أنباء وآراء

فيزياء الجسيمات: قياس الشحنة الضعيفة للبروتون

تُحدد شحنة البروتون الضعيفة قوة تفاعلات معينة بين البروتونات والجسيمات الأخرى. إن التحديد الدقيق لتلك الكمية يُعد اختبارًا صارمًا للنموذج القياسي لفيزياء الجسيمات. 

زياوتشاو تشنج
  • Published online:

إن الجسيمات دون الذرية تتفاعل من خلال أربع قوى أساسية. ومع ذلك.. فإن اثنتين فقط من هذه القوى لهما تأثير على المقياس العياني.. فالجاذبية تُبقِينا على ظهر الأرض، والكهرومغناطيسية تُسبِّب البرق في الأيام العاصفة، ولكننا لا نتأثر مباشرًة بالقوتين الأخريين.. الضعيفة، والقوية. وبالمثل، فمن المعروف عمومًا أن الكتلة تُعتبر سببًا جذريًّا لتفاعلات الجاذبية، وأن الشحنات الكهربائية والعزوم المغناطيسية هي محور الكهرومغناطيسية. إلا أن الخصائص الفيزيائية التي تصف قوة التفاعلات الضعيفة والقوية، والتي تُعرف بالشحنات الضعيفة واللونية، على التوالي، ليست مألوفة بالقدر ذاته. وفي بحث نشر في دورية Nature  في مايو 2018، أعلنت مجموعة التعاون Qweak التابعة لمختبر جيفرسون1 عن أول عملية قياس عالية الدقة للشحنة الضعيفة للبروتون، وهو ما يضع قيودًا محكمة على الظواهر الفيزيائية التي لا يمكن وصفها من خلال النظريات الحالية.

إنّ القوة النووية القوية هائلة إلى الحد الذي يجعل الجُسيمات التي تتأثر من خلالها، والمعروفة بالكواركات والجلوونات، مترابطة بإحكام مع بعضها البعض، وموجودة فقط على هيئة أجسام مُركّبة، مثل البروتونات، والنيوترونات. وعلى النقيض من ذلك.. نجد القوة النووية الضعيفة واهنة للغاية إلى الحد الذي يجعل تفاعلاتها محجوبة بشكل شبه كامل بالتفاعلات الكهرومغناطيسية. ولذلك.. قد يتساءل المرء: كيف يُمكن قياس الشحنة الضعيفة لأحد الجسيمات، إذا كانت هذه الشحنة ضئيلة بالقدر الذي يلمح إليه اسمها؟ من حسن الحظ أن الطبيعة توفر مقياسًا مناسبًا، يرتبط بمبدأ يُعرف بتماثل التكافؤ Parity Symmetry.   

يمكننا القول إن عمليةً ما يمكن أن تحافظ على مبدأ تماثل التكافؤ، إذا كانت تحدث بالاحتمال نفسه لحدوث صورتها المطابقة لها، كانعكاس في مرآة. من السهل أن نلاحظ أن مبدأ تماثُل التكافؤ يتم خرقه في العالم العياني، لا سيما في النظم البيولوجية. فعلى سبيل المثال.. أغلب البشر أيامن (أي يعتمدون أكثر على اليد اليمنى)، فلو كان مبدأ تماثل التكافؤ محفوظًا بالنسبة إلى استخدام الأيدي عند البشر؛ لكان نصف البشر من الأيامن، ونصفهم الآخر من العُسْر.   

إن الجسيمات أيضًا لها خاصية تشبه الاعتماد على الأيادي، حيث إن الجسيم الأيمن يدور في الاتجاه الذي تُحدده لفة أصابعك الأربع عندما تُشير بإبهامك الأيمن إلى اتجاه سرعة الجسيم. وعلى العكس من ذلك.. يكون الجسيم أعسر، إذا استلزم الأمر أن تَستخدِم يدك اليسرى، لتربط بين اتجاهي دورانه وسرعته. ومن اللافت للنظر أن كل الجسيمات دون الذَّرّية تنتهك مبدأ تماثل التكافؤ عندما تتفاعل مع بعضها البعض، من خلال القوة الضعيفة. وبالتالي، يمكن تحديد الشحنات الضعيفة، عن طريق مقارنة سلوك النُّسخ اليمنى والعسراء للجسيمات.

