رؤية كونية

البيانات تستطيع أن تساعد على إنهاء حالات سوء التغذية عبر أفريقيا

إن التقدم المحرَز في مكافحة الجوع غيرُ مكتمل. وينبغي أن تستهدف الأدوات الجديدة الإجراءات التي تخدم أولئك الأكثر عرضة للجوع، كما يقول كوفي عنان.

كوفي عنان
  • Published online:

KOFI ANNAN FOUNDATION

في عام 2000، استضافت الأمم المتحدة أكبر تجمع للقادة السياسيين على الإطلاق. وفي هذا الاجتماع أعلنت الدول الـ189 الأعضاء بالأمم المتحدة – إلى جانب مؤسسات التنمية الرائدة - التزامها "بالأهداف الإنمائية للألفية"، وهي مجموعة من ثمانية أهداف طموحة، لانتشال أكثر من مليار شخص حول العالم من الفقر المدقع.

كان الهدف الأول – خفض مستوى الفقر المدقع والجوع إلى النصف بحلول عام 2015 – هو الأهم بالنسبة لي تحديدًا، إذ كان ضروريًّا لتحقيق كافة الأهداف الأخرى. كما أنه كان مثيرًا للجدل، فقد اعتقد بعض الخبراء أنه من المستحيل تحقيقه، لكنه أطلق شرارة حوار دولي حول كيفية الاستثمار في الزراعة، والتغذية، وأنظمة الغذاء؛ لضمان مستقبلٍ يحصل فيه الأطفال كافة على ما يحتاجونه من طعام للنمو، وليس فقط البقاء على قيد الحياة.

وقد أفضت المحادثات إلى أفعال، والأفعال إلى نتائج. فبين عامي 2000، و2015، عمدت تقريبًا كافة الدول الأفريقية إلى تحسين تغذية الأطفال، خاصة فيما يتعلق بتقليل التقزم الناجم عن سوء التغذية. وعلى سبيل المثال، في بوركينا فاسو، انخفض معدل تقزم الأطفال دون سن الخامسة من 42% في عام 2006 إلى 27% في عام 2016. وفي غانا، بلدي الأم، انخفضت المعدلات من 36% إلى 19% بين عامي 2003، و2014.

"مِن دون بيانات جيدة، كأننا نطير عميانًا. ولذلك، إذا لم تستطع رؤية المشكلة؛ فلن تستطيع حلها".

وقد تم إبراز هذه الأرقام من خلال خرائط أنتجها معهد المقاييس الصحية والتقييم في سياتل، التابع لجامعة واشنطن. وهي توضح معدلات التقزم، والهزال، ونقص الوزن لدى الأطفال عبر أفريقيا من عام 2000 إلى عام 2015. وهذه هي المؤشرات الأفضل لقياس جودة تغذية الأطفال. وتكشف هذه الأساليب الإحصائية المتطورة عن التقدم الذي تحقق بمستوى من الدقة يُظْهِر التغيرات على جميع المستويات، بما في ذلك مستوى القرى تقريبًا. كما قام مشروعٌ مصاحب بتتبع التعليم في مرحلة الطفولة، وهو محرك أساسي آخر لتحسين حياة الناس.

إن النتائج - في حد ذاتها - مذهلة، خاصة بالنسبة لي؛ باعتباري أفريقيًّا اعتاد على أن تُظهِر عناوين الصحف الدولية أفريقيا كقارّة تستنزفها الحرب، والقحط، والجوع، لكنّ أفريقيا التي تُظهِرها هذه الخرائط تحكي قصة مختلفة، وهي حكاية تَقَدُّم ثابت وقابل للقياس في قضايا ظَنَنّا لفترة طويلة أنها مستعصية.

كما تسلِّط الخرائط الضوء على أوجه التفاوت الصارخة، خاصة في المناطق المتضررة من الصراعات. فهناك قرى تجد فيها كافة أطفالها أقصر مما يجب أن يكونوا عليه في أعمارهم. وعبر أغلب منطقة الساحل، وهي شريط من الأرض شبه قاحل، يمتد من المحيط الأطلسي إلى البحر الأحمر، لا تزال معدلات التقزم المرتفعة مستمرة، ولا يوجد أي مؤشر على التحسن.

