أنباء وآراء

التطور: اكتشاف أساس فيروسات الحمض النووي الريبي

إن تاريخ تطوّر الفيروسات غير معروف إلى حد كبير، لكنْ أظهر اكتشاف واسع النطاق لفيروسات الحمض النووي الريبي في الفقاريات أنه رغم تنقّل الفيروسات عادةً بين العوائل، فإن معظمها تطوَّر بالتزامن مع عوائلها على مدار ملايين السنين. 

مارك زيلر، وكريستيان جي. آندرسون

  • Published online:

إنّ كثيرًا من الأمراض التي تصيب الإنسان، بدءًا من نزلات البرد، وصولًا إلى الحُميّات النزفية المميتة، تسببها فيروسات الحمض النووي الريبي. ويُعتقَد أن غالبية هذه الفيروسات قد نشأت أصلًا من فيروسات ذات صلة، أصابت الثدييات2،1. ولذلك، فقد ركَّزت غالبية دراسات اكتشاف الفيروسات على الثدييات والطيور3، إلا أن فيروسات الحمض النووي الريبي هي - على الأرجح - أقدم من آخِر سلف مشترك للكائنات الحية على كوكب الأرض5،4. وعليه، ثمة حاجة ماسَّة إلى معلومات جينية مُفصَّلة عن فيروسات الحمض النووي الريبي من أصناف فقارية أخرى، إذا كنا نريد الوصول إلى فَهْم كامل لتطوّر الفيروسات على المدى الطويل. يعلن شِي وزملاؤه6 في بحثهم المنشور بالعدد 556 من دورية Nature عن اكتشافهم لفيروسات حمض نووي ريبي بالفقاريات، لم يسبق التعرف عليها، وترجع إلى أزمنة تطورية مختلفة.

حلَّل مؤلفو هذا البحث الفيروسات في 186 نوعًا من الفقاريات، باستخدام نهج يُسمَّى تعيين التسلسل الميتاترانسكريبتومي، وهو النهج الذي يُعيّن فيه تسلسل كل الحمض النووي الريبي في العينة الواحدة. وقد أخذ الباحثون العينات من أنواع من الأسماك والبرمائيات والزواحف، أي من كل صنف من الفقاريات، عدا الثدييات والطيور. وفي هذه العينات، اكتشف شي وزملاؤه عددًا إجماليًّا من الفيروسات، بلغ 214 فيروسًا، وهو ما يَزيد كثيرًا عن عدد فيروسات الحمض النووي الريبي المعروفة في كل صنف من الفقاريات. فعلى سبيل المثال، تعرّف الباحثون على أكثر من 20 فيروس حمض نووي ريبي يصيب البرمائيات، في حين أنه لم يكن معروفًا سوى القليل منها فيما سبق7-9.

كَشَف التحليل كذلك عن مستوى مدهش من التنوع الحيوي؛ إذ تعرّف الباحثون على فيروسات لم تسبق معرفتها في كل فصيلة تقريبًا من فيروسات الحمض النووي الريبي، المعروف عنها إصابتها للثدييات. وتشمل هذه الفيروسات فيروسات عالية الإمراض للبشر، مثل فيروس الإنفلونزا، والفيروسات الرملية، والفيروسات الخيطية، التي لم يسبق تسجيل أي إصابات للأسماك أو البرمائيات بها.

استخدم شي وزملاؤه هذه المعلومة لإنشاء أشجار لتطور السلالات، تصف العلاقات التطورية بين الفيروسات. ووجدوا أن تطورات سلالات فيروسات الحمض النووي الريبي تشابهت - بوجه عام - مع تطورات السلالات في العوائل الفقارية لها. يوضح ذلك أن فيروسات الحمض النووي الريبي قد اتبعت مسارًا تطوريًّا مشابهًا للفقاريات، وأنها تطوّرت مع تطوّر عوائلها على مدار ملايين السنين (الشكل 1). لقد بدأ تطوّر الفقاريات قبل أكثر من 500 مليون سنة، وانقسمت الكائنات الفقارية بعد ذلك إلى عدة أصناف من الأسماك، وتلا ذلك تطوُّر البرمائيات التي انتقلت للعيش على اليابسة (http://www.onezoom.org). يشير اكتشاف الباحثين إلى أن فيروسات الحمض النووي الريبي في الثدييات ربما نشأت من الفيروسات التي أصابت الأسماك، ثم تَبِعَت الفقاريات في انتقالها إلى اليابسة.

