تحقيق إخباري

موجات الجاذبية قد تحل بعض أكثر ألغاز الكون غموضًا

بعد بضع عمليات رصْد تاريخية، يوجه باحثو موجات الجاذبية أنظارهم نحو مجموعة من الأهداف العلمية الطموحة.

دافيديه كاستيلفيكي

  • Published online:
Lorem ipsum dolor sit amet, consectetur adipiscing elit, sed do eiusmod tempor incididunt ut labore et             dolore magna aliqua.

في منتصف ثمانينيات القرن العشرين، توصّل برنارد شوتز إلى حلٍّ جديدٍ لواحدة من أقدم مشكلات علم الفلك، وهي كيفية قياس المسافة بين الأرض والأجرام الأخرى في الكون. فعلى مدار أجيال، اعتمد الباحثون على درجة سطوع الجرم كمقياس تقريبي للمسافة التي يبعدها عن الأرض، غير أن هذا النهج يحمل في طياته تعقيدات لا حصر لها، منها مثلًا أن النجوم القريبة الخافتة من الممكن أن تبدو - خطأً - كأنها نجوم ساطعة واقعة على مسافة أبعد.

أدرك شوتز، وهو فيزيائي بجامعة كارديف بالمملكة المتحدة، أن موجات الجاذبية يمكنها أن تقدم الإجابة؛ فإذا استطاعت أجهزة الكشف قياس هذه التموجات في نسيج الزمان والمكان، النابعة من تفاعل أزواج من الأجرام البعيدة معًا، سيمتلك العلماء حينها كل المعلومات المطلوبة لحساب القوة التي كانت عليها الإشارة في البداية؛ ومن ثم حساب المسافة التي قطعتها الموجات كي تصل إلى الأرض. لذا، تنبأ شوتز بأن موجات الجاذبية قد تكون بمثابة علامات جلية على السرعة التي يتمدد بها الكون.

وقد بدت فكرته رائعة، لكنْ غير عملية، إذ لم يكن بوسع أي شخص وقتها رصد موجات الجاذبية، لكنْ في أغسطس الماضي سنحت الفرصة لشوتز أخيرًا كي يختبر هذا المفهوم، حين مرَّت أصداء اندماج نجمين نيوترونيين، حدث قبل 130 مليون عام، عبر أجهزة كشف موجات الجاذبية الموجودة على الأرض. ولحسن الحظ، وقع الحدث في مجرّة قريبة نسبيًّا، وهو ما نتج عنه قياس أوّلي أنقى كثيرًا مما كان يحلم به شوتز. وباستخدام هذا المُعطى الوحيد، تمكّن شوتز من إظهار أن نهجه قد يصبح أحد أكثر المناهج مصداقية لقياس المسافات. يقول شوتز: "كان من الصعب تصديق الأمر، لكنه هذا ما حدث بالفعل".

وبإمكان مزيد من أحداث الاندماج المماثلة أن تساعد الباحثين على حسم الجدل المستمر حول السرعة التي يتمدد بها الكون حاليًّا، غير أن عِلْم الكون ليس المجال الوحيد الذي يستطيع جَنْي مكاسب عظيمة من رصد موجات الجاذبية في السنوات المقبلة. فمع توصُّل العلماء المتخصصون في دراسة موجات الجاذبية بالفعل إلى عدد قليل من الاكتشافات، أصبح لديهم الآن قائمة طويلة مما يتوقعون أن تجلبه البيانات الإضافية، ومنها رؤى ثاقبة حول أصل الثقوب السوداء الكونية، والظروف العنيفة داخل النجوم النيوترونية، وتأريخ للكيفية التي نَظَّم بها الكون نفسه في مجرّات، وكذلك أشد الاختبارات صرامة لنظرية النسبية العامة، لآينشتاين، بل ومن الممكن أن تتيح موجات الجاذبية كذلك فرصة لفهم ما حدث في اللحظات القليلة الأولى التالية للانفجار العظيم.

سيبدأ العلماء قريبًا في العمل على النقاط المتضمنة في هذه القائمة، وذلك بمساعدة مرصد قياس تداخل موجات الجاذبية بالليزر "ليجو" LIGO، ومرصد "فيرجو" Virgo بالقرب من مدينة بيزا في إيطاليا، وكاشف مشابه في اليابان، قد يبدأ عمليات الرصد في العام المقبل. كما سيحظون بدفعة إضافية من أجهزة قياس التداخل الفضائية والأجهزة الأرضية التي لا تزال في مرحلة التخطيط النظري، وكذلك أساليب أخرى قد تبدأ قريبًا في أولى عمليات الرصد الخاصة بها لموجات الجاذبية (انظر: "طيف موجات الجاذبية").