في الواقع، إنها تُعَدّ تذكيرًا واضحًا بأن متوسط قِيَم المعدلات القومية لا يطلعنا على الصورة الكاملة. ففي كينيا مثلًا، كانت معدلات الهزال لدى الأطفال دون الخامسة أقل من 6% في المتوسط على مستوى الدولة في عام 2015، لكن في مناطق محددة، ابتُليَت بأعوام عديدة من قلة الأمطار، وفشل المحاصيل، واندلاع الأمراض، وصلت تقديرات معدلات الهزال إلى 28%. وفي تشاد، هناك مناطق تخطَّت معدلات الهزال فيها نسبة 50%، بالرغم من أن المتوسط الوطني بلغ حوالي 37%. أما في نيجيريا، فنرى تقدمًا في الجنوب، لكنّ معدلات التقزم مستمرة ومرتفعة في الشمال الأكثر جفافًا، الذي تمزقه الصراعات.

هذه الرؤى بالغة الدقة تضع على عاتقنا مسؤولية ضخمة للتحرك. فهي تبين للحكومات، والوكالات الدولية، والمانحين أين ينبغي بالتحديد أن يوجّهوا الموارد والدعم. إن مجموعة أهداف التنمية المستدامة - التي وافقت عليها الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، عندما انتهت مدة الأهداف الإنمائية للألفية في عام 2015 - تتضمن المرامي الأولى لتقليل التقزم والهزال. وتشير البيانات إلى أنه لا توجَد أي دولة أفريقية تسير حاليًّا على الطريق الصحيح؛ للوصول إلى كافة الأهداف المرتبطة بإنهاء الجوع، وتحقيق الأمن الغذائي، وتحسين التغذية.

يُظهِر ذلك أهمية الاستثمار في البيانات. فالثغرات في البيانات تُضْعِف من قدرتنا على استهداف الموارد، وصياغة السياسات، وتعقُّب المساءلة. ومن دون بيانات جيدة، كأننا نطير عميانًا. ولذلك، إذا لم تستطع رؤية المشكلة؛ فلن تستطيع حلها.

وقد جَنَت دول عديدة - من بينها بوركينا فاسو، وغانا - ثمار تجميع البيانات بشكل منتظم ومتكرر فيما يتعلق بمؤشرات التغذية الرئيسة. والأهم، أنها تستفيد من تلك البيانات في اتخاذ القرارات اللازمة حول السياسات والبرامج؛ فالدول التي تجعل التغذية أولوية سياسية؛ تحقِّق نتائج. فعلى سبيل المثال، انخفض معدل التقزم في السنغال بحوالي الثلث بين عامي 2011، و2015، بعد أن أنشأ مكتب رئيس الوزراء "هيئة مكافحة سوء التغذية" Cellule de Lutte contre la Malnutrition، وهي جهة تنسيقية مكلَّفة بالحدّ من نقص التغذية.

وينبغي لهذا التقدم أن يشعل جذوة التزام متجدد لتحسين عملية جمع وتحليل البيانات؛ من أجل صقل التدخلات التي يمكنها أن تصل إلى أكثر الأشخاص تضررًا، وهم الرضع، والأطفال، والأمهات. وعلينا أن نطبق هذه الدروس على المجتمعات التي لم تنجح أيضًا.

إن التغذية هي واحدة من أفضل محركات التنمية؛ فهي تستحث دورة فعالة من التحسينات الاجتماعية الاقتصادية، مثل زيادة إمكانية الوصول إلى التعليم والتوظيف. وبمساعدة مؤسسات معينة، مثل مؤسسة «بيل آند ميليندا جيتس» – التي دعمت كذلك مشروع وضع الخريطة - سأستمر في المطالبة بسياسات أفضل، من خلال برنامج مكافحة الجوع، التابع لمؤسستي. فالقضاء على سوء التغذية أمر ضروري؛ لتحقيق وعد أهداف التنمية المستدامة بـ"عدم التخلي عن أي شخص".

وقد نهض القادة الأفريقيون الحاليون والسابقون الآن إلى العمل، في إطار "مبادرة القادة الأفريقيون من أجل التغذية"، التي أُطلقت في يناير؛ لتحفيز الإرادة السياسية، والحفاظ على استمرارها. والتزمت المجموعة بوضع بطاقة نقاط للمساءلة حول التغذية، لكي يتسنى من خلالها تعقُّب التقدم المحرَز حسب البلد والإقليم.

وتُعَد هذه الخرائط أداة أخرى في ترسانتنا. ورغم أنها وحدها لن تقضي على سوء التغذية، فإنها ستمكِّن قادة أفريقيا من التحرك بشكل استراتيجي.

كوفي عنان رئيس مؤسسة «كوفي عنان» في جنيف بسويسرا، وهو الأمين العام السابق للأمم المتحدة، والحائز على جائزة "نوبل" للسلام.

البريد الإلكتروني: info@kofiannanfoundation.org