أنباء وآراء

علم المناعة: الميلانين يُحفِّز دفاعات مضادة للفطريات

مواد الميلانين هي مواد صبغية غامضة، تلعب عدة أدوار. ويمكن للميلانين الموجود في الفطريات المُمْرِضة أن يساعد على عدوى المضيف. وقد أدى التعرُّف مؤخرًا على بروتين ثديي يميّز الميلانين إلى الكشف عن مسار دفاع مضاد للفطريات.

آرتورو كازادفال

  • Published online:

تُنتِج غالبية الكائنات الحية عدة أصناف من المواد الصبغية الداكنة شديدة التنوع، تُعرَف باسم مواد الميلانين، التي تقع على الحدود البيولوجية الأخيرة المتبقية لنا مع المجهول. فهذه الجزيئات من البوليمر قد تعمل بشكل وقائي أو ضار في وظائف حيوية تتنوع ما بين توفير الوقاية من الإشعاعات فوق البنفسجية المدمرة للحمض النووي1، وصولًا إلى تعزيز قوة جدران الخلايا الفطرية2. ويُزيد الميلانين من الخباثة الجرثومية3، بما في ذلك تلك الخاصة بالعديد من الفطريات المُسبِّبة للأمراض. ويمكن لوجوده أيضًا أن يثير استجابة مناعية في الكائن المصاب بالعدوى4، لكنْ لم يكن معروفًا كيف يحدث ذلك. أشار ستابرز وزملاؤه5 - في بحثهم المنشور في العدد الصادر في الأسبوع الثاني في شهر مارس من دورية Nature - إلى تعرّفهم على بروتين يمكنه تمييز نوع من الميلانين، ينتجه الفطر المسمى الرشاشية الدخناء (Aspergillus fumigatus). وتسلط النتائج التي توصلوا إليها الضوء على استجابة جهاز المناعة لعدوى فطرية يمكن أن تكون قاتلة للأشخاص ذوي الجهاز المناعي المكبوت، مثل مَن خضعوا لجراحات زراعة أعضاء6.

إنّ مواد الميلانين الصبغية هي جذور حرة ثابتة، وتُنتَج في الحيوانات والفطريات في عُضيات مرتبطة بالأغشية، تُسمَى جسيمات ميلانية، وهي التي تُحصِّن سيتوبلازم الخلية من الضرر المحتمَل لتفاعل الجذر الحر اللازم لإنتاج الميلانين. ومواد الميلانين غير قابلة للذوبان، ومقاوِمة للانحلال بفعل الأحماض. وربما تفسِّر هذه الخصائص المدهشة سبب صعوبة تحليل بِنْية هذه المواد، وعدم الفهم الكامل لها. ويمكن لخلايا المضيف المناعية أن تُحفِّز مسارات لتأشير الخلايا، قد تكون ضارة في الفطريات، لكنْ يمكن للميلانين الفطري إبطال مفعول هذه الهجمات، ما يقلل أيضًا من سرعة التأثر بالعقاقير المضادة للفطريات3.

ويُطلَق على المرض الذي يصيب البشر من جَرّاء الفطريات من جنس الرشاشية اسم داء الرشاشيات. وإذا تمكنت عدوى بالرئة من شخص استنشق أبواغ فطر الرشاشية الدخناء؛ فيمكن أن تتسبب في عدوى تنتشر في أماكن أخرى بالجسم. وعندما تصاب الرئة بعدوى فطر الرشاشية الدخناء، يمكن أن تُحفِّز الخلايا المضيفة مسارًا للانحطاط الخلوي، يُسمَّى الالتهام الذاتي الخلوي، يساعد على تدمير الفطر، لكن الميلانين الفطري يمكن أن يثبط الالتهام الذاتي الخلوي7، بالإضافة إلى ارتباط الميلانين بالالتهاب.

