صندوق الأدوات

العِلْم يصبح افتراضيًّا

أدوات الواقع الافتراضي والواقع المُعزَّز تتيح للباحثين مشاهدة ومشاركة البيانات، بطريقة لم تكن ممكنة من قبل، لكنها تظل حتى الآن حكرًا على المستخدمين الأوائل بدرجة كبيرة.

ديفيد ماثيوز

  • Published online:

ILLUSTRATION BY THE PROJECT TWINS

عندما أضع جهاز الواقع الافتراضي (VR) على رأسي، يتلاشى العالم الخارجي من أمامي، وتحل محله خلية تملأ مجال رؤيتي البصرية. وبتحريك عنقي، أستطيع رؤيتها من زوايا مختلفة، ومن ثم أُدخِل رأسي فيها؛ لأستكشف هيكلها الداخلي. وباستخدام أجهزة تحكم يدوية، أفكك الخلية طبقة تلو الأخرى، وبلمسة من معصمي أُنقب فيها؛ لأكشف عن الهياكل والتركيبات التخصصية الصغيرة جدًّا المدفونة أسفل السطح.

يبدو الاطلاع على خلية في الواقع الافتراضي "أقرب ما يكون إلى لمس" ذلك الهيكل ضئيل الحجم، كما يقول سيباستيان كونراد، مدير قسم منتجات الواقع الافتراضي بشركة «أريفيس» Arivis، وهي شركة لبرمجيات علوم الحياة في ميونخ بألمانيا، كانت قد طورت هذا النوع الخاص من أدوات تصور الواقع الافتراضي المسماة "إن فيو آر" InViewR، وأسهمت في تنظيم العرض الذي قدمته لاستخدامها.

إن تقنية الواقع الافتراضي ليست جديدة، لكن الاهتمام بتلك التكنولوجيا شهد ازدهارًا كبيرًا منذ عام 2016، عندما قدَّم مطورو ألعاب الفيديو وعدد من العلماء للجمهور العديد من الأجهزة التجارية عالية الجودة وغير المكلفة نسبيًّا، التي يتم ارتداؤها على الرأس. وظهرت طفرة مشابهة في مجال الواقع المُعزَّز (AR)، وهي تقنية ذات صلة، تَستخدِم نظارة شفافة، أو شاشة هاتف ذكي، لإسقاط أجسام على البيئة الواقعية المحيطة.

يرى بعض العلماء أن الواقع الافتراضي والواقع المُعزَّز أسهل في استخدامهما من الشاشات المسطحة التقليدية، لمشاهدة الهياكل المعقدة ثلاثية الأبعاد، في حين سعى آخرون نحو أجهزة للرأس منخفضة التكلفة، وتَعتمِد على الهواتف الذكية. وفي هذه الأجهزة، تُستخدم شاشة الهاتف الذكي كبديل لعدسات النظارات، وذلك لتحسين فهم عموم الناس لعملهم، لكنّ عددها قليل نسبيًّا، إذ تظل أدوات الواقع الافتراضي والواقع المُعزَّز أدوات متخصصة للاستخدام في البحث العلمي؛ إلا أن بعض الباحثين يقولون إن التقنية قد أضافت رؤىً وأفكارًا جديدة.

آدم ليسي-هولبرت هو من الباحثين الرئيسين في معهد بحوث بينارويا في سياتل بواشنطن، وهو مهتم تحديدًا بالليسوسومات، وهي هياكل تساعد على تنظيف البيئة الداخلية للخلايا، لكنه أصيب بالحيرة بسبب بعض الصور ثنائية الأبعاد التي كان يحصل عليها باستخدام التصوير المجهري التقليدي. ويقول: "بدا الأمر كما لو أن جزءًا من ليسوسومات الخلية قد انتقل إلى داخل النواة، وهو أمر لم يبدُ لنا في الحقيقة منطقيًّا".

أمّا "كونفوكال في آر" ConfocalVR، وهي أداة تم تطويرها في معهد بينارويا، وتَستخدِم الواقع الافتراضي في تخيل الصور التي تلتقطها المجاهر متحدة البؤرة، فقد جعلت ما كان يحدث بالفعل في الخلية "يظهر جليًّا في غضون بضع ثوانٍ"، حسبما يقول ليسي-هولبرت. كانت النواة في الحقيقة تغيِّر من شكلها، وتتحرك حول الليسوسومات.

