أنباء وآراء

علم الأحياء الدقيقة: قتل الخلايا البكتيرية الصامدة

قد تكون حالات العدوى المزمنة صعبة العلاج، نتيجة لعدم تأثر البكتيريا بطيئة النمو المعروفة باسم الخلايا الصامدة بالمضادات الحيوية عادة؛ المشكلة التي قد يكون حلها التعرف على جزئيات تستهدف هذه الخلايا.

جوليان جي. هيردل، وأديتي ديشباندي

  • Published online:

قد يبوء استخدام المضادات الحيوية لعلاج العدوى بالفشل عندما تتفادى البكتيريا هذه العقاقير، من خلال التغيّرات الجينية التي تمنحها مقاوَمة للمضادات الحيوية. ويمكن للبكتيريا المسبِّبة للأمراض أيضًا أن تتجنب الهلاك بفعل المضادات الحيوية بطريقة أخرى؛ وهي دخول بعض الخلايا البكتيرية في حالة خمول أو سبات استقلابي؛ لتصبح خلايا صامدة، وهي الخلايا التي تنمو ببطء، أو لا تنمو مطلقًا. وقد اكتُشِفت غالبية المضادات الحيوية في تجارب اختَبرت قدرة المركّبات على تثبيط النمو البكتيري، وعليه، تكون – على الأرجح – غير فعّالة في معالجة الخلايا البكتيرية الصامدة غير النامية1، لكنّ كيم وزملاءه2 أشاروا مؤخرًا في بحثهم المنشور في دورية Nature إلى  اكتشاف جزيئات صغيرة يمكن أن تقتل الخلايا الصامدة.

 الخلايا الصامدة هي مصدر العديد من حالات العدوى البكتيرية المتكررة التي تؤثر على الناس، مثل الحالات المرتبطة بالأجهزة الطبية المزروعة، كعدوى التهاب الشِّغاف، وكذلك عدوى الرئة، التي يمكن أن تنشأ في التليّف الكيسي3،1. وعلاج مثل هذه الحالات من العدوى المزمنة قد يتطلب جراحة، ما يشكّل عبئًا صحيًّا إضافيًّا على المرضى. وتزيد أي فترات علاج ممتدة ضرورية بالمضادات الحيوية من إمكانية تطوير البكتيريا للمقاوَمة. هكذا، فثمة حاجة ملحّة4 إلى تطوير علاجات لقتل الخلايا الصامدة، خاصةً لاستهداف الخلايا الصامدة التي تنشأ في حالات العدوى بسلالات بكتيريا المكورات العنقودية الذهبية (Staphylococcus aureus) "الخارقة" المقاوِمة للميثيسيلين، التي تقاوم العديد من المضادات الحيوية الشائعة، إذ ترتبط العدوى بهذه البكتيريا بالمرض والوفاة، خاصةً بين الأشخاص المصابين بحالات العدوى الغزوية5.

قرر كيم وزملاؤه البحث عن جزيئات يمكنها تأمين الوقاية من عدوى المكورات العنقودية الذهبية المقاوِمة للميثيسيلين، باستخدام دودة الربداء الرشيقة Caenorhabditis elegans الأسطوانية، كنظام نموذجي. وباتبّاع نهج عالي الإنتاجية، اختبر الباحثون قدرة حوالي 82 ألف جزيء اصطناعي صغير على حماية الديدان من الموت الذي تتسبب فيه العدوى بالمكورات العنقودية الذهبية المقاوِمة للميثيسيلين. ومن بين المركّبات البالغ عددها 185 مركّبًا، التي مَنَحت الديدان الحماية، ركز الباحثون على جزيئين، هما: CD437، وCD1530، اللذين يقتلان خلايا المكورات العنقودية الذهبية المقاوِمة للميثيسيلين بسرعة، ويمكنهما أيضًا استهداف المكورات المعوية البرازية Enterococcus faecium، وهي بكتيريا مرتبطة بالتهاب الشِّغاف. ولسوء الحظ، لم يكن لهذه المركّبات أي تأثير على البكتيريا سالبة الجرام - وهي مجموعة تشمل الإشريكية القولونية Escherichia coli - التي توجد حاجة ماسة إلى خيارات علاجية جديدة لها، لأنّ في استطاعتها هي الأخرى تكوين بكتيريا خارقة مقاوِمة للمضادات الحيوية.

ينتمي الجزيئان CD437، وCD1530 إلى فئة من الجزيئات تُعرَف باسم الرتينويدات، التي تشبه فيتامين أ من حيث البِنية. ومنذ ستينيات القرن الماضي، طُوِّرت الرتينويدات لعلاج حالات مختلفة، من ضمنها حَبّ الشباب6. وهكذا أدى التعديل التخليقي اللاحق للرتينويدات إلى توليد مشتقات توجد غالبًا في المكتبات الكيميائية المستخدَمة في اكتشاف العقاقير.