تثير قدرة الميلانين على استهداف دفاعات المضيف والدور الذي يلعبه الجزيء في خباثة الفطر التساؤل حول إمكانية تعرُّف خلايا الثدييات على الميلانين. وقد تحقق ستابرز وزملاؤه من ذلك عن طريق دراسة أعضاء عائلة بروتين اللِّكْتين من النوع (سي)، التي سبق التعرُّف على وجود دور لها في الدفاع المضاد للفطريات8. وباتباع منهج كيميائي حيوي في المختبر، اختبر مؤلفو الدراسة ما إذا كان لدى أيٍّ من بروتينات اللِّكْتين من النوع (سي) - المأخوذة من فئران - القدرة على ربط أبواغ فطرية من الرشاشية الدخناء، أم لا. وقد تمكّن أحد البروتينات التي اختبروها من فعل ذلك، وأطلقوا عليه اسم "ميل ليك" MelLec.

اختبر مؤلفو الدراسة سلالات من الرشاشية الدخناء تحتوي على طفرات تعوق خطوات في مسار تخليق الميلانين، وتوصلوا إلى أن بروتين "ميل ليك" يتعرف على ميلانين 1،8-ثنائي هيدروكسي النفثالين، بينما لم يتعرف على الأنواع الأخرى من الميلانين، التي خضعت للاختبار، وترتبط بمرض فطري.

ووجد مؤلفو الدراسة أن بروتين "ميل ليك" في الفئران يتم التعبير عنه في الخلايا البِطانية التي تُبطِّن سطح الأوعية المكوّنة للجهاز الدوري. ويشير ذلك إلى أنه يستجيب للعدوى بعد اختراق الرشاشية الدخناء لدفاعات الرئة في أكياس ممتلئة بالهواء، تُسمَى الأسناخ، وتَقدُّمها في الجسم لتصل إلى الجهاز الدوري (الشكل 1). وفي البشر، يتم التعبير عن بروتين "ميل ليك" في الخلايا البِطانية، وفي نوع من الخلايا المناعية، يُعرَف باسم الخلية النقوية9.

الشكل 1: مستقبِل يتعرف على الميلانين، ويُحفِّز دفاعات مضادة للفطريات

(أ) يمكن أن تكون العدوى بفطر الرشاشية الدخناء قاتلة لبعض الأشخاص ذوي الأجهزة المناعية الضعيفة6. وجدير بالذكر أن الكثير من جوانب استجابة الجهاز المناعي بالجسم لمثل هذه الأنواع من العدوى غير معروف. وتحتوي أبواغ الرشاشية الدخناء على الميلانين، ويمكنها إصابة الأكياس المملوءة بالهواء في الرئة، المسماة بالأسناخ بالعدوى. وباستخدام الفئران، درس ستابرز وآخرون5 عائلة من البروتينات مرتبطة بالدفاعات المضادة للفطريات8، تُسمَّى "لِكتينًا" من النوع (سي)، وتوصلوا إلى دليل على أن أحد هذه البروتينات - أَطلق عليه المؤلفون اسم "ميل ليك" - يمكنه ربط نوع من صبغة الميلانين الموجودة في الفطريات. ويمكن لبروتين "ميل ليك" أن يستشعر وجود صبغة الميلانين في الخلايا المبطنة للأوعية الدموية، لكنه غير معلوم كيف يصل الميلانين إلى "ميل ليك". (ب) في الوقت الذي تتطور العدوى فيه، تكّون الأبواغ النابتة نتوءات خلوية. ويُحفز تعرُّف "ميل ليك" على الميلانين تخليق جزيئات السيتوكين، التي يمكن أن تجذب الخلايا المناعية المسماة بالعَدلات. ويمكن للعَدلات حينئذٍ الدخول إلى الأسناخ، واستهداف العدوى.

