صندوق الأدوات

ثورة الاستشعار عن بُعْد في علم البيئة  

أصبحت بيانات الأقمار الصناعية والأدوات التي يستخدمها علماء البيئة لتحليل هذه البيانات أكثر وفرة، وأصبح الوصول إليها أكثر يسرًا من أي وقت مضى.

روبرتا كووك

  • Published online:
Lorem ipsum dolor sit amet, consectetur adipiscing elit, sed do eiusmod tempor incididunt ut labore et             dolore magna aliqua.

ILLUSTRATION BY THE PROJECT TWINS

عندما بدأ عالِم البيئة، نيكولاس موراي، التنقيب في بيانات الاستشعار عن بُعد لمشروع رسالة الدكتوراة الخاصة به، لم يكن يدري مدى صعوبة هذه المهمة. أراد موراي الوقوف عند سبب تناقص أعداد الطيور الساحلية المهاجرة عبر قارة آسيا. ولمّا كانت هذه الطيور تتوقف في أماكن يصعب على موراي دخولها، مثل الصين، وكوريا الشمالية، لجأ إلى بيانات الأقمار الصناعية لتقييم موئلها.

عندما بدأ موراي المشروع في عام 2010، ظن أنه سيستغرق بضعة أشهر، لكنه في النهاية استغرق قرابة العام. أولًا، كان على موراي تحميل البيانات التعريفية لحوالي 5,500 صورة من صور الأقمار الصناعية الخاصة بالحكومة الأمريكية، والمتاحة للجمهور، من أجل تحديد صور الأراضي الرطبة المعرضة للمدّ والجَزْر، التي التُقِطت في أثناء الجَزْر المنخفض الحادث على طول البحر الأصفر الذي يَحُد الصين وشبه الجزيرة الكورية. وكتب، بعد ذلك، شفرة برمجية مخصصة لتصنيف الغطاء الأرضي في مجموعة أخيرة مكوّنة من 80 صورة. وكانت توجد بالفعل خوارزمية للتمييز بين الماء واليابسة، لكن موراي كان بحاجة إلى إجراء تعديلات يدوية لكل صورة. واكتشف أن أكثر من ربع الأراضي الرطبة قد اختفى في الفترة ما بين ثمانينيات القرن العشرين، والعقد الأول من القرن الواحد والعشرين. لكن التحليل لم يكن سهلًا، إذ يسترجع موراي، الذي يعمل حاليًّا بجامعة نيو ساوث ويلز في كِنزنجتون بأستراليا: "كنت أقول لنفسي طوال فترة إجراء هذه العملية: "هذا أمر بالغ الصعوبة. إنه شيء لا يُصدَّق"".

كان من الممكن أن تكون مهمة موراي أسهل كثيرًا، لو أنها تمت اليوم. فقد طُوِّرَت أدوات عديدة؛ للوصول إلى بيانات الاستشعار عن بُعد، وتحليلها؛ ما يتيح لعلماء البيئة تناوُل المشكلات المتعلقة بالحفاظ على البيئة واسعة النطاق على نحو أيسر. وتُقدِّم الهيئات الحكومية ومطورو المصادر المفتوحة والشركات التجارية كل شيء في هذا المجال، بدءًا من واجهات التأشير والنقر، وصولًا إلى البرمجيات الموجهة بسطر الأوامر. ويقول موراي عن تحليل بيانات الأقمار الصناعية لصالح أبحاث البيئة: "أعتقد أننا في أفضل وقت ممكن لإجرائها؛ فقد أصبح الوصول إليها شديد السهولة".

يشمل "الاستشعار عن بُعد" مجموعة من التقنيات لرصد شيء ما، دون لمسه. ويُشير المصطلح عادةً إلى جمع بيانات عن الأرض من الفضاء، أو من منصات محمولة جوًّا، عن طريق قياس الطاقة المنعكسة، أو المنبعثة عند أطوال موجية مختلفة. ويمكن للباحثين استخدام هذه البيانات للاستدلال - على سبيل المثال - على مستوى إزالة الغابات. وتقول أليسون لايدنر، وهي إحدى كبار علماء الدعم، المتعاقدين في برنامج أبحاث التنوع البيولوجي، التابع لوكالة ناسا في واشنطن العاصمة: "لقد شهدنا انطلاقة هائلة حقيقيّة في استخدام بيانات الأقمار الصناعية".

