أخبار

التعلُّم العميق يجعل رؤية الخلايا والجينات أوضح

الشبكات العصبية تعمل على تسهيل معالجة الصور البيولوجية.

إيمي ماكسمِن
  • Published online:
يمكن لصور شبكية العين أن تسمح لأجهزة الحاسوب أن تتنبأ بخطر تعرُّض الشخص لنوبة قلبية وشيكة.

 يمكن لصور شبكية العين أن تسمح لأجهزة الحاسوب أن تتنبأ بخطر تعرُّض الشخص لنوبة قلبية وشيكة.

PAUL PARKER/SPL

يقال إن العين نافذة الروح، لكن الباحثين بشركة جوجل يرونها مؤشرًا على صحة الشخص. تَستخدِم جوجل – عملاق التكنولوجيا - التَّعلُّمَ العميق، للتنبؤ بضغط دم الشخص، وعمره، وموقفه من التدخين، من خلال تحليلِ صورةٍ لشبكيَّةِ عينِه. تلتقط حواسب جوجل المؤشرات من ترتيب الأوعية الدموية. وتشير دراسة أولية إلى أن الحواسب تستطيع استخدام هذه المعلومات؛ للتنبؤ بما إذا كان شخصٌ ما معرَّضًا لخطر الإصابة بنوبةٍ قلبية وشيكة، أم لا.

اعتمد البحث على شبكةٍ عصبيةٍ تَلْفِيفِيَّة، وهي نوعٌ من خوارزميات التعلم العميق يُحدث تحولًا هائلًا في طريقة تحليل علماء الأحياء للصور؛ إذ يلجأ العلماء حاليًّا إلى هذه الطريقة للعثور على الطفرات في الجينومات، والتنبؤ بالتباين في هيئة الخلايا المفردة. والطريقة التي تطرحها جوجل، والتي وُصفت في إحدى نسخ ما قبل النشر ظهرت في شهر أغسطس 2017 (R. Poplin et al. Preprint at https://arxiv.org/abs/1708.09843; 2017) هي جزء من مَوْجةٍ من تطبيقات التعلم العميق الجديدة، التي تجعل معالجةَ الصور أسهل، وذات استخدامات أكثر تَعدُّدًا، بل ويمكنها حتى أن تُعَرِّف الظواهر الحيوية التي تم إغفالُها.

يقول فيليب نِلسون، الذي يعمل مديرًا في قسم الهندسة في "جوجل ريسيرش" Google Research في ماونتين فيو بكاليفورنيا: "لم يكن واقعيًّا أن يتم تطبيق تعلُّم الآلة في نطاقات كثيرة من علم الأحياء من قَبل". ويضيف قائلًا: "الآن تستطيع ذلك، والأكثر إثارة أن الآلات تستطيع الآن رؤيةَ أشياء ربما لم تتسَنَّ للبشر رؤيتُها من قبل".

تسمح الشبكات العصبية التلفيفية لأجهزة الحاسوب بمعالجة الصورة بكفاءة، وبشكل كُلّي، دون تقسيمها إلى أجزاء. بدأ العمل بهذه الطريقة في قطاع التكنولوجيا في عام 2012 تقريبًا، مدعومة بحدوث تطورات في قوة وسعة تخزين أجهزة الحاسوب؛ فعلى سبيل المثال، تَستخدِم منصة فيسبوك هذا النوع من التعلم العميق للتعرف على الوجوه في الصور، لكنّ العلماء عانوا من أجل تطبيق استخدام الشبكات في علم الأحياء. ويرجع ذلك جزئيًّا إلى الاختلافات الثقافية بين المجالات المختلفة. "عند اختلاط مجموعة من علماء الأحياء الأذكياء، بمجموعة من علماء الحاسب الآلي الأذكياء أيضًا؛ سوف تجدهم يتحدثون إلى بعضهم البعض بلغتين مختلفتين، وستكون لهم عقليات مختلفة"، كما تقول دافني كولر، رئيس قسم الحوسبة في شركة «كاليكو» Calico، وهي شركة مختصة بالتكنولوجيا الحيوية، مقرها سان فرانسيسكو بكاليفورنيا، وتدعمها الشركة الأم لشركة جوجل، المعروفة باسم «ألفابِت» Alphabet.