كذلك عززت عمليات الاستكشاف باستخدام تقنية الواقع الافتراضي من فهم ويليان كورتوباسي - وهو أحد باحثي ما بعد الدكتوراة بجامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو – لبعض الأفكار العلمية. و"كيميرا إكس" ChimeraX هي أداة للتصور الجزيئي للبروتينات وغيرها من الهياكل، وقد أضافت نوعًا من الدعم لأجهزة الواقع الافتراضي التي يتم ارتداؤها على الرأس، وذلك في نوفمبر عام 2016. وقد ساعد "السير" في الفضاء الافتراضي عبر شبكة من الروابط الهيدروجينية كورتوباسي على فهم الكيفية التي تتمكن من خلالها طفرات معينة لبروتين محدد من عرقلة العقاقير التي تستهدف ذلك البروتين. يقول كورتوباسي إن شاشة الحاسوب تكون "شديدة الفوضى عندما تُشغل عددًا كبيرًا من الذرات؛ بهدف إنشاء التصور"، لكنْ في الواقع الافتراضي، "يمكنك – ببساطة - السير وسط ذرات الهيدروجين من مختلف الزوايا والمسافات، وأن ترصد بعض التفاعلات المهمة بسرعة".

أمور مدهشة

ورغم أن هناك خيارات متاحة بتكلفة بسيطة، فإن معظم أدوات التصور تعمل فقط بأجهزة الرأس الأغلى ثمنًا، مثل جهاز "أوكولوس ريفت" Oculus Rift، الخاص بشركة فيسبوك، و"فايف" Vive، الخاص بشركة الإلكترونيات التايوانية «إتش تي سي» HTC، إذ تستطيع تتبُّع تحركات رأس المستخدِم، وجهاز التحكم المحمول في اليد، في الفضاء ثلاثي الأبعاد. إنّ الباحثين ومحبي ألعاب الفيديو لديهم تفضيلاتهم الخاصة، لكن الفروق بسيطة بين جهازي "أوكولوس ريفت"، و"فايف". "لا أعتقد أن هناك رابحًا واضحًا في هذه المرحلة"، كما يقول توم فيرين، وهو أحد مطوري أداة "كيميرا إكس"، الذي يتخصص مختبره بجامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو في أدوات التصور الجزيئي.

ورغم ذلك، لا تتوافق الأدوات كلها مع جميع أجهزة الرأس. إذ تعمل أداة "إن فيو آر" فقط مع جهاز "أوكولوس ريفت"، في حين تعمل الأداتان "كيميرا إكس"، و"كونفوكال في آر" مع الجهازين. ويعمل "أوكولوس ريفت"، و"فايف" بنظام التشغيل "ويندوز"، مع أن "فايف" يتوافق أيضًا مع نظام التشغيل "ماك أو إس 10" MacOS X.

يحتاج الواقع الافتراضي كذلك إلى قَدْر مكثف من الحوسبة، وذلك لسببين، الأول: لأن كل عين يجب أن ترى صورة مختلفة، لكي تُنْتِج تأثيرًا ثلاثي الأبعاد، والثاني: أن تلك الصور يجب أن يتم تحديثها بسرعة. في بعض الحالات ستضيف "وحدة معالجة رسوم" جديدة قوة حاسوبية كافية، "لكن بصفة عامة، قد تحتاج إلى شراء حاسوب جديد"، كما يقول توم سكيلمان، وهو مدير نُظُم المعلومات وتكنولوجيا الأبحاث بمعهد بينارويا، وأحد مبتكري أداة "كونفوكال في آر". ومع جهاز "أوكولوس ريفت"، يُوصَى باستخدام أجهزة حاسوب متوافقة مع الواقع الافتراضي، يتراوح سعرها بين 850 و3,100 دولار أمريكي تقريبًا، كما يُوصَى بوجود ما لا يقل عن 8 جيجابايت من الذاكرة، ووحدة معالجة رسوم فائقة الجودة.

كما يمكن أن تكون برمجيات الواقع الافتراضي ذاتها باهظة الثمن أيضًا. فرغم أن "كونفوكال في آر"، و"كيميرا إكس" متاحان بالمجان للهيئات غير الربحية، لا ينطبق ذلك على الشركات التجارية. وقد امتنع المسؤولون عن "كونفوكال في آر" عن مشاركة المعلومات الخاصة بالتسعير، بينما تكلفة "كيميرا إكس" يمكنها أن تصل إلى 20 ألف دولار، حسب عدد المستخدمين.