Lorem ipsum dolor sit amet, consectetur adipiscing elit, sed do eiusmod tempor incididunt ut labore et             dolore magna aliqua.
كبر الصورة

SOURCE: NASA; DESIGN BY JASIEK KRZYSZTOFIAK/NATURE

ويأمل شوتز، شأن علماء كثر، أن تكون أفضل الاكتشافات هي تلك التي لم يحلم بها أيّ مِن الباحثين النظريين، ويقول: "كلما بدأتَ في رصد شيء جديد تمامًا، تكون هناك دائمًا فرصة لرؤية أشياء لم تتوقعها".

أدلة دوَّارة

لكونه مجالًا بحثيًّا لا يزيد عمره عن ثلاثة أعوام، حقَّق علم الفلك الخاص بموجات الجاذبية اكتشافات بمعدلات مذهلة على نحو فاق أفضل التوقعات. فبالإضافة إلى اكتشاف اندماج النجمين النيوترونيين في أغسطس، سجَّل مرصد "ليجو" منذ عام 2015 خمسة أزواج من الثقوب السوداء وهي تندمج معًا في ثقوب أكبر (انظر: "صنع الموجات"). وتُعَد هذه الاكتشافات البرهان الأكثر مباشرة إلى الآن على أن الثقوب السوداء موجودة حقًّا، وأنها تمتلك الخصائص التي تنبأت بها النسبية العامة. كما أنها كشفت - للمرة الأولى - عن وجود أزواج من الثقوب السوداء، يدور بعضها حول بعض.

ويأمل الباحثون الآن في معرفة كيف نشأت هذه الأزواج. فمِن المفترض أن يتشكل كل ثقب أسود بكل زوج حين ينفد وقود النجوم الضخمة من لُبّها، وينهار النجم على نفسه، مطلقًا انفجار مستعر أعظم، ومخلِّفًا وراءه ثقبًا أسود، تتراوح كتلته بين بضع مرات إلى عشرات المرات كتلة الشمس.

كبر الصورة

كبر الصورة

SOURCE: LIGO/VIRGO; DESIGN BY NIK SPENCER/NATURE

يوجد سيناريوهان رئيسان للكيفية التي يمكن بها لثقبين أسودين أن يصبحا يدوران حول بعضهما البعض. فقد يبدأ الأمر بنجمين ضخمين، كل منهما يدور في مدار الآخر، ويظلّا معًا، حتى بعد أن يتحول كل منهما إلى مستعر أعظم، أو قد يتشكل الثقبان الأسودان على نحو مستقل، لكنهما يقتربان من بعضهما البعض فيما بعد، نتيجة تفاعلات الجاذبية المتكررة مع الأجرام الأخرى، وهو أمر يمكن حدوثه في مراكز العناقيد النجمية الكثيفة.

على أي حال، تنتشر طاقة الجُرْمان تدريجيًّا في صورة موجات الجاذبية، وهي عملية تجذب الزوجين معًا في حركة لولبية أسرع وأشد إحكامًا، وفي النهاية يندمجان في ثقب أسود واحد أضخم. يقول إليا ماندِل - الباحث النظري بفريق مرصد "ليجو" في جامعة برمنجهام بالمملكة المتحدة - إنه كي يتمكن مرصدا "ليجو" و"فيرجو" من رؤية مثل هذه الأزواج وهي تندمج، من الضروري أن يكون الثقبان الأسودان التقليديان قد بدآ مدارهما المشترك، والمسافة الفاصلة بينهما أقل من رُبع المسافة بين الأرض والشمس. ويتابع ماندِل بقوله: "إذا بدأ الأمر والمسافة بين الثقبين الأسودين أبعد من ذلك، ستستغرق العملية وقتًا أطول من عمر الكون" ليحدث الاندماج بينهما.

