رؤية كونية

يجب على العلم أن يهبّ لدَعْم مَن هم مِثْلي

يرى آرون شول أن المؤسسات العلمية يمكنها تقديم المزيد لدعم الباحثين ذوي الإعاقات.

آرون شول
  • Published online:
Lorem ipsum dolor sit amet, consectetur adipiscing elit, sed do eiusmod tempor incididunt ut labore et             dolore magna aliqua.

AARON SCHAAL

تَصادَف أن يكون موضوع دراستي مشابهًا لذلك الذي شغل الفيزيائي ستيفن هوكينج خلال معظم حياته. وكما كان يفعل هو، أحتاج إلى التكنولوجيا للتواصل، وإلى مساعد شخصي دائم على مدار الساعة؛ كي أعيش مستقلًا؛ حيث لا أستطيع التحكم بشكل تام، سوى في حركات عيني. توفِّر لي عائلتي والمشرفون عليّ، وكذلك نظام الرعاية الصحية الألماني، الدعم الأساسي الذي أحتاج إليه. وقد جددت وفاة هوكينج في شهر مارس الماضي التركيز على التسهيلات الخاصة بالمعوقين في مجال العلوم. مِن واقع تجربتي، أرى أن هناك العديد من العقبات في الأوساط الأكاديمية التي تعترض الأشخاص الذين يعانون من ظروف صحية بدنية أو عقلية، والذين لديهم الكثير ليقدموه إلى مجال العلوم.

ولكوني طالب دكتوراة في الفيزياء الرياضية، وأبلغ من العمر 27 عامًا، فإنني أدرس سبب تحرُّك الزمن في اتجاه واحد فقط. وأعتمد في دراساتي على نموذج رياضي بسيط للغاية، يتكون من جزيئات كلاسيكية تتفاعل مع بعضها البعض من خلال الجاذبية. ومن شأن ذلك أن يسفر عن أفكار لشرح مفهوم "سهم" اتجاه الزمن.

منذ أن كنتُ في الثانية من عمري، وأنا أعاني من خلل التوتر العضلي العام، وهو بمثابة شذوذ في التوتر العضلي، ناجم عن مرض استقلابي نادر، يُدعى بيلة حمض الجلوتاريك من النمط الأول. وللتواصل والكتابة أستخدِم جهازًا لتعقُّب حركة العين ملحق بجهاز الحاسوب الخاص بي، أو لوحة زجاجية ذات ألوان ترميزية، صممتها بنفسي، وهي تحتوي على أحرف لاتينية ويونانية، وكذلك أرقام ورموز رياضية. وقد تعلَّم العديد من زملائي أن "يستمعوا" إليّ عن طريق تتبُّع أيّ من الرموز الموجودة على اللوحة أنظرُ إليه. في البداية، كان الأمر يحتاج إلى ما يقرب من نصف ساعة لفهم جملة واحدة، لكنْ مع التدريب أصبحت تلك العملية سريعة نسبيًّا؛ خاصة إذا ما كان شريكي في المحادثة يعرف سياق الحديث. فعلى سبيل المثال، يستغرق هذا النوع من التواصل مع مستشاري للدكتوراة حوالي ثلاثة أمثال الوقت المطلوب لفهم أي حديث عادي.

وعند التواصل مع أشخاص لا يمكنهم استخدام اللوحة، أعتمِد على جهاز تعقُّب حركة العين الخاص بي، الذي يمكنه توليد أصوات مركبة بلغات مختلفة، أو أستعين بمساعدين شخصيين. يسمح لي جهاز تعقُّب حركة العين أن أكتب بمعدل حرفين في الثانية، على افتراض أنني أعرف بالضبط ما أريد كتابته، وأنّ جهاز تعقب حركة العين الخاص بي مضبوط ومُعايَر على النحو الأمثل، وأن برنامج التنبؤ بالكلمات يعمل بشكل جيد. لذا، لإلقاء محاضرة، أقوم بصياغة كل شيء أولًا في جُمَل كاملة، كي يتمكن مساعدي - أو جهاز الحاسوب المحمول الخاص بي - من قراءتها بصوت عالٍ.

وخلال دراستي الجامعية، كان عليَّ أن أطلب ترتيبات تيسيرية، مثل الحصول على وقت إضافي في الامتحانات. ونادرًا ما كان أساتذتي يعرفون كيف يتصرفون، حيث لم يلتق معظمهم بأي شخص يعاني من إعاقة من قبل، بل إن بعضهم لم يكن يتخيل كيف سأتمكن من خوض الامتحانات أصلًا.

تحسنت الأمور، بعدما تعرَّف المزيد من الأساتذة عليّ. وقد دعمني بقوة المشرفون على رسالة درجة البكالوريوس الخاصة بي، ودرجة الماجستير وأعمال الدكتوراة التي تتضمن التعامل مع قدر من البيروقراطية. وخلال عملي كمدرس مساعد، حظيتُ بمعاملة جيدة للغاية؛ حيث أقوم بإنشاء ورق التدريبات، وتنظيم برامج تعليمية، وصيانة الموقع الإلكتروني الخاص بسلاسل محاضرات المقرر الدراسي. وهذه كلها أشياء يمكنني القيام بها من المنزل، خاصة إذا لم يكن بإمكاني الخروج. وكل هذا يوضح أن الحلول الفردية موجودة، إذا ما كانت الجامعة ترغب في إيجادها حقًّا.