تعود بيانات أقمار "لاندسات" الصناعية - التي جمعتها وكالة ناسا، والهيئة الأمريكية للمسح الجيولوجي - إلى السبعينيات. وتتيح هذه البيانات إمكانية دراسة التغيرات الكوكبية على مدار عقود عديدة. وتقيس معدات المطياف الراديوي التصويري متوسط الاستبانة (MODIS) التابع لوكالة ناسا، التي أُطلِقت في عامي 1999، و2002، الإشعاع الشمسي المنعكس، والإشعاع المنبعث، وتُحوِّل البيانات تلقائيًّا إلى مؤشرات يسهل على علماء البيئة استخدامها، مثل اخضرار النباتات. وتوفر أقمار "سنتينل" التابعة لأوروبا، التي تراقب الأرض والمحيط والغلاف الجوي، بيانات منذ عام 2014.

يمكن للمستخدمين تصفح مجموعات من البيانات الحكومية المتاحة مجانًا عبر بوابات إلكترونية، مثل "إيرث داتا سيرتش"، التابعة لوكالة ناسا، و"إيرث إكسبلورر" التابعة للهيئة الأمريكية للمسح الجيولوجي، و"مركز كوبرنيكوس للوصول المفتوح" التابع لوكالة الفضاء الأوروبية. وتُقسَّم عادةً بيانات الأرض إلى مقاطع تُسمَّى "مناظر"، أو "لوحات"، وهي لقطات لطاقة ذات أطوال موجية مختلفة منعكسة من المنطقة التي تُلتقَط فيها، ولكنْ للحصول على استبانة مكانية وزمانية أعلى، قد يحتاج الباحثون إلى التفكير في خيارات تجارية.

تجمع أقمار "دوف" الصناعية – على سبيل المثال - التي تتولى تشغيلها شركة «بلانيت» في سان فرانسيسكو بكاليفورنيا، بيانات عالمية بدقة 3.7 متر - وهي درجة شديدة الوضوح بما يكفي لتمييز أشجار كبيرة فردية - حوالي مرة في اليوم. وفي المقابل، تلتقط أقمار "سنتينل-2" الصناعية - التي تُعَد من أدق الأقمار الصناعية الحكومية ذات البيانات المفتوحة والمجانية - صورًا بدقة 10 متر-بكسل، وتقدّم عينة لكل موقع كل خمسة أيام. ويمكن للباحثين الجامعيين التقدّم بطلبات للوصول المجاني إلى بيانات أقمار شركة "بلانيت" الصناعية لعشرة آلاف كيلومتر في الشهر، من خلال برنامج التعليم والأبحاث التابع للشركة. وبالمثل، يمكن للباحثين الأكاديميين في مجال البيئة أن يتقدّموا بطلبات للوصول المجاني إلى بيانات من أقمار صناعية ذات استبانة أقل من متر، تشغلها شركة «ديجيتال جلوب» في وستمينستر بكولورادو، من خلال مؤسسة «ديجيتال جلوب» غير الهادفة إلى الربح.

وصول سهل

على الرغم مما سبق ذكره، قد تكون مجموعات البيانات صعبة التناول. فتذكر كايلا دالين - وهي عالِمة جغرافيا بيئية بجامعة ولاية ميشيجان في مدينة إيست لانسنج - أن 30 عامًا من البيانات المُجمَّعة لمشهد واحد من "لاندسات" قد تتجاوز 1.5 تيرابايت "لمساحة أصغر من ميشيجان". وبرمجيات الرسوم المرئية لبيانات الاستشعار عن بُعْد قد لا تعمل جيدًا مع بعض تنسيقات الملفات. وبالرغم من أنه يمكن تحويل هذه الملفات إلى تنسيق أكثر سهولة في الاستخدام، فإن هذه الخطوة تضع عقبة أخرى، حسبما تقول سيندي شميدت، المديرة المعاوِنة لبرنامج "تطبيقات التنبؤ البيئي" بمركز "أيمز" للأبحاث، التابع لوكالة ناسا في موفيت فيلد بكاليفورنيا. فالمستخدمون قليلو الخبرة - حسبما تقول شميدت - "يرغبون في بعض الأحيان في الاستسلام؛ إذ ليس لديهم الوقت للتعامل مع مثل هذه الأمور".

