أخبار

تَقادُم الأقمار الصناعية يهدد سجلات رصد الجليد البحري المهمة

يسارع العلماء إلى تجنب حدوث أي فجوة في مجموعة البيانات الخاصة بعمليات رصد الجليد القطبي منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي.

ألكسندرا فيتز
  • Published online:
تقلصت مساحة الجليد البحري في منطقة القطب الشمالي بشكل كبير في العقود الأربعة الأخيرة.

تقلصت مساحة الجليد البحري في منطقة القطب الشمالي بشكل كبير في العقود الأربعة الأخيرة.

MARIO TAMA/GETTY

إن إحدى أهم عمليات التوثيق المستمر للتغيرات المناخية – التي امتدت قرابة أربعة عقود من قياسات الأقمار الصناعية للجليد البحري في منطقتي القطب الشمالي، والقطب الجنوبي - باتت مهددة بالانقطاع قريبًا.

يَعتمِد العلماء في جميع أنحاء العالم على بيانات رصد الجليد البحري التي أعدها المركز الوطني الأمريكي لبيانات الثلج والجليد NSIDC في بولدر بولاية كولورادو، إلا أن الأقمار الصناعية العسكرية الأمريكية التي تجمع هذه البيانات من خلال قياس نطاق امتداد الجليد بمجسّات تعمل بالموجات الميكروية، تقترب الآن من نهاية أعمارها الافتراضية. لا تزال ثلاثة منها تعمل، لكن علامات التهالك بدأت تظهر عليها، وكان القمر الصناعي البديل قد بدأ يتعرض لأعطال في عام 2016، قبل أن يتوقف تمامًا في نوفمبر الماضي. ولن يتم إطلاق البديل التالي المحتمل، حتى أوائل عشرينيات القرن الواحد والعشرين، على أقل تقدير (انظر: "رؤية الجليد").

ويعني ذلك أن أكثر السجلات شمولًا وأهمية من الناحية العلمية للجليد البحري يواجه خطر الانقطاع. ومن شأن أي فجوة في تغطية القمر الصناعي أن تضر البحوث المستقبلية، إذ إن العلماء لن يكونوا قادرين على المقارنة بدقة بين ما رُصد قبل الفجوة، وما رُصد بعدها.

يقول ديفيد جالاهر، وهو متخصص في مجال الاستشعار عن بُعْد بالأقمار الصناعية في المركز الوطني الأمريكي لبيانات الثلج والجليد: "إن الجليد البحري مثل طائر الكناري الملون وسط منجم للفحم، وهو يوشك على السقوط من غصنه".

وقد بدأ المحللون في المركز اختبار مسألة إدراج بيانات الجليد البحري من قمر صناعي ياباني، إلا أن هذه المركبة الفضائية المصمَّمة لتعمل خمس سنوات قد بلغت عامها الخامس الآن. وكان من المقرر أن يجتمع الخبراء الراغبون في تجنب الفجوة التي تلوح في الأفق من أجل مناقشة الخيارات الأخرى - ومنها الاستخدام المحتمل لبيانات قمر صناعي صيني - وذلك في شهر ديسمبر الماضي، خلال اجتماع للاتحاد الجيوفيزيائي الأمريكي في نيو أورليانز بولاية لويزيانا.

عيون في السماء

إلى جانب مراقبة تغيُّر منطقتي القطب الشمالي والقطب الجنوبي، يُعَد سجل الجليد البحري مُهِمًّا أيضًا بالنسبة إلى واضعي النماذج المناخية. فمعرفة أن الجليد البحري قد تَشَكَّل في موضع معين في وقت معين ترشِد العلماء إلى درجات حرارة الهواء والمحيط في تلك البقعة، ما يسمح لهم باختبار عمليات محاكاة الغلاف الجوي، والمحيط.