أما فيما يخص الباحثين الذين يحبون العمل في فريق، فقد أضاف مطورو "كونفوكال في آر" في إبريل خيارًا يتيح الفرصة لما يصل إلى أربعة مستخدمين، لمشاهدة الهياكل، والإشارة إليها، والإمساك بها في آنٍ واحد في الفضاء الافتراضي ذاته. وقد يعني ذلك أنه لم يعد يتوجب على العلماء الالتقاء وجهًا لوجه للعمل معًا، حسبما يقول سكيلمان، وهو الأمر الذي يخفض تكاليف السفر. ويسعى مطورو "كيميرا إكس"، و"إن فيو آر" إلى إضافة ميزات تعاونية مشابهة في المستقبل.

تعزيز الواقع

مقارنة بالواقع الافتراضي، تُعَد برمجيات التصور الخاصة بأجهزة الرأس التي تعمل بتقنية الواقع المُعزَّز أقل تطورًا. فقد أجرى مارك هوفمان - كبير مسؤولي المعلومات البحثية بمستشفى "ميرسي كانساس سيتي" للأطفال في ميزوري - تجارب لمشاهدة البروتينات وعمليات المسح بالتصوير المقطعي المُحَوسب (CT) باستخدام نظارة "هولو لينس" HoloLens، الخاصة بشركة "مايكروسوفت"، وهي نوع من النظارات يحتوي على حاسب آلي مدمج، يُسْقِط الأجسام ثلاثية الأبعاد على العالَم الحقيقي.

يقول هوفمان إن الواقع المُعزَّز أسهل في الاستخدام من الواقع الافتراضي، إذ إن المستخدمين يمكنهم رؤية البيئة المحيطة بهم، ومن ثم يكونون أقل عرضة للتوهان، بل ويعاني هوفمان - في الواقع - من دوار الحركة عند استخدامه لتقنية الواقع الافتراضي، وهي شكوى متكررة. ويقول: "في كل مرة استخدمت فيها نظارة "هولو لينس"، لم أشعر قط بعدم الارتياح".

أما الجانب السلبي للأمر، فهو أنه بينما يغلف جهاز الرأس الخاص بتقنية الواقع الافتراضي مجال رؤيتك البصرية بالكامل، تعرض "هولو لينس" الأجسام فقط على شريط مستطيل رفيع نسبيًّا في منتصف مجال الرؤية. يقول هوفمان: "ذلك بعضٌ مما سيتعين عليك التغاضي عنه". فالواقع المُعزَّز ليس انغماسيًّا بشكل تام، لكنه - حسبما يضيف - "عامل تمكين على الفهم"، و"هناك أشياء قد تفوتك على الشاشة المسطحة"، لكنها تصبح أوضح في الواقع المُعزَّز، مثل التفاعلات بين البروتينات على سبيل المثال.

يعمل الجرّاحون بمستشفى ميرسي للأطفال حاليًّا على استكشاف مسألة استخدام الواقع المُعزَّز؛ لمشاهدة عمليات المسح بالتصوير المقطعي المُحَوسب لقلوب المرضى، قبل إجراء عملية جراحية، كما يقول. ويستخدم هوفمان نهجًا متدرجًا؛ ليجعل تلك البيانات قابلة للمشاهدة باستخدام نظارة "هولو لينس". يستطيع الجرّاح استكشاف النسيج، عن طريق عرضه على نقطة ثابتة في الفراغ، في منتصف الغرفة مثلًا، لكن إذا ما أدار رأسه؛ تختفي الصورة، ويرى فقط ما هو موجود أمامه بالفعل. "يخطو الجرّاحون داخل البطين أو الأذين في القلب، وقد يكتشفون أن نقطة الدخول لوعاء دموي لدى طفل ما ليست في موضعها الطبيعي الذي ينبغي أن تكون فيه". وتبلغ تكلفة نظارة "هولو لينس" ثلاثة آلاف دولار، كما يجب طلبها مباشرة من شركة «مايكروسوفت»، إذ إنها ليست متاحة في المتاجر.

خيارات منخفضة التكلفة

يمكن لأجهزة الرأس الأرخص - التي تَستخدِم الهواتف الذكية كشاشة في زوج من النظارات، مثل جهاز "جير في آر" Gear VR الخاص بشركة سامسونج، أو جهاز "كاردبورد" Cardboard شديد البساطة، ذي الـ15 دولارًا من إنتاج شركة جوجل - مساعدة الباحثين على الوصول إلى قطاعات أعرض من الجمهور.