إن أحداث الاندماج الخمسة للثقوب السوداء، التي اكتُشفَت إلى الآن، ليست كافية لتحديد أيّ مِن سيناريوهي التشكُّل يتصدر المشهد. على أنه في أحد تحليلات شهر أغسطس، المُجراة حول عمليات الرصد الثلاث الأولى، اقترحت مجموعة تتضمن ماندِل وويل فار - وهو عالِم نظري متخصص في الفيزياء الفلكية، وعضو بفريق مرصد "ليجو" من جامعة برمنجهام - أنه بإمكان عشر مشاهَدات أخرى فقط أن تقدِّم أدلة كافية لترجيح أحد السيناريوهين على الآخر1. ومن شأن ذلك أن يتضمن إمعانًا للنظر في موجات الجاذبية، بحثًا عن أدلة حول كيفية دوران الثقوب السوداء، إذ إن الثقوب التي تقترن معًا بعد تشكُّلها على نحو مستقل من المفترض أن تكون اتجاهات دورانها عشوائية، بينما تلك التي لها منشأ مشترك من المفترَض أن تكون محاور دورانها موازية لبعضها البعض، ومتعامدة تقريبًا على المستوى الذي تدور فيه.

وبوسع مزيد من المشاهَدات تقديم رؤى مفيدة حول بعض الأسئلة الجوهرية المتعلقة بعملية تشكُّل الثقوب السوداء، وبالتطور النجمي. ومن المفترَض أن يؤدي جمْع عدد كبير من قياسات الكتل إلى الكشف عن فجوات؛ أي نطاقات لا يوجد بها سوى عدد قليل من الثقوب السوداء، أو تكون خالية منها تمامًا، كما تقول فيكي كالوجيرا، وهي عالمة في مجال الفيزياء الفلكية، ضمن فريق مرصد "ليجو" بـجامعة نورث ويسترن في إيفانستون بإلينوي. وتضيف قائلة تحديدًا إن "عدد الثقوب السوداء في نطاق الأحجام الصغيرة من المفترض أن يكون قليلًا للغاية"، لأن المستعرات العظمى الصغيرة نسبيًّا عادة ما تخلِّف وراءها نجومًا نيوترونية، وليس ثقوبًا سوداء، كبقايا منها. أما في نطاق الأحجام الكبيرة - التي تبلغ نحو خمسين مرة كتلة الشمس - يتوقع الباحثون أن يروا عَقبة أخرى. ففي النجوم الكبيرة للغاية، يُعتقَد أن مستوى الضغط في لُبّها من شأنه أن يُنتِج في نهاية المطاف مادة مضادة، وهو ما يسبب انفجارًا عنيفًا للغاية، حتى إن النجم يتحلل ببساطة من دون تَرْك أي بقايا على الإطلاق. وقد جرى تصوُّر هذه الأحداث الفلكية - المسماة مستعرات عظمى مزدوجة عدم الاستقرار - بشكل نظري، لكن لا يدعم وجودها إلى الآن سوى أدلة رصدية شحيحة للغاية.

يقول راينر فايس، وهو عالِم فيزياء بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا في كامبريدج، وكان المصمم الرئيس لمرصد "ليجو"، إن عمليات الكشف عن الثقوب السوداء ستؤدي في نهاية المطاف إلى رسم خريطة للكون على غرار طريقة عمليات المسح المجرِّي حاليًّا. ويضيف قائلًا إنه بمجرد أن تزداد الأعداد "سيمكننا حقًّا أن نبدأ في رؤية الكون كله من منظور الثقوب السوداء. وكل جانب من مجال الفيزياء الفلكية سيستفيد شيئًا من ذلك".

لزيادة هذه المشاهدات، وضع مرصدا "ليجو" و"فيرجو" خططًا لتحسين حساسيتهما، وهو ما سيؤدي ليس فقط إلى الكشف عن مزيدٍ من أحداث الاندماج، وإنما سيكشف أيضًا عن مزيد من التفاصيل حول كل عملية اندماج. ويتوق الفيزيائيون - من بين أمور عدة - لرؤية الموجات "المستقرة" التفصيلية التي يطلقها الثقب الأسود الناتج عن الاندماج وهو يستقر في شكل كروي؛ وهي من المشاهَدات التي قد تكشف عن ثغرات في نظرية النسبية العامة.

