أنباء وآراء

علم الأعصاب: من طفرة في الأَجِنَّة إلى تنكُّس في البالغين

تُسبِّب الطفرات في سلائف خلايا الدم الجنينية - المعروفة باسم الأسلاف النخاعية الحمراء - تنشيطًا غير عادي للخلايا المتَحَدِّرَةِ منها، وهي خلايا مناعية تُسمَى الخلايا الدبقية؛ ما يؤدي إلى التنكُّس العصبيّ في الفئران.

ستيفان بي. ترناوسكي، وميرفن سي. يودر  
  • Published online:

تستطيع الخلايا الجذعية المُكوِّنة للدم في الجنين أن تُنتِج كل سلالات خلايا الدم، لكن ليس كل خلايا الدم تتوّلد من الخلايا الجذعية المُكوِّنة للدم (HSCs)، فالأسلاف النخاعية الحمراء (EMPs) - على سبيل المثال - تظهر في تركيب جنينيّ، يُسمَى "الكيس المُحّيّ"، قبل أن توجد الخلايا الجذعية المُكوِّنة للدم، وتُنتِج هذه الأسلاف سلالات متنوعة من خلايا الدم الضرورية للبقاء1. وبالإضافة إلى دورها في عملية النمو، تُنتِج هذه الخلايا مجموعة مُعمِّرة من خلايا مناعية بالغة من السلالة النخاعية، تُسمَى الخلايا البلعمية النسيجية المتولِّدة من الأسلاف النخاعية الحمراء2-4. وتوجد هذه الخلايا في كثير من الأنسجة البالغة، مثل المخ، والقلب، والجلد، ويمكن أن توجد جنبًا إلى جنب مع الخلايا البلعمية المتولِّدة من الخلايا الجذعية المُكوِّنة للدم، وهي الحقيقة التي دفعت بعض الباحثين إلى التفكير في إمكانية أن تكون لهاتين المجموعتين من الخلايا الجنينية أدوار مختلفة في حالات المرض لدى البالغين6،5. وقد قدَّم ماس وآخرون7 - في بحث منشور في سبتمبر الماضي في دورية Nature - دعمًا حاسمًا لهذه الفرضية.

تمثّل حالات "كثرة المُنسِجات" مجموعة من الأمراض التي تتسم بوفرة الخلايا البلعمية، أو الخلايا المناعية المعروفة باسم الخلايا التغصّنية7. ويمكن أن تؤثر كثرة المُنسِجات على أعضاء متنوعة، مثل العظم، والجلد، والطحال. أما تأثيرها على الجهاز العصبيّ المركزيّ، فهو نادر، وليس من السهل التنبؤ به8. وأحد الأسباب الشائعة لكثرة المُنسِجات8 هو استبدال حمض أمينيّ واحد في جين BRAF. وتسبِّب الطفرة الناتجة عن هذا الاستبدال - التي تُسمَى BRAFV600E - فرطًا في نشاط التأشير عبر مسارات بروتين RAS، ما يؤدي إلى التكاثر المفرط للخلايا. ومن المثير للاهتمام أن هذه الطفرة - رغم وجودها في حالات لوكيميا الخلايا المُشعِّرة (وهو سرطان يُصيب خلايا الدم البيضاء المعروفة باسم "الخلايا البائية") - لم تُرصَد في حالات اللوكيميا النخاعية10،9، التي تشمل الخلايا النخاعية. والمُعَدَّل المختلف لطفرات BRAFV600E في حالات كثرة المُنسِجات واللوكيميا النخاعية يشير إلى أنه رغم كون هذين النوعين من أمراض خلايا الدم التي تصيب الخلايا النخاعية، فإنهما قد تكون لهما أصول مختلفة فيما يتعلق بالخلايا والنمو.

