أخبار

مسبار يستكشف لغز الميثان في المريخ

يهدف متتبّع أثر الغازات المداري الأوروبي الروسي إلى العثور على مصدر للغاز على الكوكب الأحمر، وهو بمثابة علامة على وجود حياة.

نيشا جيند
  • Published online:
متتبِّع الغازات النزرة المداري في غرفة نظيفة، قبل إطلاقه في عام 2016.

متتبِّع الغازات النزرة المداري في غرفة نظيفة، قبل إطلاقه في عام 2016.

Thales Alenia Space/ESA

على مدار أكثر من عام، ظلت مركبة تزن 3.5 طن تدور حول المريخ في سلسلة من الحلقات غير المنتظمة. والآن، بعد ألف دورة، وصل متتبّع الغازات النزرة المداري (TGO) هذا إلى الموقع المثالي لدراسة الغلاف الجوي للكوكب، ورصد أولى ملاحظاته العلمية. فهو على وشك حل أحد أكثر الألغاز المثيرة للجدل في علم دراسة المريخ، وهو: لماذا يتم إطلاق الميثان - وهو دليل محتمَل على وجود حياة - على سطح الكوكب الأحمر؟

يُعَد TGO جزءًا من بعثة "إكسو مارس" ExoMars، وهي مشروع مشترك بين وكالة الفضاء الأوروبية (ESA)، ووكالة الفضاء الروسية "روس كوزموس" Roscosmos. ويُعتبر هذا المتتبع المداري، الذي تم إطلاقه في مارس من عام 2016، ووصل إلى الكوكب في شهر أكتوبر من ذلك العام، أول مركبة مصممة لدراسة الغازات - ومنها الميثان، وبخار الماء، والأوزون - التي تشكل أقل من 1% من الغلاف الجوي الجاف والبارد للكوكب. وصل TGO إلى مداره الدائري المخطَّط له في وقت مبكر من شهر إبريل الماضي، وقد خضع لسلسلة من الاختبارات الهندسية، قبل أن يبدأ في أخذ البيانات العلمية يوم 21 إبريل.

يتشكل الغلاف الجوي لكوكب المريخ - بشكل شبه كامل - من ثاني أكسيد الكربون، لكن الباحثين مهتمين بمكوناته الأخرى، خاصةً الميثان. وقد تكون الغازات النزرة تلك بمثابة مؤشرات للنشاط البيولوجي، أو الجيولوجي، وتقدم مؤشرات للتاريخ المناخي للكوكب.

على مدار 15 عامًا، ظل العلماء يجمعون المؤشرات لوجود الميثان في الغلاف الجوي لكوكب المريخ باستخدام تليسكوبات أرضية، ومتتبعات مدارية للمريخ، والمركبة المتجوّلة "كيوريوسيتي" Curiosity، الخاصة بوكالة ناسا. وبتراكم الدلائل على وجود الغاز، احتدم الجدل حول مَنشأه. يقول سوشيل أتريا، وهو عالم متخصص في علم الكواكب بجامعة ميتشيجان في آن أربور: "ينشأ ما يقارب 95% من إجمالي الميثان بالغلاف الجوي للأرض من الأحياء الحالية والماضية"، ويضيف: "لذا، من الطبيعي التساؤل عما إذا كان الميثان الموجود على المريخ له منشأ حيوي أيضًا، أم لا".

إن وجود الغاز على المريخ قد أدهش الباحثين، لأن التفاعلات الكيميائية في الغلاف الجوي من شأنها أن تدمر أي جزيئات من الميثان هناك خلال بضعة قرون. ووجود مستوى من الميثان قابل للقياس يرجح أنه لا بد من وجود مصدر نشط لتجديد الغاز.

