تحقيق إخباري

إكسير للشباب الدائم عن طريق القضاء على الخلايا التي تصارِع الموت

اختبار استراتيجية على البشر ثبتت فعّاليتها في مكافحة تقدُّم العمر في الفئران بالقضاء على الخلايا التي لا تموت من تلقاء نفسها.

ميجان سكويلادري
  • Published online:

ILLUSTRATION BY PAWEŁ JOŃCA

أُصيب جان فان دورسن بالحيرة بسبب الفئران المحوّرة وراثيًّا التي عمل عليها في عام 2000، وبدت عليها أمارات الشيخوخة؛ فبدلًا من أن تصاب تلك الفئران بالأورام، كما هو متوقع، تعرضت لعِلة أكثر غرابةً. فعندما بلغت أعمارها ثلاثة أشهر، بدأ فَرْوها يصير خفيفًا، وبدت عيونها لامعة من المياه البيضاء. واستغرق الأمر من فان دورسن سنوات لمعرفة السر وراء ما حدث؛ فتبيّن له أن الفئران شاخت سريعًا، وامتلأت أجسادها بنوع غريب من الخلايا التي لا تنقسم، لكنها لا تموت1.

أوحى ذلك لفان دورسن وزملائه في مايو كلينيك في روتشستر بولاية مينيسوتا بفكرة؛ وهي: هل يمكن أن يؤدي قتل هذه الخلايا "التي لا تموت" في الفئران إلى إرجاء إصابتها المبكرة بالشيخوخة؟ وكان الجواب هو: نعم. ففي دراسة أُجريت في عام 20112. وتبع هذا الاكتشاف فيض من النتائج المماثلة. ففي السنوات السبع التالية، أكدت عشرات التجارب أن الخلايا الشائخة تتراكم في الأعضاء المتقدمة في العمر، وأن التخلص منها قد يخفف من شدة بعض الأمراض، بل ويقي منها أيضًا (انظر: "إطالة العمر"). وفي الدراسات التي أُجريت في عام 2017 وحده، تبيّن أن إزالة تلك الخلايا من الفئران قد أعادت إليها لياقتها البدنية، وكثافة فرائها، وعمل الكُلَى لديها3. التحسّن في حالة أمراض الرئة4، بل وعلاج تلف الغضروف أيضًا5. وفي دراسة أُجريت في عام 2016، تبيّن أن هذه الإزالة قد أطالت أعمار الفئران التي كانت تتقدم طبيعيًّا في العمر6.

وفي هذا الصدد، تقول جنيفر إليسيف، وهي المؤلفة الرئيسة للورقة البحثية التي تناولت علاج تلف الغضروف، ومهندسة الطب الحيويّ في جامعة جونز هوبكنز في بالتيمور بولاية ميريلاند: "بمجرد إزالة الخلايا الشائخة، يمكنك تحفيز إنتاج أنسجة جديدة"، حيث يُفَعِّل ذلك بعض آليات إصلاح الأنسجة الطبيعية، على حد قولها.

شكّلت هذه الظاهرة المقاوِمة للتقدّم في العمر تطورًا غير متوقع في دراسة الخلايا الشائخة، وهي نوع من الخلايا الشائعة، لا ينقسم، ووصِف لأول مرة منذ أكثر من خمسة عقود. فحين تدخل خلية طور الشيخوخة -وكل الخلايا تقريبًا عرضة لذلك - تتوقف عن إنتاج نسخ من نفسها، وتبدأ في طرد مئات البروتينات، وتنشّط مسارات مكافحة الموت بكامل طاقتها. وتكون الخلية الشائخة في نهاية عمرها؛ بمعنى أنها ليست بالميتة تمامًا، لكنها لا تنقسم كما كانت في ذروة نشاطها.