كان على العلماء أيضًا تحديد أي نوع من الدراسات يمكن أن يُجرى باستخدام الشبكات التي يجب توجيهها باستخدام مجموعات ضخمة من الصور، قبل أن يتمكنوا من البدء في التنبؤ. وعندما أرادت جوجل أن تستخدم التعلم العميق للعثور على الطفرات في الجينومات، تعين على علمائها تحويل شرائط من أحرُف الحمض النووي إلى صورٍ يمكن لأجهزة الحاسوب التعرف عليها. دَرَّب العلماء بعد ذلك شبكتَهم على قصاصات من الحمض النووي معلومةِ الطفرات، تم ترتيبها باستخدام جينوم مرجعيّ. وكانت النتيجة النهائية ظهور تطبيق "ديب فاريانت" DeepVariant، وهو أداةٌ أُطلِقت في شهر ديسمبر 2017، يمكنها أن تعثر على تباينات صغيرة في سَلسَلات الحمض النووي. وقد أبلى تطبيق "ديب فاريانت" في الاختبارات بلاء حسنًا، يعادل - على الأقل - كفاءة الأدوات التقليدية.

يَستخدِم علماء الأحياء الخلوية بمعهد آلِن لعلم الخلية في سياتل بواشنطن شبكاتٍ عصبية تلفيفية؛ لتحويل الصور الرمادية المسطَّحة للخلايا - التي التُقطت بالمجاهر الضوئية - إلى صور ثلاثية الأبعاد، يظهر فيها بعض عضيات الخلية موسومة بالألوان. تُغْنِي هذه الطريقة عن الحاجة إلى صَبْغ الخلايا. وهي عملية تحتاج إلى وقت أطول، ومعمل مجهز، ويمكنها أن تدمر الخلية. وقد نشرت المجموعة في شهر ديسمبر 2017 تفاصيل تقنية متقدمة، تستطيع التنبؤ بشكلِ وموقعِ أجزاء أكثر من الخلية، باستخدام القليل من المعلومات، مثل شكل الخلية (G. R. Johnson et al. Preprint at bioRxiv http://doi.org/chwv; 2017).

تقول آن كاربِنتر، مديرة منصة التصوير بمعهد «برود»، التابع لمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، وجامعة هارفارد في كامبريدج بولاية ماساتشوستس: "ما تراه الآن هو نقلة غير مسبوقة في مستوى الجودة التي يستطيع بها تَعلُّم الآلة إتمام مهام بيولوجية ذات صلة بالتصوير". وفي عام 2015، بدأ فريقها متعدد التخصصات في معالجة صور الخلايا، باستخدام شبكات عصبية تلفيفية. والآن، حسب ما تقول كاربنتر، تعالج الشبكات حوالي 15% من بيانات الصور في مركزها. وهي تتنبأ بأن هذا النهج سوف يصبح أسلوب المعالجة الرئيس للمركز في غضون أعوام قليلة.

تنتاب علماء آخرين حماسةٌ قصوى لفكرة أن تحليل الصور باستخدام الشبكات العصبية التلفيفية يمكن أن يكشف - بشكل غير مقصود - عن ظواهر بيولوجية دقيقة، ما يحفز علماء الأحياء على طرح أسئلة، ربما لا تكون قد خطرت ببالهم من قبل، إذ يقول نلسون: "إن أكثر العبارات تشويقًا في مجال العلوم ليست "وَجَدْتُها!"، بل عبارة "هذا غريب. ما الذي يحدث؟"".

ويمكن لمثل هذه الاكتشافات التي تحدث بالصدفة أن تساعد على تقدم بحوث الأمراض، حسب قول ريك هوروِتس، المدير التنفيذي لمعهد آلِن. وإذا استطاع التعلم العميق أن يكشف عن مؤشرات السرطان الدقيقة في الخلية المفردة، كما يقول، فحينئذ يمكنه أن يساعد على تحسين الكيفية التي يصنِّف بها الباحثون تطور السرطان. ويمكن لهذا الأمر بالتالي أن يدفع بافتراضات جديدة حول كيفية انتشار السرطان.

وقد وجّه خبراء آخرون في تعلُّم الآلة - في مجال علم الأحياء - أعينهم نحو آفاق جديدة، حيث تتجه الآن الشبكات العصبية التلفيفية نحو معالجة الصور. يقول ألِكس وُولف، وهو متخصصٌ في علم الأحياء الحاسوبية بمركز البحوث الألماني للصحة البيئية في نويربرج: "التصوير مهم، لكن الكيمياء والبيانات الجزيئية مهمة أيضًا". ويأمل وولف أن يُطَوِّع الشبكات العصبية، بحيث تستطيع أن تحلل التعبير الجيني. ويتابع وُولف بقوله: "أعتقد أنه سوف يكون هناك إنجاز كبير جدًّا في السنوات القليلة المقبلة، سوف يسمح لعلماء الأحياء بتطبيق الشبكات العصبية على نطاق أوسع كثيرًا".