رؤية كونية

تمويل الإبداع لا الإنجازات البحثية لبلوغ رؤى جديدة

طلبات المِنَح المُعَمَّاة تمنح العلماء حرية تقديم مقترحات بحثية جريئة، بينما تسمح "البطاقات الذهبية" للمراجعين بالمراهنة بِحُرِّية على هذه المقترحات، حسب قول توماس سينكجر.

توماس سينكجر
  • Published online:

منذ حوالي خمس سنوات، عندما كنتُ أدير مؤسسة الأبحاث الوطنية الدنماركية في كوبنهاجن، عقدت حلقات نِقاش مُركَّزة؛ لأسأل باحثي ما بعد الدكتوراة والباحثين الذين لا يزالون في بداية حياتهم المهنية كيف يمكن للمموّلين دعم عملهم. تحدثتُ وأعضاء مجلس الإدارة مع أكثر من 400 عالم من العلماء الشباب، وسمعنا مرارًا العبارة المتكررة المُحبِّطة نفسها؛ وهي أن أكثرهم يقدِّمون طلبات المنح، لا لِمَا يريدون تنفيذه بالفعل، وإنما لما يعتقدون أنه قد يحصل على تمويل، بل إنهم - في كثير من الأحيان - لا يطرحون حتى أفضل أفكارهم.

ولِمَ يفعلون ذلك ومراجعة المِنَح  تميل إلى التحيّز ضد الابتكار! ومن ثم فإن أفضل فرصة أمام الباحثين للحصول على تمويل هي اقتراح نوع العمل نفسه، الذي أثبتوا قدرتهم بالفعل على القيام به. وعلى الرغم من وجود بعض الأدلة التي تشير إلى أن مراجعة الأقران يمكن أن تميّز الأبحاث القوية من تلك الضعيفة، فإنه ليس من الواضح ما إذا كان بإمكانها تحديد أفضل الأبحاث، أم لا، ولا سيما أن انخفاض معدلات التمويل يتطلب من المراجعين تمييز فروق متزايدة الدقة عند اختيار المشروعات التي سيتم دعمها.

ومن طرق تحسين هذا الوضع، تجريب الممولين لبرامج مختلفة، وتبادلهم لخبراتهم. تُعَد مؤسسة «فيلوم فوندن» أكبر مؤسسة خيرية في الدنمارك لدعم الأبحاث التقنية وأبحاث العلوم الطبيعية. ومثل هذه المؤسسات لديها فرصة أكبر من المنظمات التي يموِّلها دافعو الضرائب، لتجريب طرق مختلفة؛ لاختيار البحوث التي ستُموَّل.

قبل عامين، عندما كنتُ مديرًا للعلوم في هذه المؤسسة، أسسنا مشروعًا كنا نأمل أن يدعم الأفكار المبتكرة، من خلال تقييم طلبات المنح بطريقة غير تقليدية. واستهدف المشروع أن يكون تقييم المقترحات البحثية مُعَمّى، ويستند إلى توصيف مكوّن من ثلاث صفحات، وألّا يكون لدى المُقيّمين أي معلومات عن خلفية مُقدِّم الطلب، أو ما سبق له نشره من أبحاث. وعلمتُ – مصادفةً - أن مؤسسة «فولكس فاجن» في هانوفر بألمانيا كانت تدير برنامجًا مماثلًا؛ فكان كلانا يأمل في جمع الأدلة حول آلية مراجعة المِنح. وأطلقت كل مؤسسة - بشكل مستقل - على برنامجها الجديد اسم "تجربة".

في يناير 2017، أطلقَت "تجربة فيلوم" دعوة للتقدّم بمقترحات أبحاث "علمية محفوفة بالمخاطر، لدرجة تجعل المتقدمين لا يفكرون عادة في تقديم هذا المشروع للحصول على تمويل لها". وخصصنا حوالي 15٪ من أموال مِنَحنا السنوية لهذا النوع من الأبحاث، واستعنَّا بمُقيّمين، رأَينا - بناءً على سُمْعتهم - أنهم سيكونون قادرين بشكل خاص على الحُكم على الأفكار المحفوفة بالمخاطر، مثل أشخاص عرفنا أنهم ناقشوا طرقًا جديدة لتمويل الأبحاث. وصنَّف هؤلاء المُقَيِّمون كل طلب قرأوه. ومُنِح كلٌّ منهم أيضًا "بطاقة ذهبية" واحدة؛ وهي بطاقة تَمنَح المُقَيِّم حق تمويل أي طلب، أيًّا كان رأي زملائه المراجعين.