وتهتم حاليًّا شركات التكنولوجيا الحيوية والصناعات الدوائية باختبار الأدوية - المعروفة باسم مركبات السينوليتيك - التي تقتل الخلايا الشائخة؛ أملًا في الحدّ من آثار تقدُّم العمر، أو - على الأقل - الوقاية منها. فتخطط، على سبيل المثال، شركة «يونيتي بيوتكنولوجي» في سان فرانسيسكو بولاية كاليفورنيا - التي شارك في تأسيسها فان دورسن - لإجراء عدة تجارب إكلينيكية على مدار السنتين المقبلتين ونصف السنة؛ لعلاج المصابين بالفصال العظمي، وأمراض العيون، والرئة. وفي مايو كلينيك، بدأ عالِم الشيخوخة جيمس كيركلاند - الذي شارك في الدراسة التي أُجريت في عام 2011 - في تنفيذ عدد من التجارب الصغيرة الحذرة؛ بغية إثبات جدوى فكرته، عن طريق استعمال مركبات السينوليتيك في علاج مجموعة من الأمراض المرتبطة بالتقدُّم في العمر. وفي هذا الصدد، يقول كيركلاند: "لا أستطيع النوم ليلًا، فقد أثبتت هذه الأدوية فعاليتها على الفئران والجرذان، لكنّ تجربتها على البشر واجهت عقبة كبيرة".

لم يسبق لأي إكسير آخر مضاد للتقدّم في العمر أنْ أزال هذه العقبة. ويرجع ذلك إلى عدة أسباب وجيهة؛ فالحصول على تمويل للتجارب الإكلينيكية التي تستهدف زيادة العمر الصحي أمر أشبه بالمستحيل. ومفهوم التقدّم في العمر - في حد ذاته - غامض. وإدارة الغذاء والدواء الأمريكية لا تصنف التقدّم في العمر كمرض يحتاج إلى علاج.

إذا أثبتت أيّ تجربة - حسبما يقول نيد ديفيد، رئيس شركة «يونيتي بيوتكنولوجي» - أيّ "فعالية ولو بسيطة في البشر"؛ فسيكون ذلك دفعة قوية لتطوير العلاجات، وفهْم عملية التقدّم في العمر الأساسية على نحو أفضل. ويراقب الباحثون الآخرون - الذين يدرسون هذه العملية - ما يحدث عن كثب. ومن جانبه، يقول نير بارزيلاي، مدير معهد بحوث الشيخوخة في كلية ألبرت أينشتاين للطب في مدينة نيويورك، إن أدوية السينوليتيك "جاهزة تمامًا" للتجارب الإكلينيكية. ويضيف: "أعتقد أن أدوية السينوليتيك قد تظهر قريبًا، وتثبت فعاليتها في كبار السن، بل وربما في خلال السنوات القليلة المقبلة.

كبر الصورة

الجانب المظلم

حين صاغ عالِمَا الأحياء المجهرية ليونارد هايفليك، وبول مورهيد مصطلح "senescence"، أي الشيخوخة، في عام 1961، أشارا إلى أنه يعبِّر عن التقدّم في العمر على المستوى الخلويّ، لكنّ البحوث في مجال التقدّم في العمر آنذاك كانت قليلة للغاية، ويتذكر هايفليك وَصْف الناس له بالأحمق، حين أعلن عن فكرته التي لاقت تجاهلًا دام عقودًا.

وعلى الرغم من أن هناك خلايا كثيرة تموت بالفعل من تلقاء نفسها، فإن جميع الخلايا الجسدية (باستثناء الخلايا التناسلية) التي تنقسم معرضة للشيخوخة. ويقول مانويل سيرانو - من معهد أبحاث الطب الحيويّ في برشلونة بإسبانيا، الذي يدرس الشيخوخة منذ أكثر من 25 عامًا - إن تلك الخلايا المتدهورة كانت تثير فضول الباحثين منذ أمد بعيد. ويضيف: "لم نكن متأكدين مما إذا كانت تؤدي دورًا مهمًّا، أم لا". وعلى الرغم من قيام الخلايا الشائخة بالتعطيل الذاتيّ لقدرتها على التناسخ، تظل نشطة على مستوى الأيض، وتستمر غالبًا في أداء الوظائف الخلوية الأساسية.