ومع ذلك، تتوفر مصادر مجانية وتجارية. ففي عام 2017، أصدر فريق موراي أداة مجانية على الإنترنت تُسمَّى "ريماب"، تُمكِّن المستخدمين من وضع خرائط، بناءً على بيانات الاستشعار عن بُعد. فيوجه المستخدمون البرنامج لتصنيف أنواع الغطاء الأرضي، مثل الغابات، أو الأراضي الرطبة، عن طريق تحميل بيانات جغرافية مرجعية، أو تحديد وحدات البكسل، استنادًا إلى العمل الميداني، أو معرفة هؤلاء المستخدمين. وتستخدم أداة "ريماب"، بعد ذلك، التعلم الآلي لتصنيف وحدات البكسل المتبقية. وبداية من مارس 2018، بلغ عدد مَن استخدموا هذه الأداة حوالي 4,300 شخص من أكثر من 100 دولة، حسب قول موراي. وتُنشِئ أداة أخرى على الإنترنت، تُسمَى "جلوبال فورست واتش"، خرائط لأنماط إزالة الغابات.

توصِي دالين باستخدام أداة "آبيرز" AppEEARS على الإنترنت (تطبيق لاستخراج عينات جاهزة للتحليل واستكشافها)، التي تتيح للمستخدمين الحصول على بيانات خاصة بموقع دراستهم، بدلًا من مشهد أو لوحة كاملة. ويوضح توم مايرسبرجر، وهو عالِم يعمل في مشروع في مركز المحفوظات الموزعة النشطة للعمليات الأرضية، التابع لوكالة ناسا في مدينة سو فولز بولاية داكوتا الجنوبية، وقاد تطوير الأداة: "تصوّر المحفوظات كبحيرة كبيرة من البيانات، ونحن نسمح للأشخاص أن يأتوا بحقنة، ويمتصوا العينة الصغيرة التي يريدونها". ويمكن للمستخدمين أن يُدخِلوا إحداثيات جغرافية، ومدى زمنيًّا، ومتغيرات ذات أهمية - مثل الغطاء الشجري - فيعيد البرنامج البيانات على هيئة ملف بقيم مفصولة بفواصل (CSV).

وبالمثل، يملك مركز المحفوظات الموزعة النشطة، التابع لمختبر أوك ريدج الوطني الأمريكي في ولاية تينيسي، أدوات لتقديم - على سبيل المثال - تسلسل زمني للاخضرار لموقع دراسة، كجدول بيانات، ورسم بياني، أو بيانات تمت معالجتها، مثل اضطراب الغابات المُستنتَج. ومن ثم، يمكن لعلماء البيئة تحليل الروابط بين الغطاء النباتي، والمتغيرات الأخرى، مثل مجموعات الحيوانات. وعلى سبيل المثال، درَس أعضاء إحدى الفِرَق جُزُر أندمان قبالة ساحل المحيط الهندي، ووجدوا أن الغطاء النباتي تدهور بشكل أسرع في المناطق التي تم إدخال الفيلة والأيل المرقط إليها.

وفيما يخص علماء البيئة الذين يرغبون في كتابة برامج التحليل الخاصة بهم، وفي الوقت نفسه تجنُّب عناء تحميل بيانات الأقمار الصناعية، يُعَد "محرك جوجل إيرث" خيارًا شائعًا. فقد قامت شركة جوجل بالفعل بتحميل مجموعات بيانات الأقمار الصناعية على خوادمها، ويمكن للباحثين الدخول عليها في السحابة مجانًا عبر واجهتَي "جافا سكريبت"، و"بايثون" البرمجيتَين الخاصتين بجوجل. وتتيح هذه الخدمة للباحثين إجراء تحليلات واسعة النطاق بصورة أسرع كثيرًا مما يمكنهم فعله على حواسيبهم المحلية.

استفاد موراي - على سبيل المثال - من قوة المعالجة هذه في رسم خرائط لمناطق المدّ والجَزْر العالمية بمرور الوقت. ونظرًا إلى أن تحليله استخدم 700 ألف صورة بالأقمار الصناعية، كان يمكن أن يستغرق سنوات على حاسوب واحد، لكنه استغرق أقل من أسبوع باستخدام "محرك جوجل إيرث". فهذه الأداة - حسبما يقول موراي - "أحدثت ثورة في نوعية التساؤلات التي يمكنني طرحها بخصوص الاستشعار عن بُعد".