إن إجراء مزيد من المشاهدات حول العالم سيكون ضروريًّا. قد يبدأ الكاشف "كاجرا" KAGRA - الذي لا يزال تحت الإنشاء في مكان عميق تحت الأرض في اليابان - في جمع البيانات بحلول أواخر عام 2019. ومن شأن موقعه - وتحديدًا اتجاهه، نسبةً إلى الموجات الواردة - أن يتمم عمل كل من مرصدي "ليجو" و"فيرجو"، ويمكِّن الباحثين من أن يحددوا بدقة استقطاب موجات الجاذبية، الذي يحمل معلومات حول اتجاه المستوى المداري، ودوران الأجرام الدوَّارة. كما تخطط الهند لبناء مرصد آخر في العقد القادم، مصنوع بشكل جزئي من أجزاء فائضة من مرصد "ليجو".

وهناك كنز أكبر من الاكتشافات، قد يأتي من رصْد أحداث اندماج النجوم النيوترونية. وإلى الآن، أعلن الباحثون عن عملية رصد واحدة فقط من هذا النوع، تحمل الاسم GW170817. وهذه الإشارة - التي التُقطَت في أغسطس الماضي - كانت - بشكل شبه مؤكد - أكثر الأحداث الفلكية خضوعًا للدراسة المكثفة في تاريخ علم الفلك. وقد حلَّت عددًا من الألغاز القائمة منذ أمد بعيد بضربة واحدة، بما في ذلك منشأ عنصر الذهب، وغيره من المعادن الثقيلة في الكون2، إضافة إلى السبب وراء عدة دفقات من أشعة جاما3.

ومِن الممكن أن تتيح المشاهدات المتزايدة للعلماء استكشاف خفايا هذه الأجرام. فالنجوم النيوترونية يُعتقَد أنها أشد الصور التي يمكن أن تكون عليها المادة كثافةً، من دون أن تنهار لتُكَوِّن ثقبًا أسود، غير أن المقدار المحدد لهذه الكثافة لا يزال موضع تخمين؛ فليس بمقدور أي تجربة معملية دراسة هذه الأوضاع، كما يوجد عشرات المقترحات المتعلقة بما يحدث فيها. تتنبأ نظريات بأن الكواركات – تلك الأجزاء دون الذرية، المكوِّنة للبروتونات والنيوترونات - من المفترض أن تتحرر من بعضها البعض، وأن تهيم في الأرجاء، ربما في حالات من التوصيل الفائق، والميوعة الفائقة. في حين تقترح نظريات أخرى أن الكواركات الأثقل و"الغريبة" تتكوّن وتصير جزءًا من جسيمات عجيبة شبيهة بالنيوترونات.

إن التحديد الدقيق لأنصاف أقطار النجوم النيوترونية قد يمكِّن الفيزيائيين من تقييم النظريات، لأنها تتنبأ بـ"معادلات حالة" مختلفة؛ أي معادلات تربط بين الضغط، ودرجة الحرارة، وكثافة المادة. وتحدِّد مثل هذه المعادلات إلى أي مدى يمكن أن تنضغط المادة، ومدى عرض النجم النيوتروني ذي الكتلة المحددة، ومدى الضخامة التي يمكن أن تصل إليها هذه النجوم.

في نهاية المطاف، صارت الإشارة التي بلغت مُدّتها مائة ثانية، والمُستقبَلة في أغسطس الماضي، أعلى حدة مما يستطيع مرصدا "ليجو" و"فيرجو" التقاطه، وهو ما مَنَع المرصدين من رؤية اللحظات الأخيرة للنجمين النيوترونيين، التي يُفترض فيها أن يشوه أحدهما الآخر بطرق مِن شأنها أن تكشف عن حجمهما وصلابتهما، أو مقاومتهما للانضغاط. ومع ذلك، حسب قول بي. إس. ساتيابراكاش، وهو عالِم في مجال الفيزياء النظرية ضمن فريق "ليجو" من جامعة ولاية بنسلفانيا في يونيفرسيتي بارك، فإن ذلك الحدث الواحد "يُمَكِّننا من استبعاد معادلات الحالة التي تسمح بوجود نجوم نيوترونية، تزيد أنصاف أقطارها عن 15 كيلومترًا"؛ وهو رقم يتفق مع القياسات الأخرى، ويؤيد وجود مادة "أقل صلابة".