في منتصف العقد الأول من القرن الواحد والعشرين، كانت تُفسَّر الشيخوخة بوجه عام بأنها وسيلة لإيقاف نمو الخلايا التالفة لتثبيط الأورام. أما الآن، فيواصل الباحثون دراسة كيفية ظهور الشيخوخة في حالة النمو والمرض. ويعرفون أنه عند تعرُّض خلية لطفرة أو إصابة، فإنها تتوقف غالبًا عن الانقسام؛ لتجنب نقل هذا الضرر إلى الخلايا المجاورة. وظهرت الخلايا الشائخة أيضًا في المشيمة والجنين، حيث يبدو أنها توجّه تكوينَ بِنى مؤقتة، قبل أن تتخلص منها خلايا أخرى.

لم يمر وقت طويل، حتى اكتشف الباحثون ما أطلقت عليه باحثة الأحياء الجزيئية جوديثكامبيسي "الجانب المظلم" من الشيخوخة. ففي عام 2008، كشفت ثلاث مجموعات بحثية، منها مجموعة كامبيسي من معهد باك لبحوث الشيخوخة في نوفاتو بولاية كاليفورنيا، أن الخلايا الشائخة تفرز كمًّا كبيرًا من الجزيئات - بما في ذلك السيتوكينات، وعوامل النمو، والبروتيازات - التي تؤثر على عمل الخلايا المجاوِرة، وتُحدِث التهابًا موضعيًّا9،8،7.وقد وصفت مجموعة كامبيسي هذا النشاط بأنه النمط الظاهريّ الإفرازيّ المرتبط بالشيخوخة في الخلايا (SASP7). وفي ورقة بحثية حديثة لم تُنشَر، حدد فريق كامبيسي مئات البروتينات المشارِكة في هذا النمط.

يقول سيرانو إن هذه الإفرازات في النسيج الشاب السليم تسهم - على الأرجح - في عملية تعافٍ، تُحفِّز من خلالها الخلايا المتضررة الإصلاح في الأنسجة المجاورة، وتُرسِل إشارة استغاثة، تحثّ فيها الجهاز المناعيّ على التخلص منها. وفي مرحلة ما، تبدأ الخلايا الشائخة في التراكم. وهي عملية مرتبطة بمشكلات معينة، مثل الفصال العظمي، والتهاب المفاصل المزمن، والتصلب العصيدي، وتصلب الشرايين. وما مِن أحد على يقين من توقيت حدوث ذلك، أو سببه. وقد رأى البعض أن الجهاز المناعيّ، مع مرور الوقت، يتوقف عن الاستجابة للخلايا.

المثير للدهشة أن الخلايا الشائخة تختلف قليلًا في كل نسيج، فتفرز سيتوكينات مختلفة، وتُعبِّر عن بروتينات مختلفة خارج الخلية، وتتبع أساليب مختلفة لتجنب الموت. وقد صعّب هذا التنوع الهائل على المختبرات اكتشاف الخلايا الشائخة ورؤيتها. وتقول كامبيسي: "ما من شيء مؤكد على الإطلاق بشأن الخلايا الشائخة".

في الواقع، حتى السمة المميزة للخلية الشائخة - وهي أنها لا تنقسم - ليست مؤكدة. تقول هايلي ماكديد، أخصائية علم الأدوية في كلية ألبرت أينشتاين للطب، إنه بعد العلاج الكيميائيّ، على سبيل المثال، تستغرق الخلايا ما يصل إلى أسبوعين حتى تشيخ، قبل أن تعود فيما بعد إلى حالتها السرطانية الانتشارية. ودعمًا لهذه الفكرة، توصّل فريق كبير من الباحثين في عام 2017 إلى أن التخلص من الخلايا الشائخة مباشرةً بعد العلاج الكيميائيّ، في فئران التجارب المصابة بسرطان الجلد والثدي، يسهم في الحد من انتشار السرطان10.

إنّ عدم وجود سمات عامة للخلايا الشائخة يجعل العثور عليها أمرًا صعبًا. ويقول فان دورسن إن الباحثين يضطرون إلى استخدام مجموعة كبيرة من الواسمات؛ للبحث عن الخلايا الشائخة في الأنسجة، ما يجعل العمل شاقًّا ومكلفًا. ووجود وَاسِم عام للشيخوخة سيسهل الأمر كثيرًا، لكن الباحثين لم يتوصلوا إلى أي بروتين معين لتسميته، أو عملية معينة لتحديدها. وتقول كامبيسي: "أراهن بقوة على أننا لن نعثر أبدًا على واسم خاص بالخلايا الشائخة".