وللتحقق من إمكانية أن تكون كثرة المُنسِجات ناتجة عن خلايا متولِّدة من الأسلاف النخاعية الحمراء، أنتج ماس وزملاؤه عيِّنة من فئران مُعدَّلة وراثيًّا، احتوت فيها الأسلاف النخاعية الحمراء وحدها على طفرة BrafV600E. وبرصد الخلايا التي تُعبِّر عن هذه الطفرة باستخدام واسم فلوري، تأكَّد المؤلفون من خلو الخلايا الجذعية المُكوِّنة للدم من الطفرة. ولم يبد على الفئران، التي تُعبّر فيها الأسلاف النخاعية الحمراء عن طفرة  BrafV600E، أي دليل على المرض قبل الولادة، أو بعدها مباشرةً، لكن الأسلاف النخاعية الحمراء الطافرة أنتجت مجموعات منتشرة من الخلايا البلعمية، منها تلك الموجودة في الجهاز العصبي المركزيّ، المعروفة باسم الخلايا الدبقية، فيما يُعَد مؤشرًا على كثرة المُنسِجات. وقد تكاثرت الخلاي الدبقية الطافرة في الفئران التي يبلغ عمرها شهرًا واحدًا بمعدلات أكبر، وتعرضت للموت الخلويّ المبرمَج بمعدلات أقلّ، مقارنةً بما حدث للخلاي الدبقية المتولِّدة من الأسلاف النخاعية الحمراء في فئران المجموعة الضابطة. ولاحقًا، طوَّرت الفئران الطافرة خللًا عصبيًّا متفاقمًا، اتسم بضعف العضلات، وخلل التنسيق الحركيّ، وفقدان الاستجابات الانعكاسية، ونهاية المطاف، شلل الأطراف.

لاحظ ماس وزملاؤه أن الخلايا الدبقية الطافرة اتخذت شكلًا مستديرًا يدلّ على التنشيط، ووجدوا دلائل على تنكُّس عصبيّ في الخلايا القريبة؛ وهو ترسيب بروتين أسلاف الأميلويد، ونقص الخلايا العصبية، وضرر ملحوظ في الغمد النخاعيّ الواقي المحيط بها، وزيادة عدد الخلايا النجمية الداعمة للخلايا العصبية (شكل 1). تشير هذه النتائج إلى أن العناصر التي أفرزتها الخلايا الدبقية الطافرة المُنشَّطة هي السبب وراء المرض. وقد أجرى مؤلفو الدراسة - في الحقيقة - تحليلًا لعملية التعبير الجينيّ، أثبت حدوث زيادة في العديد من واسمات التنكُّس العصبيّ في الجهاز العصبيّ المركزيّ للفئران الطافرة. تشمل هذه الواسمات الوسائط الداعمة للالتهاب، مثل مادة إنترلوكين 1-بيتا (IL-1β)، وإنترلوكين 17-ألفا (IL-17α)، وعوامل النمو التي ترسل إشاراتها عبر مسار RAS، والبروتينات المرتبطة بالنسيج خارج الخلية الذي يحيط بالخلايا.

شكل 1. الآثار المرتبطة بالخلايا للطفرات في بروتين BRAF

أ، تنشأ خلايا الجهاز الدوريّ الدمويّ البالغ من كل من الخلايا الجذعية المكوّنة للدم (HSCs)، التي تنشأ في الأجنة، والأسلاف النخاعية الحمراء (EMPs)، التي تنشأ في تركيب جنينيّ داعم، يُسمَّى الكيس المُحيّ. وفي حالة احتواء الخلايا الجذعية المكوّنة للدم في الفئران على طفرات في جين Braf، تموت الفئران قبل الولادة، أو تكون أورامًا في الخلايا النخاعية في الطحال، أو الرئة، أو نخاع العظم (تظهر الرئة فقط في الشكل). ب، يشير ماس وآخرون7 إلى أنّ الطفرة نفسها في جين Braf تُسبِّب تنكُّسًا عصبيًّا عند التعبير عنها في الأسلاف النخاعية الحمراء. تُوَلِّد الخلايا خلايا مناعية طافرة خاصة بالمخ، تُسمَّى الخلايا الدبقية. وتتكاثر الخلايا الدبقية الطافرة البالغة بمعدلات أكثر من الخلايا الطبيعية، وتفرز بروتينات ذات صلة بالتنكُّس العصبيّ، تشمل IL-1β، وIL-17α. ويرتبط هذا التغيّر في الخلايا الدبقية بدلائل أخرى للتنكُّس العصبيّ في الخلايا العصبية القريبة، وما حولها، مثل تراكم بروتين أسلاف الأميلويد (APP)، وتكاثر الخلايا النجمية الداعمة، وتنكُّس الغمد النخاعيّ العازل، وموت الخلايا العصبية.