وتذكر شركة جوجل أنه لا داعي لقلق المستخدمين من مطالبة الشركة بملكيتهم الفكرية، مثل الرموز البرمجية، والنتائج العلمية. ويقول نويل جورليك، وهو مهندس بشركة جوجل في زيورخ بسويسرا، شارك في تطوير "محرك جوجل إيرث": "تنص شروط الخدمة الخاصة بنا بوضوح على أن ملكيّتك الفكرية هي ملكيّتك الفكرية، ولا نطالب بأحقية امتلاكها بأيّ صورة". ومع ذلك، لا يزال مارتن يجمان - الباحث في مجال الاستشعار عن بُعد في جامعة فورتسبورج بألمانيا - يفضل تحميل بيانات الأقمار الصناعية، وتشغيل الرمز البرمجي الخاص به على حاسوبه المحلي. ويقول يجمان إنه بما أن التحليلات التي يقوم بها ضيقة النطاق، أو منخفضة الاستبانة نسبيًّا، فإن الأداء لا يمثّل مشكلة. 

 

تشمل خيارات الحوسبة السحابية الأخرى مركز تحليل البيانات البيئية، الذي يديره مجلس مرافق العلم والتكنولوجيا في هارويل بالمملكة المتحدة، ومنصة خدمات كوبرنيكوس؛ لتيسير الحصول على البيانات والمعلومات التي تموّلها المفوضية الأوروبية، المقرر أن يبدأ العمل بها في يونيو، ومنصة جي بي دي إكس التابعة لشركة «ديجيتال جلوب».

خيارات المصادر المفتوحة

أيًّا كانت المنصة التي يختارها الباحثون، فهم يكتبون عادةً رمزًا مخصصًا لتوجيه تحليل البيانات، ويكون ذلك غالبًا باستخدام لغة البرمجة (آر). فيجمان وزملاؤه يطورون حزمة برمجية بلغة (آر)، اسمها "جِت سبايشل داتا"، ستتيح للمستخدمين تنزيل بيانات الأقمار الصناعية، دون استخدام واجهة متصفح. وطوّر فريقه كذلك حزمة أدوات RStoolbox لتحليل بيانات الاستشعار عن بُعْد، تتضمن خوارزميات مختلفة لحوسبة مقاييس الغطاء النباتي، كي لا يضطر المستخدمون إلى حساب معادلات خاصة بشكل منفرد.

ويمكن للباحثين كذلك استخدام تحليلات سطح المكتب التجارية، وحِزَم الرسوم المرئية، مثل "إي إن في آي"  ENVI من شركة «هاريس» في ملبورن بفلوريدا، و"إيرداس إيماجين" ERDAS IMAGINE من شركة «هِكساجون جيوسبايشل» في ماديسون بألاباما، و"آرك جي آي إس" ArcGIS من شركة «إسري» في ريدلاندز بكاليفورنيا، بالإضافة إلى بدائل المصادر المفتوحة المجانية، مثل "كيو جي آي إس" QGIS.

وبما أن استخدام هذه الأدوات قد ينطوي على منحنيات تعلُّم حادة، تنصح أنيتا جريزر - عالِمة المعلومات الجغرافية في المعهد النمساوي للتكنولوجيا بفيينا، وعضو اللجنة التوجيهية بمشروع "كيو جي آي إس" - المبتدئين بتلقي دروس تعليمية عبر الإنترنت. ويُقدِّم البرنامج التطبيقي لوكالة ناسا للتدريب على الاستشعار عن بُعد حلقات دراسية عبر الإنترنت، كما تنظم الوكالة ورشات عمل في مؤتمرات علم البيئة والحفاظ عليها.

إنّ الاحتمالات مُغرية، لكنْ يجب على الباحثين التحلي بالحكمة. تقول لايدنر: "إذا أردت أن ترى كم مرة تزور الفراشة نباتًا ذا رحيق، فلن تلتقط ذلك عبر القمر الصناعي". أمّا فيما يخص المسائل واسعة النطاق، "فهي أداة على درجة هائلة من الفعالية".

روبرتا كووك كاتبة حرة، تعيش في مدينة كيركلاند بولاية واشنطن.