(أ) يمكن أن تكون العدوى بفطر الرشاشية الدخناء قاتلة لبعض الأشخاص ذوي الأجهزة المناعية الضعيفة6. وجدير بالذكر أن الكثير من جوانب استجابة الجهاز المناعي بالجسم لمثل هذه الأنواع من العدوى غير معروف. وتحتوي أبواغ الرشاشية الدخناء على الميلانين، ويمكنها إصابة الأكياس المملوءة بالهواء في الرئة، المسماة بالأسناخ بالعدوى. وباستخدام الفئران، درس ستابرز وآخرون5 عائلة من البروتينات مرتبطة بالدفاعات المضادة للفطريات8، تُسمَّى "لِكتينًا" من النوع (سي)، وتوصلوا إلى دليل على أن أحد هذه البروتينات - أَطلق عليه المؤلفون اسم "ميل ليك" - يمكنه ربط نوع من صبغة الميلانين الموجودة في الفطريات. ويمكن لبروتين "ميل ليك" أن يستشعر وجود صبغة الميلانين في الخلايا المبطنة للأوعية الدموية، لكنه غير معلوم كيف يصل الميلانين إلى "ميل ليك". (ب) في الوقت الذي تتطور العدوى فيه، تكّون الأبواغ النابتة نتوءات خلوية. ويُحفز تعرُّف "ميل ليك" على الميلانين تخليق جزيئات السيتوكين، التي يمكن أن تجذب الخلايا المناعية المسماة بالعَدلات. ويمكن للعَدلات حينئذٍ الدخول إلى الأسناخ، واستهداف العدوى.

كبر الصورة

© Replace me

عَدَّل مؤلفو الدراسة عددًا من الفئران التي تفتقر إلى بروتين "ميل ليك" وراثيًّا. بدت تلك الفئران طبيعية، لكنْ بعد علاجها بجزيئات؛ لاستثارة كبت مناعي، وحقن أبواغ الرشاشية الدخناء في مجرى دمها؛ كانت أكثر قابلية للإصابة بالعدوى من نظيراتها من النمط البري، التي خضعت لنفس العلاج. فقد نتج عن الإدخال المباشر للرشاشية الدخناء إلى رئة الفئران التي تفتقر إلى "ميل ليك" دخول عدد أقل من خلايا مناعية تُسمَّى "العَدِلات" إلى الرئة، مقارنةً بالفئران من النمط البري، ما يشير إلى أن تعرُّف "ميل ليك" على الميلانين يساعد على استجلاب العَدِلات إلى مواضع العدوى. وقد توصل مؤلفو الدراسة إلى أن النقص في استجلاب العَدِلات في الفئران المفتقرة إلى بروتين "ميل ليك" ارتبط بتعبير أقل للجزيئات الجاذبة للعَدِلات، التي تُسمَّى السيتوكينات.

وبالرغم من سعة انتشار الرشاشية الدخناء في البيئة، فإنه ليس كل مصاب بخلل في المناعة يُصاب بداء الرشاشيات، ما يشير إلى أن بعض الأشخاص معرَّضون للعدوى أكثر من غيرهم. وللتحقق من ذلك، فحص ستابرز وزملاؤه أشخاصًا، لديهم حالة كبت مناعي، تالية لعملية زراعة أعضاء. فمَن كانت لديهم نسخة طافرة من بروتين "ميل ليك"، حلّ فيها الألانين محل نوع معين من بقايا حمض الجليسين الأميني، كانوا أكثر قابلية للإصابة بالعدوى بالرشاشية الدخناء ممن كانوا يحملون النوع الطبيعي من هذا البروتين. وكشف تحليل للخلايا البشرية في المختبر عن أن هذه الطفرة مرتبطة بنقص في إنتاج السيتوكين، كرَدّ فعل للتعرض للفطريات، بالمقارنة بإنتاج السيتوكين في الخلايا ذات النسخة الطبيعية من بروتين "ميل ليك".

ويشير التعرُّف على طفرة بروتين "ميل ليك" المرتبطة بقابلية الإصابة بعدوى فطرية إلى تطبيق إكلينيكي فوري للتعرُّف على المرضى المعرضين لخطر كبير بالإصابة بعدوى الرشاشية، الذين يمكنهم تحقيق أقصى استفادة من العلاجات المضادة للفطريات. وبالإضافة إلى ذلك، يمكن للأفراد الذين يتمتعون بجهاز مناعة فعّال أن يصابوا بِرَدّ فعل مفرط في الحساسية للرشاشية، فيما يُعرَف بداء الرشاشيات الرئوي الأرجي، وقد تكون طفرات أخرى في بروتين "ميل ليك" مسؤولة عن هذه القابلية.