بلغت معدلات التمويل في كلتا المؤسستين أكثر بقليل من 10% من الطلبات المقدَّمة، بناءً على هذه الدعوة. وشمل متلقو هذه المنح باحثين ما بعد الدكتوراة، ورؤساء أقسام، فيما كان حوالي ثلث مقدمي الطلبات الذين حصلوا على المنح تحت سن الأربعين. وحتى الآن، قدّمت مؤسسة «فيلوم» 39 منحة، تصل مدة كل منها إلى سنتين، في حين قدّم برنامج مؤسسة «فولكس فاجن» 96 منحة، تصل مدة كل منها إلى 18 شهرًا. وبشكل عام، تتراوح قيمة كل منحة ما بين 120 ألف يورو (148 ألف دولار أمريكي) إلى 25 ألف يورو. وفي نموذج مؤسسة «فيلوم»، تم تمويل 31% من المنح على أساس البطاقات الذهبية. وعلى الرغم من أن جميع منح البطاقات الذهبية سجلت نتائج أفضل من معظم المنح الأخرى في هذه الدعوة، فإن حوالي نصف هذه المنح ما كانت لتحصل على تمويل، إذا اعتمدت على الدرجات المُجمَّعة من جميع المراجعين. وفي برنامج «فولكس فاجن»، جاءت نسبة 11% من المِنَح التي حصلت على التمويل من البطاقات الذهبية، ولم تكن أي منها لتحصل على تمويل بخلاف هذه الطريقة.

وفي استبيان، قال حوالي نصف مُتلقي المنح إنه إذا لم تكن الدعوة إلى تقديم أفكار غير تقليدية مُعَمّاة، ما كانوا ليقترحوا فكرتهم الفائزة؛ فكانوا يعتقدون أنه ليس لديهم فرصة، إذا استند الحكم إلى ما سبق لهم نشره من أبحاث. ومن جانبهم، قال المراجعون إنهم أحبوا تقييم الأفكار، دون معرفة الأداء السابق لمُقدِّم الطلب.

وثمة صعوبات بسيطة، يجب التغلب عليها في هذا الشأن، إذ يخشى بعض المراجعين من أنه في حالة عدم نجاح أفكار صغار الباحثين المحفوفة بالمخاطر، يفوّت بذلك باحثون واعدون فرصة تنفيذ مشروعات أكثر تقليدية. ويُحذِّر آخرون من أن مُتلقي المنح قد لا يكونون مؤهلين لتنفيذ خططهم، لكنْ من المبكر للغاية معرفة ذلك، فنحن نريد معرفة المزيد. هذا، ويُذكر أن باب المرحلة الثانية لتقديم الطلبات تم إغلاقه في يوم 21 مارس.

في تلك الأثناء، نريد أن نتوصّل إلى طريقة لجذب المزيد من الأفكار، فسألنا مُقِّدمي الطلبات عما يمكن أن يكون قد جعل زملاءهم يحجمون عن التقدم بطلب تمويل. وشملت الإجابات عدم الارتياح للمشروعات المحفوفة بالمخاطر، ومخاوف من أن تكون قرارات التمويل اعتباطية، والخوف من أن يكون التمويل مدته قصيرة، أو غير كافٍ، وعدم القدرة على إعادة التقدّم بطلب آخر، وتصوُّر أن الأفكار ليست جيدة أو محفوفة بالمخاطر بما فيه الكفاية. وعلى الرغم من أن الأرقام قليلة جدًّا، بحيث لا يمكن التوصّل إلى نتيجة مؤكدة منها، فثمة مؤشرات تدل على أن الرجال أكثر حصولًا على التمويل. وتخطط كلتا المؤسستين لتعديل كيفية استقطاب مُقدِّمي الطلبات والمراجعين، عن طريق - على سبيل المثال - استخدام نص غير مُحدِّد لنوع الجنس في الدعوة لتقديم المقترحات. وستواصلان مراقبة التنوع.

وأكثر ما يثير اهتمامي في هذه التجربة هو إمكانية تحقيق فَهْم أفضل لمراجعة الأقران، ما يُحسِّن هذه العملية. فتستخدم مؤسسة «بيل آند ميليندا جيتس» مراجعة مُعَمّاة لتخصيص المنح في برنامجها "جراند تشالينجيز إكسبلوراشونز"، ويستخدم كذلك مجلس الأبحاث الصحية في نيوزيلندا مولد أرقام عشوائية، لترتيب مقترحات منح "إكسبلورر"، التي استوفت معايير معينة، حسب أولويتها. ومن جانبها، جمعت مؤسسة «راند» العالمية ولجنة دولية عقدتها المعاهد الكندية لأبحاث الصحة، ملخصًا لمناهج المراجعة والأدلة التجريبية - المحدودة - لهذه المناهج.

وفي صياغة جديدة لمقولة ونستون تشرشل، يمكن القول إن مراجعة الأقران للمِنَح ربما تكون أسوأ نظام، لكنها تظل أفضل من جميع الأنظمة الأخرى. وبالنظر إلى الموارد الهائلة المخصصة لهذا النظام، نحتاج إلى قاعدة أفضل من الأدلة لتوجيه تطوُّره.

توماس سينكجر أستاذ بجامعة آلبورج، ونائب أول رئيس مؤسسة «لوندبك» للمنح والجوائز في كوبنهاجن.

البريد الإلكتروني: ts@lundbeckfonden.com