غير أنه، في عام 2017، طوّرت إحدى المجموعات البحثية وسيلة لعدّ هذه الخلايا في النسيج، فصبغ فاليري كريزشنوفسكي وزملاؤه - في معهد وايزمان للعلوم في رحوفوت بإسرائيل – الأنسجة؛ للوصول إلى الواسمات الجزيئية للشيخوخة، وصوّروها؛ لتحليل عدد الخلايا الشائخة في الأورام والأنسجة المتقدمة في العمر لدى الفئران11. يقول كريزشنوفسكي: "كان عدد الخلايا أكبر مما كنت أظن فعليًّا". ففي الفئران الشابة، كان عدد الخلايا الشائخة في أي عضو من أعضائها لا يزيد على 1٪ من الخلايا. أما الفئران التي يبلغ عمرها عامين، فكانت نسبة الخلايا الشائخة فيها تصل إلى 20٪ في بعض الأعضاء.

وثمة جانب مشرق بشأن هذه الخلايا المتدهورة المحيّرة؛ فقد يكون من الصعب العثور عليها، لكنْ من السهل التخلص منها.

القضاء على الشيخوخة

في نوفمبر 2011، وبينما كان ديفيد على متن طائرة في رحلة مدتها ثلاث ساعات، قرأ بحث فان دورسن وكيركلاند عن القضاء على الخلايا التي لا تموت، الذي كان قد نُشِر لتوه. وأعاد قراءته مرة ثانية، وثالثة. ووصف فكرة البحث بأنها "بسيطة ورائعة للغاية، كما لو كانت مقطوعة شعرية". وفور هبوط الطائرة، تواصل ديفيد - وهو رائد أعمال متعددة في مجال التكنولوجيا الحيوية - مع فان دورسن. وفي خلال 72 ساعة، أقنعه بمقابلته لبحث تأسيس شركة لمكافحة الشيخوخة.

حاول كيركلاند في البداية - بالاشتراك مع باحثين معاونين في معهد سانفورد بورنهام للبحوث الطبية في لاهويا بولاية كاليفورنيا - إجراء مسح عالي الإنتاجية؛ للإسراع من التوصّل إلى مركّب يقتل الخلايا الشائخة، لكنْ تبيّن لهم أن معرفة ما إذا كان الدواء يؤثر على الخلايا الانقسامية، أم غير الانقسامية "مهمة شاقة للغاية"، على حد قول كيركلاند. وبعد عدة محاولات فاشلة، سلك كيركلاند مسارًا آخر.

تَعتمِد الخلايا الشائخة على آليات وقائية؛ للبقاء على حالتها "غير الميتة". ولذا، بدأ كيركلاند - بالتعاون مع لورا نيديرنهوفر وآخرين من معهد سكريبس للأبحاث في جوبيتر بولاية فلوريدا - في البحث عن تلك الآليات؛ فحددوا ستة مسارات للتأشير تمنع موت الخلية، وهي المسارات التي تُنشِّطها الخلايا الشائخة؛ للبقاء على قيد الحياة13،12.

وبذلك، لم يتبق سوى العثور على المركّبات التي من شأنها عرقلة هذه المسارات. وفي أوائل عام 2015، توصّل الفريق إلى أولى مركبات السينوليتيك، التي تمثّلت في دواء للعلاج الكيميائيّ، معتمَد من إدارة الغذاء والدواء الأمريكية، اسمه "داساتينيب"، يقضي على الخلايا السلفية الدهنية البشرية التي تحولت إلى خلايا شائخة، ومكمل غذائيّ صحي مشتق من النباتات، اسمه "كيرسيتين"، يستهدف الخلايا البِطانية البشرية الشائخة مع أنواع أخرى من الخلايا. تخفف توليفة هذين الدواءين، اللذين يعملان معًا على نحو أفضل من عمل كل منهما منفردًا، العديد من الاضطرابات المرتبطة بالتقدّم في العمر لدى الفئران14.