وكما هو الحال في كل الدراسات العلمية الجيدة، فالإجابة عن سؤال ما إذا كان الجسم يمكن أن يستشعر الميلانين أم لا، تطرح العديد من التساؤلات الإضافية. فعلى سبيل المثال، كيف تصل صبغة الميلانين الموجودة على الأبواغ في الأسناخ إلى بروتين "ميل ليك" على خلايا واقعة في عمق داخلي أكبر؟ ربما عندما تنبت الأبواغ وتُكوّن نتوءات خلوية، تتسبب هذه النتوءات في الإضرار بالأسناخ، وتُمكّن الأبواغ من الوصول إلى الأوعية الدموية. وثمة احتمال آخر بأن تبتلع الخلايا البلعمية في جهاز المناعة هذه الأبواغ، وتنقلها10.

قد يُعَد عمل ستابرز وزملائه إيذانًا ببدء عهد جديد لاكتشاف المزيد من الجزيئات الرابطة للميلانين. فميلانين ل-دوبا (L-Dopa) وأنواع أخرى من الميلانين تُنشِّط الالتهاب4. ولذا، يبدو من المعقول تصوُّر أن تتعرف عليها بروتينات مضيفة لم تُكتشفَ بعد. وإضافة إلى ذلك، يمثّل "ميل ليك" هدفًا لتطوير الدواء، لأن العقاقير التي تعزز نشاطه قد تقوِّي استجابات جهاز المناعة لعدوى الرشاشية.

ومثل اكتشاف البروتينات المستقبلة، شبيهة الجين العظيم، التي تستشعر وجود عدوى جرثومية في ذبابة الفاكهة (Drosophila melanogaster)، جاء اكتشاف ستابرز وزملائه لأول مستقبل ميلانين يُعرَف على الإطلاق، نتيجة لدراسات العدوى الفطرية في الحيوانات النموذجية. وفي الوقت الذي يزداد فيه حثّ الباحثين على التركيز على دراسات تكون ذات أهمية إكلينيكية مباشرة، مِن المهم تذكُّر أن العمل الذي يُحدِث تغييرًا يبدأ عادةً بأنظمة نموذجية. وبما أن الفطريات من مسبِّبات الأمراض الرئيسة التي تستهدف اللافقاريات، فربما توجد نظائر لبروتين "ميل ليك" في نماذج حيوانية، مثل ذبابة الفاكهة، ودودة الربداء الرشيقة (Caenorhabditis elegans)، ما يفتح المجال أمام استخدام هذه الكائنات الحية لإجراء مزيد من الدراسات لهذه الظاهرة. فقد تعزِّز هذه الدراسات وغيرها من الدراسات الأخرى - التي تستند إلى عمل ستابرز وزملائه - من فَهْمنا لآليات دفاع المضيف. 

References

  1. Wang, Y. & Casadevall, A. Appl. Environ. Microbiol. 60, 3864–3866 (1994). 
  2. Brush, L. & Money, N. P. Fungal Genet. Biol. 28, 190–200 (1999). | article
  3. Nosanchuk, J. D. & Casadevall, A. Antimicrob. Agents Chemother. 50, 3519–3528 (2006). | article
  4. Mednick, A. J., Nosanchuk, J. D. & Casadevall, A. Infect. Immun. 73, 2012–2019 (2005). | article
  5. Stappers, M. H. T. et al. Nature 555, 382–386 (2018). | article
  6. Upton, A., Kirby, K. A., Carpenter, P., Boeckh, M. & Marr, K. A. Clin. Infect. Dis. 44, 531–540 (2007). | article
  7. Chamilos, G. et al. Autophagy 12, 888–889 (2016). | article
  8. Hardison, S. E. & Brown, G. D. Nature Immunol. 13, 817–822 (2012). | article
  9. Sobanov, Y. et al. Eur. J. Immunol. 31, 3493–3503 (2001). 
  10. Shah, A. et al. Am. J. Respir. Crit. Care Med. 194, 1127–1139 (2016). | article

آرتورو كازادافال يعمل في قسم علم الأحياء الدقيقة الجزيئي والمناعة بكلية بلومبرج للصحة العامة في جامعة جونز هوبكنز، بالتيمور، ميريلاند 21205، الولايات المتحدة الأمريكية.

البريد الإلكتروني: acasade1@jhu.edu