وخلص الباحثون إلى أن القتل الفوري لخلايا المكورات العنقودية الذهبية المقاوِمة للميثيسيلين حدث عندما شوّه جزيئا الرتينويد بِنية الطبقة الثنائية الدهنية في الغشاء البكتيري. أجرى كيم وزملاؤه بعد ذلك دراسات بالمجهر الإلكتروني، كشفت عن أن العلاج بالرتينويدات سبَّب انحناءً وطَيًّا في الغشاء البكتيري، لكنه لم يتسبب في تخريبه.

الغشاء البكتيري هو حاجز نفاذ ضروري للعديد من الوظائف الخلوية1، ويحتوي على بروتينات مهمة للتحكم في امتصاص المغذيات، وإطلاق النفايات، وإنتاج الطاقة في صورة جزيئات الأدينوزين ثلاثي الفوسفات. وبتشويه هذا الغشاء، قد تؤثر جزيئات الرتينويد على إدخال المواد المذابة وإخراجها، بالإضافة إلى العديد من الوظائف الخلوية الأساسية التي تعتمد على سلامة الغشاء، لكنْ ليس من المضمون أن ينجح نمط لتأثير مضاد للبكتريا - ينطوي ببساطة على مهاجمة الغشاء البكتيري – في قتل الخلايا الصامدة، فعلى سبيل المثال، ذكر الباحثون أن المضادين الحيويين "نيجريسين"، و"فالينومايسين"، اللذين يستهدفان الغشاء، لا يقتلان خلايا المكورات العنقودية الذهبية المقاوِمة للميثيسيلين الصامدة. 

ومن خلال عمليات محاكاة حاسوبية، استكشف الباحثون كيف يمكن أن تتفاعل جزيئات الرتينويد مع الغشاء البكتيري، وتوصلوا إلى أن المجموعات الجانبية القطبية من جزيئي CD437، وCD1530 يمكنها الارتباط برؤوس الدهون الفسفورية المُحِبّة للماء في الغشاء، ما يسمح لجزيئات الرتينويد بالاستقرار في الطبقة الثنائية الدهنية في البكتيريا. وتُعَد عمليات المحاكاة هذه أداة فعّالة، يمكن استخدامها لتوجيه الاستفادة المثلى من المضادات الحيوية التي يمكنها مهاجمة الطبقة الثنائية الدهنية بالأغشية البكتيرية انتقائيًّا، دون الإخلال بنظيراتها الثديية، والتسبب في تسمم المرضى.

يتمثّل أحد الشواغل الرئيسة في كيفية تحسين الجزيئات الصغيرة، مثل الرتينويدات، لتصبح هذه الانتقائية أمرًا ممكنًا. وعلى الرغم من أن الباحثين وجدوا أن جزيئَي CD437، وCD1530 لم يدمرا الأغشية الدهنية لخلايا الدم الحمراء البشرية، فقد تمكّنا من قتل خلايا سرطان الكبد البشرية المزروعة في المختبر، ما يتفق مع خصائص الرتينويدات المضادة للسرطان، التي سبقت الإشارة إليها6.

أنتج الباحثون متغيرات بنيوية للجزيء CD437، ما أدى إلى ظهور مُركّب، أطلقوا عليه اسم "النظير 2". ولم يقتل هذا المُركّب خلايا كبد بشرية طبيعية أو سرطانية زُرِعت في المختبر، لكنه احتفظ بالقدرة على قتل خلايا المكورات العنقودية الذهبية المقاوِمة للميثيسيلين الصامدة (الشكل 1). وفي التجارب التي أُجريت على الفئران، ظل "النظير 2" يدور في أجسام الحيوانات لعدة ساعات بتركيزات عالية بما يكفي لقتل خلايا المكورات العنقودية الذهبية المقاوِمة للميثيسيلين الصامدة، لكنه لم يؤد إلى ظهور علامات السُمّية، مثل تلف الكبد أو الكلى. ومن اللافت للنظر أن الباحثين أظهروا أنه في الفئران يمكن للنظير 2 مهاجمة ما يُعتبَر بشكل عام شكلًا مقاوِمًا للعلاج من المكورات العنقودية الذهبية المقاوِمة للميثيسيلين. يحاكي هذا النموذج الحيواني العدوى المزمنة بهذه المكورات العنقودية لدى الأشخاص ضعيفي المناعة ممن يكون توقُّع سير مرضهم سيئًا عند علاجهم بالمضادات الحيوية التقليدية، مثل الفانكومايسين، بسبب وجود عدد كبير من خلايا المكورات العنقودية الذهبية المقاوِمة للميثيسيلين الصامدة7،4.