شكل 1 | تَعقُّب تطوّر فيروسات الحمض النووي الريبي

عيّن شي وزملاؤه6 تسلسل فيروسات الحمض النووي الريبي الموجودة في أصناف مختلفة من الفقاريات، وأنشأوا أشجارًا لتطور الفيروسات. على مدار 525 مليون سنة، تشعّبت الفقاريات إلى أصناف كثيرة. وتشير بداية كل سهم ملون سميك إلى التباعد بين مجموعة فقاريات، والمجموعة الأدنى منها في الشكل؛ بينما تشير بداية التظليل الأغمق إلى وقت ظهور أقرب سلف مشترك للأفراد الموجودين حاليًّا من الصنف. ووجد الباحثون أن فيروسات الحمض النووي الريبي قد تباعدت مع تباعد عوائلها الفقارية (الخطوط السوداء تشير إلى تطوّر الفيروسات). وكل صنف من الفقاريات تهيمن عليه مجموعة خاصة به من فيروسات الحمض النووي الريبي، إلا أنه تحدث أحيانًا انتقالات بين الأنواع (الأسهم المتقطعة) تتسبب في دخول فيروسات جديدة إلى صنف معين. وشجرة تطور السلالات هذه هي مخطط مبسّط، يمثِّل تطور فيروسات الحمض النووي الريبي إجمالًا، ولا يُظهِر التواريخ الدقيقة، أو الانتقالات بين الأنواع التي اكتشفها الباحثون.

عيّن شي وزملاؤه6 تسلسل فيروسات الحمض النووي الريبي الموجودة في أصناف مختلفة من الفقاريات، وأنشأوا أشجارًا لتطور الفيروسات. على مدار 525 مليون سنة، تشعّبت الفقاريات إلى أصناف كثيرة. وتشير بداية كل سهم ملون سميك إلى التباعد بين مجموعة فقاريات، والمجموعة الأدنى منها في الشكل؛ بينما تشير بداية التظليل الأغمق إلى وقت ظهور أقرب سلف مشترك للأفراد الموجودين حاليًّا من الصنف. ووجد الباحثون أن فيروسات الحمض النووي الريبي قد تباعدت مع تباعد عوائلها الفقارية (الخطوط السوداء تشير إلى تطوّر الفيروسات). وكل صنف من الفقاريات تهيمن عليه مجموعة خاصة به من فيروسات الحمض النووي الريبي، إلا أنه تحدث أحيانًا انتقالات بين الأنواع (الأسهم المتقطعة) تتسبب في دخول فيروسات جديدة إلى صنف معين. وشجرة تطور السلالات هذه هي مخطط مبسّط، يمثِّل تطور فيروسات الحمض النووي الريبي إجمالًا، ولا يُظهِر التواريخ الدقيقة، أو الانتقالات بين الأنواع التي اكتشفها الباحثون.

كبر الصورة

أوضح الباحثون أيضًا أن بعض الفيروسات بإمكانه إصابة عدة عوائل، ما يشير إلى أن الفيروسات قد تنقّلت فيما بين الأنواع، إضافة إلى تطوّرها المشترك معها. بل أن العديد من أحداث تفشي الفيروسات في البشر هو نتيجة لانتقال الفيروسات من الحيوانات إلى البشر، ويُعَد وباء الإيبولا الأخير في غرب أفريقيا مثالًا على ذلك10. وغالبية حوادث انتقال الفيروسات فيما بين الأنواع تتسبب في محدودية الانتقال المتواصل، أو انعدامه (يستمر الفيروس في الانتشار عادةً في النوع العائل الجديد مؤقتًا فقط). وتعتمد قدرة الفيروس على تثبيت أقدامه على مجموعة من العوامل، منها تباعد العائل11. ولذا، فإن انتقال الفيروسات بين الحيوانات المنتمية إلى صنف الفقاريات نفسه (كالانتقال من الخفافيش إلى البشر، على سبيل المثال) أرجح حدوثًا من انتقالها بين الحيوانات المنتمية إلى أصناف مختلفة من الفقاريات (مثل الانتقال من الزواحف إلى الثدييات). إلا أن، دراسات شي وزملائه لتطور السلالات تكشف عن أن الفيروسات تقفز بانتظام فيما بين أصناف الفقاريات، مع انتقال متواصل ناجح، قد يستمر لملايين السنين.

توسِّع الدراسة الحالية من معرفتنا لتطوّر فيروسات الفقاريات بشكل هائل، لكنها لا تخلو من أوجه القصور، فأولًا، باستثناء الطيور والثدييات، يوجد أكثر من 50 ألف نوع من الفقاريات. وعلى الرغم من أن الدراسة الحالية هي واحدة من أكبر الدراسات من نوعها، فإن شي وزملاءه أخذوا عيّناتهم من نسبة تقل عن 0.5% فقط من هذه الأنواع. وإضافةً إلى ذلك، ركَّز الباحثون في أخذ العيِّنات على الأصناف الشائعة، مثل الأسماك شعاعية الزعانف، وشملوا في دراستهم عددًا قليلًا نسبيًّا من البرمائيات. يعني ذلك أن النتائج التي توصل إليها فريق البحث لا تمثِّل سوى نسبة ضئيلة من التنوع الكلي لفيروسات الحمض النووي الريبي، أي أننا لم نتطَّرق سوى إلى النذر اليسير من التاريخ التطوري لهذه الفيروسات. وسوف يستمر نطاق فهْمنا لتطور الفيروسات في الاتساع مع أَخْذنا المزيد من عينات فيروسات الحمض النووي الريبي من فترات تطورية أبعد.

