباعدة تطوريًّا. وربما يكون عدم الانتظام قد نشأ من سلف مشترك واحد، ثم انتشر عبر الفروع التطورية المختلفة، لكنْ لا يمكن استبعاد أن تكون الظاهرة قد نشأت عدة مرات بشكل مستقل.

والسؤال الآن، ما فائدة المحافظة التطورية على هذه الدرجة من عدم الانتظام في ترتيب البِنى النانوية؟ افترضت مويرود وزملاؤها أن عدم الانتظام - بدلًا من اعتباره خللًا - مقترن بنتيجة ووظيفة بصرية واضحة. وقد تابع الباحثون دراستهم؛ ليتوصلوا إلى أن البِنى النانوية عديمة الانتظام تكوِّن "هالة" من الضوء عندما تسقط أشعة الشمس على الزهرة بزوايا معينة. وتظهر هذه الهالة (التي يمكن رؤيتها على أفضل نحو بالعين البشرية عندما تتضادّ مع البتلات ذات اللون الداكن) كما لو كانت مختلطة مع اللون الأساسي للزهرة (شكل 1).

شكل 1: هالة من اللون الأزرق على بتلات زهرة "أورسينيا كالندوليفوليا" (Ursinia calendulifolia)

توضح مويرود وزملاؤها3أن المصفوفات المتكررة من البِنى النانوية، التي تغطي بتلات النباتات الزهرية، قد تطوّرت بحيث أصبحت تنطوي على درجة من عدم الانتظام، تعزِّز تشتيت الضوء الأزرق. وكانت النتيجة هي ظهور هالة زرقاء تجذب النحل (تُرَى في الجزء الداخلي الداكن لكل بتلة).

توضح مويرود وزملاؤها3أن المصفوفات المتكررة من البِنى النانوية، التي تغطي بتلات النباتات الزهرية، قد تطوّرت بحيث أصبحت تنطوي على درجة من عدم الانتظام، تعزِّز تشتيت الضوء الأزرق. وكانت النتيجة هي ظهور هالة زرقاء تجذب النحل (تُرَى في الجزء الداخلي الداكن لكل بتلة).

HOWARD RICE

وجدت مويرود وزملاؤها هالات زرقاء تُنتَج على نحو متماثل في زهور مختلفة الألوان. وقد بيّن مؤلفو البحث أن الهالة الزرقاء لها مدى طيفي محدد جيدًا، يتأثر به النحل؛ فصمموا زهورًا اصطناعية، لها محزّزات سطحية صغيرة، مصمَّمة لتحاكي عدم الانتظام الذي يولِّد هالة زرقاء. وبعد ذلك، أجْروا تجارب سلوكية على النحل الطنان، قاسوا فيها سرعات النحل في الْتِماس الغذاء، وعدد زياراته للزهور الاصطناعية. وتبيَّن أن النحل انجذب إلى الزهور الاصطناعية ذات الهالات الزرقاء أكثر من انجذابه إلى الزهور التي تفتقر إلى هذه الهالات.

وأخيرًا، اختبر الباحثون قدرة الهالة الزرقاء على جذب النحل إلى زهور اصطناعية لها ثلاثة ألوان أساسية مختلفة، لكي يُقَيِّموا تأثير خلفيات التباين؛ فكانت الخلفية الزرقاء هي الأكثر جذبًا للنحل. ولم تُحسِّن الهالة الزرقاء معدلات الْتِماس الغذاء من الزهور الزرقاء (وهو ما كان متوقعًا، لأن النحل يستطيع رؤية الخلفية الزرقاء). وفي المقابل، حَسّنت الهالة الزرقاء عملية التماس الغذاء من الزهور ذات الخلفيات الصفراء، أو السوداء. وبالنظر إلى هذه النتائج مجتمعة، تُوفِّر البيانات التي حصل عليها الباحثون دليلًا شاملًا على أن الهالة الزرقاء هي الإشارة البصرية الرئيسة في عملية جذب النحل.

لقد تم حل اللغز إذن؛ فالزهور التي قد تتمتع بألوان أساسية مختلفة لأسباب بيئية متباينة، بدءًا من جذب أو تنفير الكائنات، وصولًا إلى تشتيت الأطياف الضوئية الضارة، يمكن أن تكون لها أيضًا هالة زرقاء واضحة لجذب النحل. وتنشأ الهالة الزرقاء من شكل فاقد التنظيم بشكل مُرتَّب، يُحتمَل أن يكون قد حُوفِظ عليه عبر التاريخ التطوري لسلالة النباتات مغطاة البذور؛ ما ضَمِنَ لها النجاح التكاثري عبر ملايين السنين.

يجمع بحث مويرود وزملائها بين تخصصات متعددة؛ وهي عِلْم البيئة السلوكي للنحل، وعلم الأحياء التطوري للنبات، والنمذجة البصرية، وعِلْم المواد. ومِثْلُ هذا الدمج غير العادي للخبرات يجعل العمل جذابًا، لأنه يُمكِّن الباحثين من تناول بحث هذه العملية البيولوجية الجوهرية بأكفأ الأساليب الممكنة.

تَحْمِل الدراسة بوضوح آثارًا بيئية، ففي المستقبل ربما يمكن إدارة مجموعات النحل ونجاحها في التلقيح على نحو أفضل باستخدام سطوح اصطناعية مستوحاة من الأحياء، أو أنواع مختارة من الزهور التي تحتوي على هالات زرقاء قوية، غير أنه سيكون ضروريًّا أولًا تحديد ملاءمة الهالة الزرقاء في الظروف الطبيعية. وإضافة إلى ذلك، سيكون من المثير تحديد أهمية الهالة – إنْ وُجدت – في جذب الحشرات الأخرى. هل تَستخدِم النباتات التي لا يلقحها النحل اللون الأزرق؟ وهل تستخدم النباتات التي تتغذى على الحشرات اللون الأزرق لجذب فريستها؟ لا يزال هناك الكثير لنتعلمه عن القيمة البيئية لهذه الظاهرة البصرية.

References

  1. Balamurali, G. S., Krishna, S. & Somanathan, H. Curr. Sci. India108, 1852-1861 (2015).| article
  2. Bukovac, Z. et al. Evol. Ecol. 31, 153-172 (2017). | article
  3. Moyroud, E. et al. Nature550, 469-474 (2017). | article
  4. Chittka, L. & Raine, N. E. Curr. Opin. Plant. Biol.9, 428-435 (2006). | article
  5. Leonard, A. S. & Masek, P. J. Comp. Physiol. A 200, 463-474 (2014). | article
  6. Bukovac, Z. et al. J. Comp. Physiol. A 203, 369–380 (2017). | article
  7. Dyer, A. G. & Chittka, L. J. Comp. Physiol. A190, 105-114 (2004). | article
  8. Vignolini, S. et al. New Phytol.205, 97-101 (2015). | article
  9. Whitney, H. M. et al. Science 323, 130-133 (2009). | article
  10. Whitney, H. M., Reed, A., Rands, S. A., Chittka, L. & Glover, B. J. Curr. Biol.26, 802-808 (2016). | article

ديمتري دي. ديهين يعمل بمعهد سكريبس لعلم المحيطات في جامعة كاليفورنيا، سان دييجو، لاهويا، كاليفورنيا 92093، الولايات المتحدة الأمريكية.

البريد الإلكتروني: ddeheyn@ucsd.edu