على سبيل المثال، يُصَوِّر تطبيق "جوس بوكس في آر" Juicebox VR - وهو تطبيق مصمم لهذه الأجهزة البسيطة - ارتباط الجينوم البشري في منظر طبيعي شبيه بسطح كوكب المريخ، يشقُّه جدار هائل الحجم، حسب قول إريز أيدن، وهو عالِم وراثة بكلية بايلور للطب في هيوستن بولاية تكساس، كان مختبره هو الذي قام بتطوير تلك الأداة. تمثِّل سمات المنظر الطبيعي هذا طوبوغرافيا الحمض النووي المكثف في خلايا الحيوانات، فيما يشير نتوء الجدار إلى نقاط التقاء أجزاء الجينوم المختلفة. ويقول أيدن: "عندما يتفاعل الناس معه، تتكون لديهم حقًّا فكرة عما تبدو عليه البيانات".

وقد تبَنَّى علماء الأحياء أيضًا تطبيق "أوجمينت" Augment، وهو تطبيق يُستخدم عادة لتمثيل شكل وترتيب الأثاث في الغرفة، ليتيحوا للزملاء والطلاب وأفراد من عامة الجمهور فحص نماذج ثلاثية الأبعاد للبروتينات عبر شاشات هواتفهم الذكية.

وبالنسبة إلى الباحثين المهتمين بابتكار أدوات التصور الخاصة بهم، يُعَد برنامج "يونيتي" Unity، الذي صممته شركة «يونيتي تكنولوجيز» Unity Technologies في سان فرنسيسكو لبناء الألعاب، أحد أكثر بيئات التطوير استخدامًا. تعمل الأداة على أجهزة بسيطة نسبيًّا من حيث الإمكانات، حسبما يقول محمد سعد شميم، الذي استخدمها للمساعدة على تطوير "جوس بوكس في آر" على جهاز "ماك برو". أما فيما يخص نظارة "هولو لينس"، فلا يحتاج المستخدمون إلى أن يكونوا مطورين متقدمين، لاستحضار أجسام ثلاثية الأبعاد، كما يقول هوفمان، لكن ينبغي أن يجدوا سهولة في استخدام برمجية "يونيتي"، وكذلك بيئة البرمجة "فيجوال ستوديو" Visual Studio الخاصة بشركة «مايكروسوفت». وتتضمن الخيارات الأخرى "أنريل إنجين" Unreal Engine من شركة «إبيك جيمز» Epic Games في كاري بولاية نورث كارولينا، وهي متوفرة بالمجان للمستخدمين الأكاديميين، وكذلك "أوبن جي إل" OpenGL، وهي أداة رسوم ثلاثية الأبعاد، متاحة بالمجان، وتُستخدِم في تطوير الألعاب، وفي تقنيات التصميم باستخدام الحاسب الآلي، وفي محاكيات الطيران. ويقول فيرين، الذي استخدم أداة "أوبن جي إل" لابتكار "كيميرا إكس"، إن "أوبن جي إل" تتطلب عملًا أوليًّا أكثر مما تتطلبه برمجية "يونيتي"، أو أداة "أنريل إنجين"، حيث إن المطورين يحتاجون إلى معالجة تفاصيل برمجية أكثر بشكل مباشر؛ لكن المردود هو قيود أقل على الأداء الوظيفي.

ورغم الانتشار الواسع لأدوات الواقع الافتراضي والواقع المُعزَّز في الثقافة الاستهلاكية، فإن قلة قليلة فقط من المختبرات حاليًّا تستخدم هذه التكنولوجيا، ويبقى أن نرى كم عدد المختبرات الأخرى التي ستحذو حذوهم. ومع ذلك، يتنبأ كثير من المدافعين عن التقنية بأن الواقع الافتراضي والواقع المُعزَّز يمكن أن يصبحا أدوات مخبرية معيارية على مدار السنوات الخمس القادمة، أو نحو ذلك. تُغذِّي التقنية أدمغتنا بالمعلومات في ثلاثة أبعاد، لتلائم الطريقة ذاتها التي "تطورت بها أدمغتنا على مدار مليون سنة" لاستقبال العالم ثلاثي الأبعاد، كما يقول سكيلمان. ويتطلب الأمر قدرًا هائلًا من العمل الفكري والعقلي؛ لبناء نموذج عقلي ثلاثي الأبعاد من شاشة ثنائية الأبعاد، حسب قوله: "يتلاشى كل ذلك بمجرد ارتدائك النظارات".

ديفيد ماثيوز كاتب حر، مقيم في برلين بألمانيا.