أ، تنشأ خلايا الجهاز الدوريّ الدمويّ البالغ من كل من الخلايا الجذعية المكوّنة للدم (HSCs)، التي تنشأ في الأجنة، والأسلاف النخاعية الحمراء (EMPs)، التي تنشأ في تركيب جنينيّ داعم، يُسمَّى الكيس المُحيّ. وفي حالة احتواء الخلايا الجذعية المكوّنة للدم في الفئران على طفرات في جين Braf، تموت الفئران قبل الولادة، أو تكون أورامًا في الخلايا النخاعية في الطحال، أو الرئة، أو نخاع العظم (تظهر الرئة فقط في الشكل). ب، يشير ماس وآخرون7 إلى أنّ الطفرة نفسها في جين Braf تُسبِّب تنكُّسًا عصبيًّا عند التعبير عنها في الأسلاف النخاعية الحمراء. تُوَلِّد الخلايا خلايا مناعية طافرة خاصة بالمخ، تُسمَّى الخلايا الدبقية. وتتكاثر الخلايا الدبقية الطافرة البالغة بمعدلات أكثر من الخلايا الطبيعية، وتفرز بروتينات ذات صلة بالتنكُّس العصبيّ، تشمل IL-1β، وIL-17α. ويرتبط هذا التغيّر في الخلايا الدبقية بدلائل أخرى للتنكُّس العصبيّ في الخلايا العصبية القريبة، وما حولها، مثل تراكم بروتين أسلاف الأميلويد (APP)، وتكاثر الخلايا النجمية الداعمة، وتنكُّس الغمد النخاعيّ العازل، وموت الخلايا العصبية.

كبر الصورة

يُعَد باحثو هذه الدراسة أول مَن يثبت أن الطفرات الجنينية في الأسلاف النخاعية الحمراء يمكن أن تُسبِّب مرض تَّنكُّسي عصبيّ بعد الولادة في الفئران. وتشدِّد استنتاجاتهم على ضرورة أخذ بداية عملية النمو في الاعتبار عند دراسة الاضطرابات التي تسببها خلايا الدم. وإضافةً إلى ذلك، يلقي المؤلفون الضوء على الاستجابات المختلفة لسلالات خلايا الدم المختلفة للطفرات المسبِّبة للسرطان، فبينما أدى التعبير عن طفرة BrafV600E في الأسلاف النخاعية الحمراء إلى حدوث التنكُّس العصبي، تسببت الطفرة ذاتها المُعبَّر عنها في الخلايا الجذعية المكوِّنة للدم في الفئران في وفيات في مرحلة ما قبل الولادة، أو أورام بالخلايا النخاعية في أنسجة متنوعة، شملت الطحال، والرئتين، ونخاع العظم. وتشير هذه النتيجة إلى أن سلالة الأسلاف النخاعية الحمراء قد تكون مقاوِمة للتحول السرطانيّ. وسيلزم إجراء مزيد من الأبحاث؛ للتعرف على خواص الأسلاف النخاعية الحمراء التي تقوم بهذه المقاومة؛ فقد يمكن استخدام هذه المعرفة؛ لتحفيز إشارات واقية مماثِلة في خلايا الدم المتوّلدة من الخلايا الجذعية المُكوِّنة للدم.

والوقوف تحديدًا عند دور الأدلة الشاذة المتعلقة بالنمو في هذه العملية، يعد من الخطوات التالية الضرورية لفهْم كيف تتسبب الخلايا المتولِّدة من الأسلاف النخاعية الحمراء في إحداث التنكُّس العصبيّ. على سبيل المثال، هل يمكن لطفرات BrafV600E التي تحدث بعد الولادة في الخلايا الدبقية أن تؤدي أيضًا إلى ضعف في الأطراف، واختلاج الحركة التدريجي، أم أن هذه الأعراض تعتمد على بدء نمو الجهاز العصبيّ المركزيّ قبل الولادة، في ظل وجود خلايا دبقية طافرة؟ إن الكشف عن مرحلة النمو، التي تكون فيها الخلايا الدبقية عرضةً لآثار الطفرات، سوف يُحَسِّن فهْمَنا لنشوء المرض، ويساعد على تحديد الفرص المحتملة للتدخّل العلاجيّ.

"تُشَدِّد استنتاجاتُ مؤلفي الدراسة على ضرورة أخْذ بداية عملية النمو في الاعتبار عند دراسة الاضطرابات التي تسبِّبها خلايا الدم."