ستمنحنا عمليات الكشف المستقبلية، وكذلك أجهزة الكشف المستقبلية قدرًا أكبر بكثير من التفاصيل. يقول ساتيابراكاش إن تليسكوب أينشتاين - وهو مرصد مستقبلي محتمَل، حلم به فريق في أوروبا - من الممكن أن يأخذ الفيزيائيين إلى ما وراء الحد الأعلى بكثير. وعن هذا يقول: "نحن نريد أن نكون قادرين على أن نحدد نصف القطر بدقة تصل إلى مستوى المائة متر"؛ وهو مستوى مذهل من الدقة، نظرًا إلى أن هذه الأجرام تبعد عنا ملايين السنوات الضوئية.

إطلاق صافرات الإنذار

إن الإشارات الشبيهة بالإشارة GW170817، التي رُصِدَت عبر كل من موجات الجاذبية والضوء، من الممكن أن تحمل تداعيات بالغة الأثر على عِلْم الكون. ووفق الحسابات التي أجراها شوتز في عام 1985، فإن تردد الموجات الآتية من أجرام دوارة، أو حدتها، بالإضافة إلى المعدل الذي تزداد به هذه الحدة، يكشفان عن معلومات بشأن الكتلة الإجمالية للأجرام4. ويحدد ذلك مدى القوة التي يجب أن تكون عليها الموجات عند المصدر. وعن طريق قياس قوة الموجات التي تصل إلى الأرض – أي سعة الإشارة التي تلتقطها مقاييس التداخل بالفعل - يصبح بمقدور المرء تقدير المسافة التي قطعتها الموجات من المصدر. وفي ظل تَساوي كل العوامل الأخرى، فإن المصدر الواقع على مسافة مضاعفة، مثلًا، سينتج إشارة أضعف بمقدار النصف. وهذا النوع من الإشارات يُسمى صافرة إنذار قياسية، اقتداءً بالطريقة المتبعة لقياس المسافات في عِلْم الكون، فالنجوم المسماة الشموع المعيارية لها سطوع معروف جيدًا، ما يُمَكِّن الباحثين من حساب المسافات التي تفصلها عن الأرض.

وعن طريق الجمْع بين قياس المسافة الخاص بالإشارة GW170817، والتقدير الخاص بالسرعة التي تبتعد بها المجرات في تلك المنطقة عن الأرض، تَوَصَّل شوتز ومعاونوه إلى قياس تقديري جديد ومستقل تمامًا لثابت "هابل"، وهو معدل التمدد الحالي للكون (انظر: "معالم كونية"). وهذه النتيجة5، التي تُعَد حصيلة جزءًا من مجموعة من الأوراق البحثية الصادرة عن فريق مرصدي "ليجو" و"فيرجو"، وحوالي 70 فريقًا آخر بمجال علم الفلك في السادس عشر من أكتوبر (انظر: go.nature.com/2gbsgnq)، "تدشن حقبة جديدة لكل من عِلْم الكون، والفيزياء الفلكية"، كما تقول ويندي فريدمان، عالمة الفلك في جامعة شيكاجو بإلينوي، التي أجرت قياسات عالية الدقة لثابت "هابل"، باستخدام أساليب تقليدية، لكنها أقل مباشرة.

كبر الصورة

كبر الصورة

NIK SPENCER/NATURE

وباستطاعة صافرات الإنذار القياسية، بوصفها قياسًا مباشرًا ومستقلًّا لهذا الثابت، أن تساعد على حل أحد الخلافات بين علماء الكون، فإن أحدث الأساليب المتبعة، والمُنقَّحة على مدار حوالي قرن من العمل الذي بدأه إدوين هابل نفسه، تقدِّم الآن تقديرات تتباين فيما بينها بنسب مئوية قليلة. وهذا القياس الأول المعتمِد على صافرات الإنذار القياسية لا يحل الخلاف، إذ يقع معدل التمدد الذي ينتبأ به في منتصف النطاق، كما أن به هامش خطأ كبيرًا، لكونه مبنيًّا على حدث اندماج واحد فقط، لكن يتوقع الباحثون في المستقبل أن تحدد صافرات الإنذار القياسية ثابت "هابل" بهامش خطأ يقل عن 1%. وإلى الآن، حققت الشموع المعيارية ذلك بمعدلات دقة بين 2 و3 في المائة.