ولاستخراج الشحنة الضعيفة للبروتون، قامت مجموعة التعاون Qweak بإطلاق حِزَم من الإلكترونات التي لديها خاصية يدوية معينة باتجاه هدف بروتوني، وقاموا بقياس عدم التماثل الذي يصف الاختلاف في احتمال تشتت الإلكترونات اليمنى والعسراء من على البروتون (شكل 1). وجد المؤلفون عدم تماثل مقداره –226.5 ± 9.3 جزء من المليار، حيث إن علامة السالب تشير إلى أن الإلكترونات العسراء أكثر ترجيحًا أنْ تتشتت من الإلكترونات اليُمنى. ولاستيعاب مقدار عدم التماثل المذكور، فلنتخيل أنه إذا انتُهك مبدأ تماثل التكافؤ بالنسبة إلى ارتفاع الجبال، فإن جبل إيفرست وتوأمه المعكوس كصورة في مرآة سيكونان مختلفَين في الارتفاع بمقدار ملِّيمترين فقط، وكان من الممكن قياس هذا الفرق بدقة تعادل ±80 مايكرومتر.

شكل 1 | انتهاك التكافؤ في التشتت الإلكتروني البروتوني.شكل 1 | انتهاك التكافؤ في التشتت الإلكتروني البروتوني.

الإلكترونات يمكنها أن تكون إما عسراء، أو يُمنى، اعتمادًا على الاتجاه الذي تدور فيه (الأسهم الحمراء) بالنسبة إلى حركتها (الأسهم السوداء). لقد أظهرت مجموعة التعاون Qweak التابعة لمختبر جيفرسون1 أن الإلكترونات العسراء لديها احتمال أعلى بشكل طفيف لأنْ تتشتت من على هدف بروتوني، وذلك مقارنةً بالإلكترونات اليُمنى. وهذه النتيجة تنتهك مبدأً يُعرف باسم تماثل التكافؤ Parity Symmetry، وذلك لأن عمليتي التشتت هما صورتان لبعضهما البعض كانعكاس في مرآة. وقد استخدم المؤلفون عدم التماثل المُقاس لتحديد قيمة كمية فيزيائية أساسية تُعرَف بالشحنة الضعيفة للبروتون، وذلك بمستوى غير مسبوق من الدقة.

الإلكترونات يمكنها أن تكون إما عسراء، أو يُمنى، اعتمادًا على الاتجاه الذي تدور فيه (الأسهم الحمراء) بالنسبة إلى حركتها (الأسهم السوداء). لقد أظهرت مجموعة التعاون Qweak التابعة لمختبر جيفرسون1 أن الإلكترونات العسراء لديها احتمال أعلى بشكل طفيف لأنْ تتشتت من على هدف بروتوني، وذلك مقارنةً بالإلكترونات اليُمنى. وهذه النتيجة تنتهك مبدأً يُعرف باسم تماثل التكافؤ Parity Symmetry، وذلك لأن عمليتي التشتت هما صورتان لبعضهما البعض كانعكاس في مرآة. وقد استخدم المؤلفون عدم التماثل المُقاس لتحديد قيمة كمية فيزيائية أساسية تُعرَف بالشحنة الضعيفة للبروتون، وذلك بمستوى غير مسبوق من الدقة. 

كبر الصورة

إنّ النتائج التي حصل عليها المؤلفون تتميز بدقة أعلى من كل التجارب السابقة التي درست انتهاك مبدأ التكافؤ عن طريق تشتيت الإلكترونات من على هدف نووي. لقد تضمنت التجربة E158، التي أُجريت في المختبر الوطني للمسرعات "SLAC" في مينلو بارك بكاليفورنيا، مستوًى مماثلًا من حيث الدقة، ولكنها أجريت لقياس الشحنة الضعيفة للإلكترون، وليس البروتون2. وقد قامت مجموعة التعاون Qweak باستخدام عدم التماثل المُقاس للوصول إلى أن شحنة البروتون مقدارها 0.0719 ± 0.0045، وهذا يتفق بامتياز مع القيمة المُتنبأ بها بواسطة النموذج القياسي لفيزياء الجُسيمات3. وعلى سبيل المُقارنة، ووفقًا للمنهجية التي قام المؤلفون باستخدامها، فإن الشحنة الكهربية للبروتون هى +1.