بعد ذلك بعشرة شهور، توصّل داوهونج تشو في جامعة أركنساس للعلوم الطبية في ليتل روك وزملاؤه إلى مركّب  يُعرَف الآن باسم يساعدان عادةً الخلايا من أجل البقاء على قيد الحياة15. وتوصّل مختبر كيركلاند16، ومختبر كريزشنوفسكي17 إلى نتائج مماثلة في غضون أسابيع.

تصف المؤلَّفات المنشورة حتى الآنمركّب سينوليتيك، بما في ذلك الجزيئات الصغيرة، والأجسام المضادة. وفي مارس من عام 2017، أُضيف إلى هذه القائمة ببتيد ينشّط مسارًا لموت الخلية، ويمكنه استعادة الشعر اللامع واللياقة البدنية في الفئران المتقدمة في العمر3.

"أعتقد أن مركبات السينوليتيك قد تظهر قريبًا، وتثبت فعاليتها في كبار السن في الوقت الحالي، بل وربما في خلال السنوات القليلة المقبلة."

وحتى هذه اللحظة، يقتل كل مركّب من مركبات السينوليتيك نوعًا معينًا من الخلايا الشائخة. ولذا، فإن استهداف أمراض مختلفة من أمراض الشيخوخة سيتطلب أنواعًا متعددة من السينوليتيك. وفي هذا الصدد، تقول نيديرنهوفر: "إنّ ما سيصعِّب الأمر هو أن كل خلية شائخة قد تسلك طريقًا مختلفًا في حماية نفسها. ولذلك، سيتعين علينا إيجاد توليفات من الأدوية، تخلِّصنا منها كلها". وتحتفظ شركة «يونيتي بيوتكنولوجي» بأطلس ضخم يوثّق الخلايا الشائخة المرتبطة بكل مرض، وأي نقاط ضعف خاصة بأنواع معينة من الخلايا، وكيفية استغلال هذه العيوب، والكيمياء المطلوبة لتصنيع الدواء المناسب لنسيج معين. وعليه، ما مِن شكّ في أننا سنحتاج إلى أنواع مختلفة من الأدوية لدواعي الاستعمال المختلفة، حسبما يقول ديفيد، الذي يضيف: "في عالَم مثالي، لا نكون بحاجة إلى ذلك، ولكن – بكل أسف - لم يدرك علم الأحياء ذلك بعد".

ورغم كل التحديات، تحظى مركبات السينوليتيك بعدة صفات جذابة. ويستلزم الأمر على الأرجح التخلص من الخلايا الشائخة بانتظام، أي على سبيل المثال، مرة واحدة في العام؛ للوقاية من الأمراض، أو تأخير الإصابة بها. ولذلك، فإن الدواء يعمل لفترة قصيرة فقط. وقد يقلل هذا النهج القائم على مفهوم "إصابة الهدف، والفرار" من فرص الآثار الجانبية، ويتيح للناس تناول تلك الأدوية في أثناء تمتعهم بصحة جيدة. وتخطِّط شركة «يونيتي بيوتكنولوجي» لحقن هذه المركّبات مباشرةً في الأنسجة المريضة، مثل مفصل الركبة في حالة الفصال العظمي، أو الجزء الخلفي من العين لدى مَن يعاني من الضمور البقعيّ المرتبط بالتقدّم في العمر.

على عكس السرطان، الذي يمكن لخلية واحدة متبقية منه تكوين ورم جديد، ما مِن حاجة إلى قتل جميع الخلايا الشائخة في النسيج؛ إذ تشير الدراسات التي أُجريت على الفئران إلى أن التخلص من معظم هذه الخلايا يكفي لإحداث فارق. وأخيرًا، لن تقضي مركبات السينوليتيك إلا على الخلايا الشائخة الموجودة بالفعل؛ فلن تمنع تكوُّن مثل هذه الخلايا في المستقبل، ما يعني أن الشيخوخة يمكن أن تواصل أداء دورها الأصلي في تثبيط الأورام في الجسم.