ومن الممكن أن تصبح صافرات الإنذار القياسية أدوات أقوى من ذلك، بفضل أجهزة قياس التداخل الفضائية، مثل المرصد المعروف باسم هوائي مقياس التداخل الليزري الفضائي ("ليزا" LISA)، وهو مجموعة من ثلاثة مسابير تخطط وكالة الفضاء الأوروبية التي تقود المهمة لإطلاقها في ثلاثينيات هذا القرن. يهدف مرصد "ليزا" إلى التقاط الموجات ذات التردد المنخفض، التي تعجز المراصد الأرضية عن التقاطها. ومن شأن ذلك أن يتيح له الاطلاع على منظومات أكثر ضخامة، تطلِق موجات جاذبية أقوى. ومن الناحية النظرية، يستطيع مرصد "ليزا" التقاط صافرات الإنذار الآتية من أقصى أطراف الكون. وبمساعدة التليسكوبات التقليدية، فهو لا يستطيع فقط قياس معدل التمدد الكوني الحالي، وإنما سيقيس كذلك الكيفية التي تَطَوَّر بها هذا المعدل على مر العصور. وبهذا، يستطيع المرصد المساعدة في حل أكبر ألغاز عِلْم الكون، وهو طبيعة المادة المظلمة؛ ذلك المكوِّن الكوني غير المعروف بعد، الذي يدفع بتسارع التمدد الكوني.

وفي الوقت الذي ترصد فيه أجهزة قياس التداخل الأرضية الأحداث الوجيزة التي تفصل بينها فترات بعيدة، من المتوقع أن يلتقط مرصد "ليزا" مجموعة متنافرة من الإشارات بمجرد تشغيله، بما في ذلك جوقة متصلة من الأقزام البيضاء الثنائية المتقاربة – وهي بقايا النجوم التي تماثل الشمس حجمًا، والمنتشرة في كل الأرجاء - داخل مجرّتنا. تقول مونيكا كولبي، وهي عالمة في مجال الفيزياء الفلكية بجامعة ميلانو بيكوكا في إيطاليا، وعضو بإحدى اللجان التي تحدد الأهداف العلمية للمهمة: "يبدو الأمر كما لو كنا نعيش داخل غابة صاخبة، وتَعَيَّن علينا عزل أصوات الطيور المنفردة".

ويُفترض أن يرصد "ليزا" من حين إلى آخر أحداث اندماج ثقوب سوداء، كتلك التي يلتقطها مرصد "ليجو"، لكن على نطاق أوسع كثيرًا. يُعتقَد أن أغلب المجرات تقريبًا تُؤوي في مركزها ثقبًا أسود فائق الكتلة، يزن ملايين - بل وربما مليارات - الكتل الشمسية. وعلى نطاق المليارات من الأعوام، قد تندمج المجرات عدة مرات. وفي النهاية قد تندمج الثقوب السوداء المركزية الخاصة بها أيضًا. إنّ وقوع هذه الأحداث لا يشيع في حالة المجرات المنفردة، لكن نظرًا إلى وجود تريليونات المجرات في الكون المرصود، فمِن المفترض حدوث عملية اندماج قابلة للرصد في مكان ما بضع مرات على الأقل كل عام. كما يتبع العلماء سبيلًا منفصلًا لرصد موجات الجاذبية المنبعثة من أزواج من هذه الوحوش العملاقة في مراحل مبكرة من مداراتها. وباستخدام التليسكوبات الراديوية، يراقب العلماء نجومًا نابضة داخل مجرّة درب التبانة، ويبحثون عن تفاوت ضئيل في إشاراتها، يسبِّبه مرور موجات الجاذبية عبر المجرة. واليوم، توجد ثلاث "مصفوفات لتحديد توقيت النجوم النابضة" في أستراليا، وأوروبا، وأمريكا الشمالية، ويجري تشييد مصفوفة رابعة في الصين.

وبفضل الحساسية المخطَّط أن يتمتع بها مرصد "ليزا"، والإشارات القوية التي تنتجها الثقوب السوداء الدوارة فائقة الكتلة، من المفترض أن يكون المرصد قادرًا على التقاط موجات الجاذبية الآتية من أزواج الثقوب السوداء فائقة الكتلة قبل أشهر من اندماجها، وكذلك رؤية حدث الاندماج بالوضوح الكافي لاختبار النسبية العامة بدقة عالية. وبعد سنوات من العمل، سيكون بإمكان مرصد "ليزا" جمْع ما يكفي من الأحداث البعيدة؛ ليعيد الباحثون بناء التكوين الهرمي للمجرّات عبر تاريخ الكون، أي معرفة كيف اتحدت المجرات الصغيرة؛ لتكوين مجرات أكبر وأكبر.