وقد يتساءل المرء: لماذا يرغب الفيزيائيون في قياس الشحنة الضعيفة للبروتون بتلك الدقة العالية؟ الإجابة المختصرة هى: لاختبار حدود معرفتنا. بشكل أساسي، يسعى الفيزيائيون لاكتشاف ما إذا كانت النظريات الحالية تفشل في تفسير بيانات الرصد، أم لا، وعند أي مقياس طول يحدث هذا. إنّ هذا الفشل قد يدل على وجود قوة أساسية خامسة، أي نوع من التفاعل لم يُكشف عنه مسبقًا، ويلعب دورًا عند مستويات للطاقة أعلى مما تم استكشافه حتى الآن.  

إنّ القياس الذي ذكرته مجموعة التعاون Qweak يبين أن مثل هذه التفاعلات - إنْ وُجدت - سوف تكشف عن نفسها عند مستويات لطاقة الجسيمات، تتجاوز عدة وحدات تيرا إلكترون فولت (1 تيرا إلكترون فولت يساوي 1210 إلكترون فولت). ولأغراض المقارنة، فإن الطاقة التي يتم إطلاقها في مفاعلات الانشطار النووي، حيث تنقسم النواة إلى شظيتين أو أكثر، تصل إلى مستوى 610 إلكترون فولت لكل جسيم. إنّ الحد الأدنى الخاص بالمؤلفين لمقياس الطاقة للفيزياء الجديدة يُقارب - وأيضًا يُكَمِّل - الحد الأدنى الذي تم وضعه بواسطة تجارب أُجريت في مصادم الهدرونات الكبير بالمنظمة الأوروبية للأبحاث النووية "سيرن" CERN، وهو مختبر أوروبا لفيزياء الجسيمات الواقع بالقرب من جنيف في سويسرا4،5. إنّ هذا أمر مهم بالنظر إلى أن طاقة حِزَم الإلكترونات الخاصة بالمؤلفين أقل بآلاف المرات من طاقة حِزَم البروتونات الخاصة بمصادم الهدرونات الكبير.  

قبل أكثر من قرن، تم إثبات أن الشحنة الكهربية توجد على هيئة قِطَع غير مترابطة6، وهو ما وفر جسرًا بين الكهرومغناطيسية الكلاسيكية، وميكانيكا الكَمّ الحديثة. وعن طريق قياس الكميات (بدءًا من الثوابت الفيزيائية، حتى خواص الجسيمات، مثل شحنة البروتون الضعيفة)، بدقة متزايدة، يمكن اكتشاف تفاعلات وجسيمات جديدة، الأمر الذي يتطلب مراجعة للنظريات الحالية. إنّ تلك المساعي النبيلة لا يمكن لها أن تستمر، إلا إذا تم إجراء البحوث من خلال مجموعات عمل متعددة، وعبر عدة أجيال، وليس مجموعات عمل منفردة تعمل في ظروف منعزلة. في يومٍ ما، قد تؤدي المعرفة المكتسَبة إلى اكتشافٍ غير مسبوق. وفي الوقت نفسه، نلحظ أنّ شيئًا مثل هذا سوف يجعل عالمنا مكانًا أفضل، من خلال التوصل إلى فهْم أعمق للقوانين الفيزيائية الخاصة بالطبيعة. 

References

  1. The Jefferson Lab Qweak Collaboration. Nature557, 207–211 (2018). | article
  2. SLAC E158 Collaboration. Phys. Rev. Lett.95, 081601 (2005). | article
  3. Patrignani, C. etal. (Particle Data Group). Chin. Phys. C40, 100001 (2016). | article
  4. ATLAS Collaboration. Eur. Phys. J. C74, 3134 (2014). | article
  5. CMS Collaboration. Phys. Lett. B746, 79–99 (2015). | article
  6. Millikan, R. A. Phys. Rev.2, 109–143 (1913). | article

يعمل زياوتشاو تشنج في قسم الفيزياء بجامعة فيرجينيا في تشارلوتسفيل، فيرجينيا 22904، الولايات المتحدة.

البريد الإلكتروني: xz5y@virginia.edu