أخبار

خريطة لمليار نجم على وشك أن تغيِّر علم الفلك

بعثة "جايا" الأوروبية تُصدِر أكثر الخرائط ثلاثية الأبعاد تفصيلًا حتى الآن لدرب التبانة.

دافيديه كاستيلفيكي
  • Published online:
وضعت بعثة "جايا" خريطة غير مسبوقة الدقة لمجرة درب التبانة.

وضعت بعثة "جايا" خريطة غير مسبوقة الدقة لمجرة درب التبانة.

 ESA/Gaia/DPAC

بعد انتظار دام طويلًا، أصبح لدى علماء الفلك حول العالم فيض من المعلومات الجديدة ليستكشفوها. ففي 25 إبريل من هذا العام، نشرت بعثة "جايا" - التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية - أولى خرائطها ثلاثية الأبعاد لدرب التبانة بشكل كامل.

تشمل البيانات المُتحصَّل عليها مواقع ما يقرب من 1.7 مليار نجم، إلى جانب المسافات، والألوان، والسرعات، واتجاهات الحركة الخاصة بحوالي 1.3 مليار من هذه النجوم. وتُكوِّن هذه البيانات مجتمعة بثًّا مباشرًا غير مسبوق للسماء، يغطي مساحة أكبر ألف مرة مما التقطته أيّ عملية مسح سابقة (انظر: "كنز جايا"). وتقول ميجان بيدل، التي تعمل في مركز الفيزياء الفلكية الحاسوبية في مدينة نيويورك، وتُعَد واحدة من بين العديد من علماء الفلك الذين يُجْرُون بالفعل دراسات قائمة على مجموعة البيانات المُشار إليها: "في رأيي المهني، الأمر رائع إلى حدّ الجنون". أما أنتوني براون، عالِم الفلك بمرصد لايدن في هولندا، الذي يرأس تعاون "جايا" لمعالجة البيانات، فيقول: "لدينا فضول شديد لرؤية ما سيفعله المجتمع الفلكي بهذه البيانات".

وفي فاعلية أُقيمت بالجمعية الفلكية الملكية في لندن؛ لتقديم فهرس "جايا"، عَرَض عالِم الفلك جيري جيلمور - من جامعة كامبريدج بالمملكة المتحدة - فيديو مدهشًا مُستخلَصًا من بيانات "جايا"؛ لمحاكاة الحركة المستقبلية لملايين النجوم. وقال: "كل شيء يتحرك".

كبر الصورة

كبر الصورة

Picture: S. Brunier/ESO; Graphic source: ESA

انطلقت مركبة "جايا" الفضائية - البالغ وزنها طِنّان، وهي جزء من بعثة بقيمة مليار يورو (1.2 مليار دولار أمريكي) - في أواخر عام 2013، وبدأت في جمع البيانات العلمية في يوليو 2014. تدور "جايا" في مدار مستقر، يبقى ثابتًا بالنسبة إلى كلٍّ من الشمس، والأرض، وتقوم بقياسات متكررة؛ لتقدير المسافات إلى النجوم، والأجرام السماوية الأخرى، باستخدام تقنية تُسمَّى "اختلاف المنظر" Parallax .

وإلى جانب قاعدة بيانات، يبلغ حجمها 551 جيجابايت، أصدر فريق "جايا" أيضًا عددًا من الأوراق العلمية. وكان الهدف من هذه الأوراق هو وصف اختبارات الجودة التي أجراها الباحثون على البيانات، وشرح كيفية استخدام هذه البيانات؛ فتمثّلت سياسة البعثة في إتاحة الفهرس فورًا للمجتمع الفلكي، بدلًا من قَصره على الدراسات العلمية الخاصة بفريق البعثة أولًا.

تصف أوراق "جايا" العلمية كذلك ثروة من النتائج المميزة، حسب قول فلور فان لوين، وهو عالِم آخر من كبار علماء "جايا" بكامبريدج، في المؤتمر الصحفي. فأوضح فان لوين - على سبيل المثال - كيفية إثبات "جايا" للمرة الأولى أن بعض التجمعات النجمية تتضخم في الوقت الذي تنحسر فيه نجوم كبيرة نحو مراكزها. ويضيف قائلًا: "لم يكن من المسموح لنا القيام باكتشافات، لكنْ لم يكن بوسعنا تجنُّبها".

ولإحدى هذه النتائج آثار تتجاوز بكثير درب التبانة. فبعض علماء الفلك متشوقون لرؤية قياسات "جايا" لأنواع محددة من النجوم المتغيرة التي تُستخدَم كما يُعرَف باسم "الشموع المعيارية" في علم الكَوْن. ومعرفة المسافات الدقيقة إلى هذه النجوم في درب التبانة تجعلها مفيدة كمعايير لقياس المسافات إلى مجرّات أبعد بكثير جدًّا. وعلى وجه التحديد، يَستخدِم علماء الفلك الشموع المعيارية؛ لتقدير سرعة تمدد الكون، إلا أنه في الأعوام الأخيرة، أصبحت القياسات القائمة على هذه التقنية متناقضة بوضوح مع التنبؤات المُجْرَاة باستخدام خرائط إشعاع الخلفية الكونية الميكروي، وهو التوهج اللاحق للانفجار العظيم. وعند إلقاء نظرة أولية على البيانات، يتضح أن "جايا" قد حَسّنت دقة قياسات الشموع المعيارية، حسبما قال جيلمور في المؤتمر الصحفي، لكنه أضاف أنه: "في ظاهر الأمر، لا يزال هناك قلق".

ظهرت العشرات من الأبحاث التي لم تُنشَر بعد في الأيام اللاحقة لذلك المؤتمر الصحفي؛ إذ قامت فِرق حول العالم بتحميل بيانات "جايا"، وإخضاعها لخوارزميات تم ضبطها لسنوات في إطار التحضير. فعلى سبيل المثال.. أصبح الباحثون الآن قادرين على اختبار نماذج توضِّح كيفية تكوُّن درب التبانة، عن طريق اندماج مجرات أصغر، وقياس توزيع المادة المظلمة.

أصدرت "جايا" فهرسًا أوليًّا في عام 2016، إلا أنها في ذلك الوقت لم تكن قد جمعت بيانات كافية لتقيس بشكل مباشر المسافات إلى العديد من النجوم. وستحتوي إصدارات البيانات القادمة على المزيد من المعلومات، وستتيح إجراء أنواع جديدة تمامًا من الدراسات. وسوف يكون الإصدار القادم في عام 2020. هذا.. ويراقب المسبار أيضًا الكويكبات، ويساعد العلماء على تتبع الأجرام التي تبدو في مسار تصادمي مع الأرض.

إنّ مركبة "جايا" لديها ما يكفيها من الوقود؛ لتستمر في العمل حتى عام 2024، إذا لم يتعطل فيها شيء، ومَدَّت وكالة الفضاء الأوروبية مُدّة البعثة لما بعد تاريخ انتهائها الحالي، المقرر خلال عام 2019، حسب قول تيمو بروستي، العالِم في المشروع، ويعمل كذلك في مركز أبحاث وتكنولوجيا الفضاء، التابع للوكالة في نوردفايك بهولندا. ويضيف بروستي قائلًا إنّ المسبار في حالة جيدة بوجه عام.