ترصد "كيوريوسيتي" الآن بشكل روتيني المستوى الأساسي من الميثان في الغلاف الجوي، الذي يبلغ في المتوسط 0.5 جزء في المليار (p.p.b.)، (وعلى النقيض، يبلغ مستواه على الأرض 1900 جزء في المليار تقريبًا). غير أن تركيزه على كوكب المريخ يتغير بصورة غير متوقعة بمرور الزمن، كما يقول أتريا. كما أشارت عمليات الرصد إلى وجود أعمدة كبيرة من الغاز، بتركيزات تبلغ 45 جزءًا في المليار، ورصدت "كيوريوسيتي" نفثات من الغاز تتبدد بسرعة، يبلغ تركيزها حوالي 7 أجزاء في المليار. تقول باثني إيلمان، وهي عالمة في مجال علم الكواكب بمعهد كاليفورنيا للتكنولوجيا في باسادينا: "لم نتوقع وجود الميثان على المريخ، ولا ينبغي أن يكون متغيرًا، إلا إذا كان هناك مصدر نشط، ومصب قوي".

وقد اقترح الباحثون العديد من المصادر المحتملة. فقد تنشأ القمم من تفاعلات كيميائية تحدث تحت السطح بين الصخور والماء، أو من النيازك الغنية بالكربون التي تدخل الغلاف الجوي، أو من الانطلاقات المفاجئة من الخزانات أسفل سطح كوكب المريخ. والأمر الأكثر إثارة على الإطلاق، أنه قد يكون للقمم تلك منشأ حيوي. تقول إيلمان: "إنه أمر غامض حقًّا".

الحمولة العلمية

يحمل TGO أربعة أجهزة قياس علمية رئيسة، من شأنها أن تجمع البيانات؛ لإنشاء خرائط كونية للغازات النزرة، تبيِّن كيف أن وجودها يختلف حول الكوكب، وبمرور الزمن.

فمقياسه الطيفي الأساسي NOMAD سيكون بإمكانه النظر من الارتفاع المداري للمركبة عبر الغلاف الجوي إلى السطح، وهي مسافة تبلغ حوالي 400 كيلومتر. وعندما يصير TGO على الحد الفاصل بين الجانبين المضيء والمعتم للمريخ، بمعدل مرتين لكل مدار، سيكون بإمكان NOMAD النظر خلال الغلاف الجوي للكوكب باتجاه الشمس. ويعمل هذا الموقع على زيادة الدقة، من خلال السماح للمسبار بالنظر عبر قطاع أكبر بكثير من الغلاف الجوي. وينبغي أن تكون للباحثين القدرة على استخدام البيانات التي يجمعها المسبار، لتحديد البصمات الطيفية لغازات متنوعة، تمتص الضوء عند أطوال موجية مختلفة.

من شأن كاميرا التصوير بالألوان، الموجودة بالمركبة، وتُسمى CaSSIS، أن تبني خرائط تفصيلية ثلاثية الأبعاد لتضاريس الكوكب. وإذا أشارت أجهزة القياس الأخرى إلى ارتفاع حاد في تركيز الميثان، سيكون بإمكان الباحثين البحث عن صور مأخوذة في الوقت نفسه تقريبًا، لمحاولة التعرف على مصادر محتملة على سطح المريخ. يقول مانيش باتِل، وهو عالم في مجال علم الكواكب بالجامعة المفتوحة في ميلتون كينز بالمملكة المتحدة، ويعمل على NOMAD وCaSSIS: "نحن نبحث عن أشياء من قبيل فوهة صدمية، أو انزلاق صخري، أو انهيار أرضي، أو صدع كبير في الأرض. سيكون ذلك رائعًا".

الخطوة الرئيسة التالية، كما يقول باتِل، هي معرفة ما إذا كانت الأجهزة حساسة بالقدر المنشود، أم لا. وسيعتمد ذلك على عوامل معينة، مثل درجة الحرارة، ومستويات الغبار في الغلاف الجوي.

وفي الشهور القليلة الأولى، يتوقع باتِل أنه سيكون قادرًا على عرض مستويات الميثان، والبدء في تقديم المؤشرات التي يتوق إليها الباحثون. ويقول: "إن الجدل القائم حول كل ذلك، واستمر لأكثر من عقد، ينبغي أن يجيب عن هذا السؤال".