مستقبليات

قُداس الموتى

رحلة عودة

كريستين لوكاس

  • Published online:

Illustration by Jacey

هل يُعَد الأمر غزوًا إذا قام به مخلوق فضائي واحد؟

بعض وسائل الإعلام يطلق عليه ذلك بالفعل، حتى وإنْ لم يأت هذا المخلوق مُشهِرًا أسلحته نحونا. وهل كان هذا الغازي ذكرًا؟ لا يمكن لأحد أن يعلم ذلك، لكنّ هذا ما افترضه الإعلام من البداية، وفقًا لتصوّرهم المُسبَق لجنس أي غازٍ. هبط المخلوق من السماء في مركبته الضوئية، أو لعلها كانت حجيرة، أو كبسولة، أو ربما شرنقة. نزل نزولًا سلسًا بلا مجهود في الصحراء الكبرى على بقعة من الرمال وشظايا صفراء، حيث أحالت الحرارة الشديدة قبل آلاف السنين - أي قبل رمسيس، والإسكندر - الرمال إلى زجاج. وعندئذٍ، علت صرخات المنتصرين؛ احتفالًا بعودة الآلهة القديمة التي ستقود البشرية إلى الارتقاء.

لكنه لم يفعل ذلك، وإنما مشى في شوارع القاهرة بأُلفة شخص ولِد بها. لم يكن يمشي في الحقيقة، وإنما كان يحلّق فوق الأرض بسنتيمترين، مرتديًا حُلة متلألئة تصل إلى كاحليه، وربما كانت رداء، أو قفطانًا. تفقّد دكاكين وأكشاك سوق خان الخليلي، كما لو كان سائحًا. تفحصت عيناه الداكنتان عديمتا الأجفان الأقمشة والآنية الزجاجية، وربما تسكع طويلًا بعض الشيء أمام تماثيل القطط المُصغّرة المعروضة في أكشاك السوق، قبل أن يلتفت إلى القطط الحيّة واسعة الأعين، التي ألهمت عمل هذه التماثيل.

لمست أصابعه الطويلة - التي ادعى البعض أنها أصابع فنان، أرق من أن تُستخدَم في القتال - برفق أرفف التوابل، والفواكه المجففة، والخبز المرقق من بين بضائع أخرى غير المأكولات. وتوقف، بعد ذلك، عند عربة من العربات التي تبيع الطعام في الشارع، تعرض صنوفًا من اللحوم المشوية: كفتة، وكباب، وشاورما. ومع نظرة ذهول من البائع، الذي تسمّر في مكانه، قطع المخلوق أصغر قطعة لحم ضأن، وقرّبها إلى فمه؛ فأضاء شيء أشبه بالابتسامة وجهه الخالي من التعبير. وخرج شيء أشبه بالكلمات من شفتيه الرفيعتين. وتوقف هناك للحظة امتدت في انتظار استجابة لم تأت أبدًا، باستثناء قبضة البائع المتوترة على تميمته الواقية.

ثم اختفى المخلوق.

وظهر من جديد، وهو يُجرّب حساء النودلز في هونج كونج، ثم قهوة الإسبرسو في روما، ثم في كلٍّ من بيرو، ومومباي، وسنغافورة، والعديد من الأماكن الأخرى حول العالم. جال مغامرًا في الأسواق المحلية يُجرِّب طعامها، ويحاول - كما ظن البعض - الانخراط مع السكان المحليين في الحديث. احتشدت فِرق وسائل الإعلام خلفه مُحمَّلةً بكل أجهزة التسجيل الممكنة، وفشلت جميعها في هذه المهمة، فبثت ثيابه مجال قوة، أَبْطَل أثر كل الإكترونيات بعد مسافة نصف قطر معين. ولم يقتصر ذلك على الإلكترونيات فحسب، وإنما الرصاص أيضًا. فعندما جاء إليه المهووسون - وكيف لا يفعلون ذلك! - ممن يعزون غباءً بشريًّا لإله واحد، أو ما شابه، لم يؤثّر أيٌّ من رصاصهم وقنابلهم على تجوُّله بين مطاعم الأرض.

وبينما أُثيرت النظريات حول أصله ومراده، وأصبح الطهاة والباعة الذين زارهم مشاهير بين عشية وضحاها، بدأ بريقه في التضاؤل مع كل زيارة جديدة. فثمة شيء ما أثّر فيه.

وبعد ذلك.. اختفى. لم يره أحد لمدة أسبوعين، وافترض كثيرون أنه رحل، أو مات.

ظهر من جديد في هذه المرة على جزيرة معزولة تابعة لدولة مديونة على البحر المتوسط. لا أسواق في هذه المرة. كان هناك فقط صيّاد عجوز يطهو أسماكًا طازجة، اصطادها بنفسه. جثم المخلوق الفضائي فوق صخرة على بُعْد بضعة أمتار من ذلك الصيّاد. وقد سجَّلَت الطائرة بلا طيّار الوحيدة التي التقطت هذا اللقاء بينهما تحريك المخلوق الفضائي لشفتيه، وهزّ الصيّاد العجوز الواهن - شأنه شأن مركبه - لرأسه.