وعلى أرض الواقع أيضًا، يبدأ الفيزيائيون تجربة بعض "المغامرات الجديدة الكبيرة"، حسب وصف فايس. ويضع فريق أمريكي تصورًا لمستكشف كونيّ (Cosmic Explorer)، له أذرع كشْف بطول 40 كيلومترًا – أي أطول من تلك الخاصة بمرصد "ليجو" بعشر مرات - من شأنها أن تتسم بحساسية تتيح لها التقاط الإشارات الآتية من أحداث أبعد كثيرًا، ربما على الجانب الآخر من الكون المرصود كله.

يقضي مفهوم تليسكوب أينشتاين الأوروبي بوجود كاشف له أذرع بطول 10 كيلومترات، مُرَتَّبة على صورة مثلث متساوي الأضلاع، وموضوعة في أنفاق على عمق 100 متر، أو نحو ذلك تحت الأرض. بإمكان الظروف الهادئة هناك أن تساعد على توسيع نطاق مجال المرصد، وصولًا إلى ترددات مقدارها عُشر تلك القابلة للرصد في المراصد الحالية. وربما يمكِّن هذا العلماء من العثور على ثقوب سوداء فيما وراء النطاق الذي يُعتقَد أنها لا توجد فيه بفعل المستعرات العظمى مزودوجة عدم الاستقرار، فعند الكتل العالية بما يكفي يُفترض أن تكون للنجوم آلية انهيار مختلفة، وأن تكون قادرة على تكوين ثقوب سوداء، تُعادِل كتلتها 100 كتلة شمسية، أو أكثر.

وإذا حالف الحظ العلماء، قد تتيح لهم موجات الجاذبية أيضًا الاطلاع على العمليات الفيزيائية الخاصة بالانفجار العظيم ذاته، في حقب زمنية لا يمكن رصدها بأي وسيلة أخرى. ففي اللحظات الأولى من عمر الكون، كانت اثنتان من القوى الأساسية - القوة الكهرومغناطيسية، والقوة النووية الضعيفة - لا يمكن التمييز بينهما. وحين انفصلت إحدى هاتين القوتين عن الأخرى، ربما أنتجتا موجات جاذبية، من الممكن أن تظهر اليوم على صورة "هسهسة عشوائية" قابلة للرصد من قِبَل مرصد "ليزا"، كما يقول شوتز. وتختلف هذه الإشارة المُفترضة عن أي إشارة ذات طول موجي أطول كثيرًا آتية حتى من حقبة سابقة، وقد تظهر في أقدم إشعاع مرئي بالكون؛ وهو إشعاع الخلفية الميكروي الكوني. وفي عام 2014، أفاد فريق بحثي6 بأنه قد رصد هذا التأثير باستخدام التليسكوب BICEP2 في القطب الجنوبي، غير أن الباحثين أَقَرُّوا لاحقًا بوجود مشكلات متعلقة بهذا التفسير7.

ومع إعادة فتح مرصدي "ليجو" و"فيرجو" في وقت لاحق من هذا العام، سيكون الاكتشاف الكبير التالي على قائمة أمنيات فايس هو الإشارة الآتية من أحد النجوم المنهارة؛ وهو شيء قد يستطيع علماء الفلك أيضًا أن يرصدوه كنوع من المستعرات العظمى، لكنْ تحدو فايس آمال عظمى نحو ما يمكن أن يكون في الأفق غير ذلك. ويقول: "إذا لم نرَ شيئًا لم يخطر لنا على بال، فسأشعر بالإحباط".

References

  1. Farr, W. M. et al. Nature 548, 426–429 (2017). | article
  2. Smartt, S. J. et al. Nature 551, 75–79 (2017).  | article
  3. Goldstein, A. et al. Astrophys. J. Lett. 848, L14 (2017). | article
  4. Schutz, B. F. Nature 323, 310–311 (1986).  | article
  5. The LIGO Scientific Collaboration and The Virgo Collaboration et al. Nature 551, 85–88 (2017).  | article
  6. . Ade, P. A. R. et al. Phys. Rev. Lett. 112, 241101 (2014).  | article
  7. Ade, P. A. R. et al. Phys. Rev. Lett. 114, 101301 (2015). | article