وتأتي البيانات التي تساعد على تقييم تغطية الجليد البحري من أقمار صناعية مدارية قطبية، تَحْمِل مجسّات تعمل بالموجات الميكروية السلبية، التي يمكنها الرؤية عبر السُّحُب. ترصد المجسّات سطوع السطح أدناها، وتحوِّل تلك القياسات إلى بيانات حول كمية الجليد، والمياه الموجودة.

"الجليد البحري مثل طائر الكناري الملون وسط منجم للفحم، وهو يوشك على السقوط من غصنه".

بدأت وكالة ناسا في إجراء قياسات بالموجات الميكروية السلبية للجليد البحري منذ عام 1972، باستخدام أداة على متن القمر الصناعي الخاص بها "نيمبوس-5" Nimbus-5. أعاق تعطُّل المجسّ بعد ذلك بأربع سنوات عمليات رصد ظواهر معينة، مثل الحفرة العميقة، التي يبلغ حجمها حجم ولاية أوريجون، والتي ظهرت في الجليد البحري بالمنطقة القطبية الجنوبية في عدة فصول شتوية متتابعة في منتصف سبعينيات القرن الماضي. وبحلول الوقت الذي استأنفت فيه ناسا قياساتها بالموجات الميكروية السلبية في عام 1978، كانت الحفرة قد اختفت.

كبر الصورة

SOURCE: WALT MEIER, US NSIDC

الغريب أن رقعة كبيرة من المياه المفتوحة قد ظهرت في المنطقة نفسها في أكتوبر عام 2017، وهي أكبر بقعة تم رصدها خلال أربعة عقود، لكنّ جالاهر يقول إن العلماء لا يمكنهم أن يقارنوا بدقة تلك الرقعة التي ظهرت في عام 2017 مع الرقع التي شُوهدت في سبعينيات القرن الماضي، إذ إن الانقطاع الذي حدث في سجل القمر الصناعي يجعل من الصعب معايرة مشاهدات "نيمبوس-5" بالمشاهَدات اللاحقة.

"ولهذا السبب، من الضروري جدًّا أن يكون لديك تداخل في البيانات" من واحد من الأقمار الصناعية التي ترصد الجليد البحري، إلى القمر الذي يليه، كما يقول.

واصل المحللون في المركز الوطني الأمريكي لبيانات الثلج والجليد استخدام بيانات الجليد البحري الصادرة عن وكالة ناسا حتى عام 1987، ثم اتجهوا إلى استخدام المعلومات التي جمعها برنامج الأقمار الصناعية الدفاعية للأرصاد الجوية (DMSP). يستخدم الجيش المعلومات الخاصة بالموجات الميكروية؛ لرصد سرعات الرياح في المحيطات؛ لإدخالها في نماذج المناخ، وذلك ضمن استخدامات أخرى لها، لكن البيانات شبه مثالية في رصد الجليد البحري، كما يقول والت ماير، وهو متخصص في الجليد البحري بالمركز الوطني الأمريكي لبيانات الثلج والجليد. ومنذ ذلك الحين، يعتمد المركز على بيانات برنامج الأقمار الصناعية الدفاعية للأرصاد الجوية.

واليوم، يستخدم المركز البيانات التي ترسلها ثلاثة أقمار صناعية تابعة لبرنامج الأقمار الصناعية الدفاعية للأرصاد الجوية، صُمم كل منها ليستمر في العمل لمدة خمس سنوات، لكنها الآن بلغت أكثر من 8، و11، و14 سنة. وهناك قمر صناعي أجدد، يُعرف باسم F19، كان قد أُطلق في عام 2014، لكنه تعرَّض لمشكلات في مجسّات الاستشعار في عام 2016. وقد توقف عن العمل تمامًا في نوفمبر 2017، بعد أن تعطل وخرج عن السيطرة. كما تم فك المسبار النهائي في المجموعة، وهو F20، الذي لم يكن قد تم إطلاقه، عام 2016 بعد أن توقف الكونجرس الأمريكي عن تمويل البرنامج.