يتمثّل وجه قصور آخر في الدراسة الحالية - وهو معتاد الحدوث في مثل هذا النوع من الدراسات - في أنه قد تم التعرف على  فيروسات جديدة على أساس تشابهها جينيًّا مع فيروسات سبق تعيين تسلسلها الجيني. وهذه الاستراتيجية قد تتسبب في ظهور تحيّز. وعليه، من الممكن أن تكون هناك مجموعات كاملة من الفيروسات لم تُكتشَف بعد، لعدم التمكن من اكتشافها باستخدام الأساليب المعتمدة على التشابه.

أخيرًا، يتضح بشكل متزايد أن القليل جدًّا فقط من فيروسات الحمض النووي الريبي سيصيب البشر، وأن العوامل المساهمة في ظهورها في البشر لا تزال غير مفهومة بشكل كامل. وكما يثبت شي وزملاؤه، تحليلات تطوّر السلالات هي أداة فعّالة لتحديد الانتقالات بين الأنواع التي حدثت في الماضي، إلا أنه لا يمكن استخدام هذه التحليلات لتوقّع التنقّل بين العوائل، أو ظهور الفيروسات في العوائل مستقبلًا، حيث إن تعقيد الانتقال الناجح بين الأنواع يُبطِل جهود التنبؤ بظهور الأمراض، عن طريق تعيين تنوع الفيروسات غير البشرية12. وعليه، ستكون الدراسات التي تمنحنا فهمًا أعمق لتطوّر فيروسات الحمض النووي الريبي وتنوعها، مثل دراسة شي وزملائه، ضرورية لتوجيه الجهود المستقبلية لرصد الفيروسات في البشر.

استغرق الأمر عقودًا عديدة لفهم أساسيات التاريخ التطوري للفقاريات. وسوف يستغرق - على الأرجح - وقتًا أطول، قبل أن يمكننا القول بثقة إننا قد بدأنا نفهم التنوّع الهائل لفيروسات الحمض النووي الريبي، وعلاقاتها المعقدة مع البشر والفقاريات الأخرى. وقد قدّم لنا شي وزملاؤه نقطة بداية مثيرة للاهتمام، يمكننا الانطلاق منها نحو هذا الهدف. 

References

  1. Wolfe, N. D., Dunavan, C. P. & Diamond, J. Nature 447, 279–283 (2007). | article
  2. Woolhouse, M. E. J. & Brierley, L. Sci. Data 5, 180017 (2018). | article
  3. Olival, K. J. et al. Nature 546, 646–650 (2017). | article
  4. Holmes, E. C. J. Virol. 85, 5247–5251 (2011). | article
  5. Koonin, E. V., Senkevich, T. G. & Dolja, V. V. Biol. Direct 1, 29 (2006). | article
  6. Shi, M. et al. Nature 556, 197–202 (2018). | article
  7.  Tristem, M., Herniou, E., Summers, K. & Cook, J. J. Virol. 70, 4864–4870 (1996). | article
  8. Reuter, G. et al. J. Gen. Virol. 96, 2607–2613 (2015). | article
  9. Ip, H. S., Lorch, J. M. & Blehert, D. S. Emerg. Microbes Infect. 5, e97 (2016). | article
  10. Holmes, E. C., Dudas, G., Rambaut, A. & Andersen, K. G. Nature 538, 193–200 (2016). | article
  11. Faria, N. R., Suchard, M. A., Rambaut, A., Streicker, D. G. & Lemey, P. Phil. Trans. R. Soc. B 368, 20120196 (2013). | article
  12. Geoghegan, J. L. & Holmes, E. C. Open Biol. 7, 170189 (2017). | article

مارك زيلر، وكريستيان جي. آندرسن هما باحثان في قسم المناعة والأحياء الدقيقة بمعهد سكريبس للأبحاث في لاهويا، كاليفورنيا 92037، الولايات المتحدة الأمريكية. كما يعمل كريستيان جي. آندرسن أيضًا في قسم الأحياء البنيوية والحاسوبية التكاملية بمعهد سكريبس للأبحاث، ومعهد سكريبس للعلوم التطبيقية.

البريد الإلكتروني: zellerm@scripps.edu؛ andersen@scripps.edu