لم تقنع هذه المزايا الجميع بجدوى مركبات السينوليتيك؛ فبعد حوالي 60 عامًا من اكتشاف هايفليك للشيخوخة، يعتقد هو نفسه الآن أن التقدّم في العمر عملية فيزيائية حيوية حتمية، لا يمكن تغييرها عن طريق القضاء على الخلايا الشائخة. ويقول: "لقد بُذِلت جهود للتدخل في عملية التقدّم في العمر منذ فجر التاريخ البشري المدوَّن، ونحن لا نعرف على الإطلاق أي شيء نجح في ذلك".

هذا، لكنّ أنصار  لم يكتفِ مختبر فان دورسن بتجاربه على الفئران المعمرة فحسب، وإنما أثبت أيضًا أن القضاء على الخلايا الشائخة في الفئران الهرمة أَخَّر تدهور الأعضاء المرتبط بالتقدّم في العمر6من متوسط عمر الحيوانات بحوالي 25٪.

لقد جَذَبَت بالفعل النتائجُ الناجحة للدراسات على الفئران سبع أو ثماني شركات لخوض هذا المجال، حسب تقديرات كيركلاند. ففي مايو كلينيك، بدأت تجربة إكلينيكية جمعت بين عقارَي "داساتينيب"، و"كيرسيتين" لعلاج مرض الكلى المزمن. ويعتزم كيركلاند تجربة أنواع "سينوليتيك"أخرى في معالجة أمراض مختلفة مرتبطة بتقدّم العمر، ويقول: "نريد استخدام أكثر من مجموعة من المركبات في التجارب ودراسة أكثر من حالة".

يقول ديفيد إنه إذا كان القضاء على الخلايا الشائخة في البشر يحسِّن الأمراض المرتبطة بتقدّم العمر، فإن الباحثين سيستهدفون ابتكار علاجات أوسع نطاقًا؛ لمكافحة هذا التقدّم. في الوقت نفسه، يصر الباحثون في المجال على ضرورة عدم تناول أحد لهذه الأدوية، إلى حين اكتمال اختبارات سلامتها على البشر كما ينبغي. ففي القوارض، ثبت أن مركّبات  أَخَّرَت التئام الجروح، وقد تكون لها آثار جانبية أخرى. ويصف كيركلاند الأمر بأنه "خطير للغاية".

يقول فان دورسن إن مواصلة الإجابة على الأسئلة البيولوجية الأساسية هو أفضل فرصة لبلوغ النجاح في هذا المجال، مضيفًا: "حينها فقط سنتمكن من فَهْم ماهية الشيخوخة، وكيف يمكننا التأثير عليها بطريقة ذكية".

References

  1. Baker, D. J. et al. Nature Cell Biol. 10, 825–836 (2008). | article
  2. Baker, D. J. et al. Nature 479, 232–236 (2011). | article
  3. Baar, M. P. et al. Cell 169, 132–147 (2017). | article
  4. Schafer, M. J. et al. 8, 14532 (2017). | article
  5. Jeon, O. H. et al. Nature Med. 23, 775–781 (2017). | article
  6. Baker, D. J. et al. Nature 530, 184–189 (2016). | article
  7. Coppé, J.-P. et al. PLoS Biol. 6, e301 (2008). | article
  8. Kuilman, T. et al. Cell 133, 1019–1031 (2008). | article
  9. Acosta, J. C. et al. Cell 133, 1006–1018 (2008). | article
  10. Demaria, M. et al. Cancer Discov. 7, 165–176 (2017). | article
  11. Biran, A. et al. Aging Cell 16, 661–671 (2017). | article
  12. Zhu, Y. et al. Aging Cell 14, 644–658 (2015). | article
  13. Fuhrmann-Stroissnigg, H. et al. Nature Commun. 8, 422 (2017). | article
  14. Kirkland, J. L. & Tchkonia, T. EBioMedicine 21, 21–28 (2017) | article
  15. Chang, J. et al. Nature Med. 22, 78–83 (2016). | article
  16. Zhu, Y. et al. Aging Cell 15, 428–435 (2016). | article
  17. .Yosef, R. et al. Nature Commun. 7, 11190 (2016) | article

ميجان سكوديلاري صحفية متخصصة في العلوم، تقيم في بوسطن بولاية ماساتشوستس الأمريكية.