وفي عام 2015، شاركتُ في تأسيس شبكة "كرونيكالي أكاديمِك" Chronically Academic، وهي شبكة عالمية تربط الأكاديميين الذين يعانون من إعاقات أو ظروف صحية مزمنة. يستضيف موقعنا الإلكتروني، الذي أنشأته وأقوم على صيانته، موارد مخصصة للأفراد والمؤسسات (انظر: https://chronicallyacademic.org). وفي العام الماضي، نشرنا سلسلة من المقالات حول الأمراض المزمنة في الأوساط الأكاديمية، في دورية "ذا سوشيولوجيكال ريفيو" The Sociological Review. كما شارك بعضنا خلال شهر مارس الماضي في تنظيم مؤتمر بكلية لندن الجامعية، حمل اسم "التمييز ضد المعاقين في الأوساط الأكاديمية" Ableism in Academia. واليوم، لدينا حوالي 150 عضوًا نشطًا يقدمون دعمًا لأقرانهم، ويعملون على رفع الوعي.

تُظْهِر تجاربنا أن خوض مسار مهني بحثي أمر ممكن، إذا كنتَ ترغب فيه حقًّا، وتتلقى دعمًا من عائلتك والمشرفين عليك وزملائك؛ لكن يمكن للمسألة أن تصبح أسهل بعض الشيء. وغالبًا ما يُتوقع من الأكاديميين أن يتنقلوا عبر البلدان أو القارات، الأمر الذي قد يكون صعبًا على بعض الأشخاص من ذوي إعاقات معينة، نظرًا إلى الاختلافات الكبيرة في أنظمة الرعاية الصحية. وحتى أولئك الذين يبقون في مكان واحد، يجب أن يحضروا المؤتمرات. فالسفر بالطائرة مستحيل بالنسبة لي؛ حيث لن تنقلني طائرة تجارية عادية بكرسيّي المتحرك. ولكي أسافر، فأنا أحتاج إلى مساعدَين شخصيين على الأقل، بالإضافة إلى مجموعة من المعدات التقنية والطبية. تتكلف الرحلة الممتدة لأسبوع إلى مدينة توبنجن (التي يستغرق السفر إليها 3-4 ساعات بالسيارة من منزلي في ميونخ) ما بين 3 آلاف و5 آلاف دولار أمريكي، ويشمل ذلك الطعام والسكن لمساعديّ. يمكنني التقدم بطلب إلى العديد من سلطات الرعاية الصحية الألمانية، أو إلى جامعتي؛ لتغطية التكاليف، لكن هذا يستغرق وقتًا طويلًا، وليس سلسًا على الإطلاق، كما أن نجاح ذلك غير مضمون.

وبمجرد الوصول إلى هناك، لا يمكن دائمًا الوصول إلى أماكن الفعاليات. فقد نِمْتُ على الأرض ذات مرة، عندما لم يكن هناك سوى أَسِرّة مرتفعة. وقد مر زملائي بقصص مشابِهة؛ ففي مؤتمر حول الإشراك والشمول، لم يكن بالإمكان الوصول إلى دورات المياه، إلا عن طريق السلالم، ولم يضع منظمو المؤتمر ألواحًا فوق الدَّرَج في المدخل؛ لإتاحة دخول الكراسي المتحركة، إلا بعد رفض أحد العلماء المدعوين حَمْله للدخول به إلى المؤتمر. كما قام شخص آخر بتغيير جامعته، بعد تعرُّضه لمضايقات مستمرة من مشرفيه وزملائه، بسبب حركات وجهه غير الإرادية، فيما غادر آخر عندما رفضت أقسام الجامعة حتى مناقشة مسألة منحه ترتيبات تيسيرية.

تختلف الاحتياجات من شخص إلى آخر، فبالنسبة لي، حاجتي الرئيسة هي تسهيل الوصول بكرسيّي المتحرك، بينما يحتاج آخرون إلى مترجمين للغة الإشارة. ومن ثم، يجب أن يتضمن تنظيم أي مؤتمر دعوة الحاضرين إلى تحديد ما إذا كان لديهم أي احتياجات خاصة، أم لا، والعمل على استيعابها. كما يجب على المؤسسات تقديم وتعزيز التدريب حول كيفية دعم الطلاب والموظفين. ومن شأن عقود العمل الأكثر مرونة - التي تشمل العمل لساعات مخفضة، أو من مكتب في المنزل - أن تشكل تحسنًا هائلًا. كما أن المِنح الدراسية، والمساعدة الإدارية لتغطية التكاليف الإضافية للسفر والمساعدة يمكنها أن توسع نطاق الفرص المتاحة. وينبغي أن تكون المؤتمرات متاحة حقًّا لجميع المشاركين.

ومِن دون تلك التغيرات، ستبقى الإعاقات - مثل إعاقتي - خارج نطاق الرؤية، وخارج التفكير في مجال العلوم، ما سيجعلها أكثر اتساقًا وأقل إثارة للتعاطف؛ وتلك خسارة فادحة. فهناك العديد من المرات التي لم أستطع خلالها فعل أي شيء، سوى التفكير، وهذا قد يفسح المجال لطرح أفكار علمية جديدة. ومثلما أَوْضَح ستيفن هوكينج من قبل بشكل كبير ومؤثر؛ مِن الممكن أن يستفيد مجال الأبحاث من وجود قوة عاملة أكثر تنوعًا.

 

آرون شول طالب دكتوراة في الفيزياء الرياضية بجامعة لودفيج ماكسيميلينز في ميونخ، ألمانيا.

البريد الإلكتروني: schaal@math.lmu.de