"ظل الجميع يقولون لا زال لدينا F20، لكن مع الوقت أصبح من الواضح أنه لن ينطلق"، كما يقول جالاهر. ويضيف: "وهكذا أُخذ المجتمع العلمي على حين غرة".

يطوِّر الجيش الأمريكي مجموعة أخرى من أقمار الأرصاد الجوية؛ لتحل محل مجموعة برنامج الأقمار الصناعية الدفاعية للأرصاد الجوية، لكن القمر الصناعي الذي يحمل مجسّ الاستشعار بالموجات الميكروية لن يتم إطلاقه قبل عام 2022. وهذا يعني أنه عندما تتوقف تمامًا الأقمار الصناعية الثلاثة الحالية التي تجاوزت عمرها الافتراضي، ستصبح الولايات المتحدة بلا مصدر موثوق طويل الأمد لبيانات الجليد البحري. يقول ماير: "مع مرور كل يوم، يقترب الخطر أكثر فأكثر. وإذا فقدنا واحدًا من هذه الأقمار سنمر بوقتٍ عصيب، وبالطبع سيكون الأمر كذلك إذا فقدنا اثنين".

أوقات واهية

في الوقت الراهن، يَستعِد المركز لمواجهة تلك السيناريوهات، من خلال إدراج البيانات من المجس الياباني، الذي يعمل بالموجات الميكروية AMSR2 في سجل الجليد البحري الخاص به. وثمة خيار آخر محفوف أكثر بالتوترات السياسية، يتمثل في أخذ البيانات من سلسلة أقمار "فينجيون" Fengyun، التابعة لإدارة الأرصاد الجوية الصينية. وبالفعل، يتم دمج بيانات هذه الأقمار في عمليات النمذجة الأوروبية للتنبؤ بالطقس، وهي تحمل مجسّات الاستشعار بالموجات الميكروية السلبية، التي تناسب دراسة الجليد البحري. ومنذ عام 2011، منع الكونجرس علماء ناسا من التعاون مع العلماء الصينيين، لكنه لم يمنعهم بالضرورة من استخدام البيانات الصينية.

أما الخيار الأخير، فيتمثل في إيجاد طريقة لإطلاق مجسّ الاستشعار بالموجات الميكروية السلبية، الذي أنقذه العلماء في مختبر الأبحاث البحرية الأمريكية من الهلاك مع القمر الصناعي التابع لبرنامج الأقمار الصناعية الدفاعية للأرصاد الجوية، الذي تم تفكيكه. ومجسّ الاستشعار هذا موجود حاليًّا في مؤسسة "إيروسبيس" Aerospace Corporation في إل سيجوندو بولاية كاليفورنيا، حيث يحاول الباحثون إيجاد وسيلة؛ لوضعه في المدار. ويقول دونالد بوشيه، وهو عالِم بارز ومهندس في المؤسسة: "إنها آلة رائعة، ويجب أن تحلق".

وقد يختار الجيش في النهاية إطلاق مجسّ الاستشعار على شيء مثل محطة الفضاء الدولية التي تحلِّق على خطوط العرض المنخفضة والمتوسطة لكوكب الأرض. ومن شأن ذلك أن يلبي احتياجات القوات الأمريكية للتنبؤ بالطقس، لكنه لن يقدم المدار القطبي اللازم لدراسة الجليد البحري. أما الأقمار الصناعية العسكرية أو التجارية الأخرى المخطَّط لها، فقد تكون قادرة على توفير بعض المعلومات حول غطاء الجليد البحري، لكن ليس بالقدر نفسه من التفصيل والاستمرارية الذي يرغب فيه الباحثون.

"الأمر مخيف بعض الشيء أن يكون لديك سجل غني واستمراري مثل هذا، ولا تكون لديك طريقة جيدة لتكملته"، حسبما يقول مولي هاردمان، متخصص تقنيات الاستشعار عن بُعْد، في المركز الوطني الأمريكي لبيانات الثلج والجليد. إنّ "الأمر مُحبِط"، كما يقول.