"إيثاكا؟ أليست هذه إيثاكا؟"، كانت هذه هي الكلمات التي قالها الصيّاد للمخلوق الفضائي بلغة إنجليزية ركيكة. فالسائح سائح؛ هل له أن يَستخدِم لغة أخرى غير الإنجليزية؟ وأشار الرجل العجوز في اتجاه الغرب. "هذا بحر إيجة. إيثاكا، بحر آخر... البحر الأيوني".

حرّك الرجل العجوز كومة الجمر والرماد، حيث كان هناك شيء يُشوَى فوقها. والتقط رزمة ملفوفة بورق الألومنيوم، وفَضّها؛ وأخرج منها سمكة سردين مغلفة بقشرة ملح كثيفة.

"تفضلْ. جرّب، أيها الصديق".

صديق!. هل اتسعت عينا المخلوق الفضائي عند سماعه هذه الكلمة؟

مالَ الصيّاد مقتربًا من المخلوق، وقال: "جيدة. إنها وصفة قديمة، تعود إلى جدّ جدّي، بل إنها أقدم من ذلك. إنها تعود إلى أوديسيوس".

قال المخلوق الفضائي: "أوديسيوس"، وكسر القشرة؛ ليصل إلى لحم السمك بداخلها. التهم قطعة، ثم قال: "جيد".

عندما مدّ الرجل العجوز يده إلى سمكة السردين الثانية، ظهرت سيدة من البيت الصغير الواقع خلفهما بحوائطه البيضاء ونوافذه الزرقاء. بحثت الطائرات بلا طيّار - التي تدفقت بأعداد كبيرة إلى المنطقة - عن وجه هذه السيدة في كل قاعدة بيانات ممكنة؛ فتوصلت إلى أنها معلمة مدرسية متقاعدة، وزوجة الصيّاد، درّست في السابق لغة قديمة بائدة لمراهقين ضجرين. كانت نكرة ضمن سلسلة طويلة من النكرات اللاتي تواصل معهن المخلوق الفضائي. اقتربت السيدة وهي تحمل هدايا من المشروبات الكحولية، وغمغم المخلوق الفضائي بشيء ما إليها.

مرّت لحظة من الصمت، اتسعت فيها عينا السيدة، وأعقبتها هزة خفيفة برأسها، وهي تقول: "لا، ليس أوينوس كيكرامينوس. لم نعد نشرب ذلك. تفضل، جرّب هذا. إنه "أوزو".. إنه جيد.. وأفضل من أمبروسيا".

بينما جعلت الشكوك المخلوق الفضائي يُبطئ في رشفاته الأولى لهذا المشروب الكحولي، الذي يحمل رائحة الينسون، تبددت هذه الشكوك تمامًا مع الزجاجة الثانية والسردين الذي صاحبها. تعاقبت، بعد ذلك، أطباق أخرى حملت زيتونًا، وفلفلًا مشويًّا، وخبزًا يابسًا يكتسب طراوة من زيت الزيتون، ويعلوه جبن الماعز.

سألت السيدة المخلوق الفضائي: "هذه ليست المرة الأولى لك هنا، أليس كذلك؟.

لعق المخلوق الزيت من على أصابعه، وأومأ برأسه.

"منذ زمن بعيد؟"

فأومأ برأسه من جديد.

"لماذا الآن؟"

حدَّق طويلًا، ورفع كفه المفتوح، فإذا بشكل عملة دراخما نحاسية قديمة تومض عليه، ثم أغلق كفه ببطء شديد، كأنه يتألم.

تنهدت السيدة، وأومأت برأسها، وعرضت عليه مزيدًا من مشروب "أوزو"، وقالت: "ها هو كوب آخر، من أجل الرحلة، ومن أجل البحّار".

تحت ضوء القمر، الذي كان هلالًا، أكل وشرب الثلاثة الطاعنون في السنّ طوال الليل، وأخذ اثنان منهم يحسبان أعمارهما بالعقود، والثالث يحسبها بآلاف السنين. وعندما بزغ الفجر، كانوا جميعًا قد اختفوا. وعندها فقط، أدركت البشرية كيف بدت مركبة المخلوق الفضائي كالتابوت، لكنهم لم يجدوها أبدًا ليتأكدوا من ذلك، كما لم يجدوا الزوجين المسنَّين، وسرعان ما طواهم جميعًا النسيان.

... إلى أن جاءت سفينة أخرى.

كريستين لوكاس ضابطة سابقة بالقوات الجوية اليونانية. ظهرت أعمالها في العديد من الإصدارات المطبوعة، وعلى الإنترنت. وكان من بين تلك الإصدارات: "ديلي ساينس فيكشن"، ومجلة "سبيس آند تايم"، و" كاست أوف واندرز". وصلت إلى الدور النهائي لجائزة "رابطة واشنطن للخيال العلمي" (WSFA) لعام 2017.