الشكل 1 | مركّب رتينويدي يدمّر الخلايا البكتيرية الصامدة.

(أ) تتألف عادةً المجموعات البكتيرية من خلايا سريعة الانقسام، وخلايا بطيئة النمو، تُعرَف باسم الخلايا الصامدة. وعند معالجة البكتيريا بالمضادات الحيوية التقليدية، يُقضَى على الخلايا سريعة الانقسام، لكن الخلايا الصامدة تستطيع البقاء، متسببةً في عدوى مزمنة. (ب) أشار كيم وزملاؤه2 إلى مركّب رتينويد، يُسمَى "النظير 2"، تمّ تحسينه لاستهداف البكتيريا الصامدة. وفي نموذج فأر للعدوى البكتيرية، وجد الباحثون أن "النظير 2" يمكنه القضاء على الخلايا الصامدة. وكشف الفحص بالمجهر الإلكتروني والنمذجة الحاسوبية أن "النظير 2" يرتبط - على الأرجح - بجزيئات الدهن الفسفوري في الغشاء البكتيري، مسببًا تشوّه الغشاء؛ ما قد يساعد على قتل البكتيريا.

(أ) تتألف عادةً المجموعات البكتيرية من خلايا سريعة الانقسام، وخلايا بطيئة النمو، تُعرَف باسم الخلايا الصامدة. وعند معالجة البكتيريا بالمضادات الحيوية التقليدية، يُقضَى على الخلايا سريعة الانقسام، لكن الخلايا الصامدة تستطيع البقاء، متسببةً في عدوى مزمنة. (ب) أشار كيم وزملاؤه2 إلى مركّب رتينويد، يُسمَى "النظير 2"، تمّ تحسينه لاستهداف البكتيريا الصامدة. وفي نموذج فأر للعدوى البكتيرية، وجد الباحثون أن "النظير 2" يمكنه القضاء على الخلايا الصامدة. وكشف الفحص بالمجهر الإلكتروني والنمذجة الحاسوبية أن "النظير 2" يرتبط - على الأرجح - بجزيئات الدهن الفسفوري في الغشاء البكتيري، مسببًا تشوّه الغشاء؛ ما قد يساعد على قتل البكتيريا.

كبر الصورة

وجد الباحثون أن تأثيرات "النظير 2" على حالات العدوى البكتيرية يمكن تعزيزها بوجود المضاد الحيوي جنتامايسين، وهو مثبط لتخليق البروتين البكتيري، يفتقر إلى النشاط ضد الخلايا الصامدة. وسيكون من المثير للاهتمام تحديد ما إذا كانت خلايا المكورات العنقودية الذهبية المقاوِمة للميثيسيلين الصامدة ستستجيب للرتينويدات، أم لا، عن طريق إعادة تنشيط الاستقلاب الخلوي فيها، ومن ثم تسهيل قتلها باستخدام أدوية معينة، مثل "الجنتامايسين"، الذي لن يكون فعّالًا لولا هذه الطريقة.

قد تكون جزيئات، مثل "النظير 2"، مناسِبة للعقاقير التي تقلل الوقت اللازم لعلاج حالات العدوى المزمنة التي تتميز بأعداد مرتفعة من البكتيريا الخاملة بشكل فعّال. وفي عصر يواجِه فيه تطوير المضادات الحيوية تحدي مواكبة انتشار البكتيريا المقاوِمة، قد يساعد تحديد مركبات معينة - مثل "النظير 2" - الباحثين على تحقيق انتصارات في الصراع الطويل الذي يخوضونه ضد الأمراض البكتيرية المعدية. 

References

  1. Hurdle, J. G., O’Neill, A. J., Chopra, I. & Lee, R. E. Nature Rev. Microbiol. 9, 62–75 (2011). | article
  2. Kim, W. et al. Nature 556, 103–107 (2018). | article
  3. Costerton, J. W., Stewart, P. S. & Greenberg, E. P. Science 284, 1318–1322 (1999). | article
  4. Lewis, K. Nature Rev. Microbiol. 5, 48–56 (2007). | article
  5. Dantes, R. et al. JAMA Int. Med. 173, 1970–1978 (2013). | article
  6. Álvarez, R., Vaz, B., Gronemeyer, H. & de Lera, Á. R. Chem. Rev. 114, 1–125 (2014). | article
  7. Conlon, B. P. et al. Nature 503, 365–370 (2013). | article

جوليان جي. هيردل، وأديتي ديشباندي يعملان في مركز الأمراض المعدية والالتهابية بمعهد العلوم الحيوية والتكنولوجيا، مركز تكساس إيه آند إم لعلوم الصحة، هيوستون، تكساس 77030، الولايات المتحدة الأمريكية.

البريد الإلكترونيjhurdle@ibt.tamhsc.edu; adeshpande@medicine.tamhsc.edu