يمكن للنتائج التي توصّل إليها ماس وزملاؤه أن تساعد في تشخيص اضطرابات التنكُّس العصبيّ التي تسببها الأسلاف النخاعية الحمراء. فقد حدد ماس وزملاؤه أكثر من ثمانية آلاف جين، تم التعبير عنها في الخلايا الدبقية الطافرة على نحو يختلف عن التعبير عنها في الخلايا الدبقية بالمجموعة  الضابطة. ويمكن للمزيد من التحليل لهذه المجموعة من الجينات أن يُتِيح التعرُّف على بصمة مُتفرِّدة للتعبير الجينيّ في اضطرابات التنكُّس العصبيّ في المرحلة الجنينية. ويبيّن المؤلفون أيضًا أنه، بالإضافة إلى إحداث عيوب في الجهاز العصبيّ المركزيّ لفئران الدراسة، تسببت الأسلاف النخاعية الحمراء الطافرة في ظهور خلايا بلعمية شاذّة في الطحال، والكبد، والرئتين. ويشير ذلك إلى أنه قد يمكن جمْع عينات من الخلايا البلعمية من أنسجة غير أنسجة الجهاز العصبيّ المركزيّ، يَسهُل أكثر الوصول إليها؛ للبحث عن واسمات حيوية تُفِيد في تشخيص الأمراض المرتبطة بالخلايا الدبقية.

إن الأسلاف النخاعية الحمراء عامل مهم وغير مُستكشَف على نحوٍ كافٍ في إحداث اضطرابات التنكُّس العصبيّ. والتحدي الذي يواجهنا الآن هو ترجمة هذا الاكتشاف إلى علاجات. وتشير اكتشافات ماس وزملائه إلى استراتيجيتين، يمكن اتباعهما في هذا الشأن، الأولى: هي أن العلاج المُوجَّه الذي يستهدف جزيئات التأشير الأساسيةَ قد يؤخِّر بدء ظهور الأعراض. وقد أوضح مؤلفو الدراسة أن إعاقة تأشير RAS مُفرط النشاط باستخدام مُثبِّط طفرة BRAFV600E يمكن أن يؤخر بدء العيوب العصبيةَ في الفئران الطافرة. وإضافة إلى ذلك، حلل المؤلفون عدة عينات مأخوذة من الجهاز العصبيّ المركزيّ لمرضى مصابين بحالات كثرة المُنسِجات، ووجدوا أوجه تشابه ملحوظة بينها وبين العينات المأخوذة من فئران التجارب، بما في ذلك تنشيط الخلايا الدبقية، وتأشير RAS مفرط النشاط، والتعبير المفرط عن جزيئات التأشير الداعمة للالتهاب، التي تشمل IL-1β، وIL-17α. يدعم هذه الاستراتيجية أن بعض المصابين بأمراض الجهاز العصبيّ المركزيّ المرتبطة بكثرة المنسجات أظهروا استجابات واعدة لتثبيط 12،11الطفرة BRAFV600E. ونأمل في أن تُقَيِّم الدراسات المستقبلية المنضبطة فاعلية هذا الأسلوب، وتحدِّد المرضى الذين يمكن أن يستفيدوا منه.

أما الاستراتيجية الثانية، وهي الأكثر إثارة للاهتمام، فتتمثّل في زيادة استكشاف الاختلافات بين الأسلاف النخاعية الحمراء، والخلايا الجذعية المكوّنة للدم، التي تعبّر عن طفرة BRAFV600E. ويستند هذا الأسلوب إلى عمق فهْمنا لنمو خلايا الدم؛ لمعرفة الأهداف الجزيئية المميزة للأسلاف النخاعية الحمراء. ويمكن لمثل هذه المعرفة أن تقود إلى التوصل إلى علاجات شديدة التخصص، تحافظ على الخلايا الجذعية المكوّنة للدم، وتنحصر آلية عملها في الأسلاف النخاعية الحمراء، أو الخلايا الدبقية.

References

  1. Palis, J. FEBS Lett.590, 3965–3974 (2016). | article
  2. Schulz, C. et al. Science336, 86–90 (2012). | article
  3. Gomez Perdiguero, E. et al. Nature518, 547–551 (2015). | article
  4. Epelman, S. et al. Immunity40, 91–104 (2014). | article
  5. Chan, R. J. & Yoder, M. C. Blood 121, 4815–4817 (2013). | article
  6. Li, Z. et al. Nature Genet. 37, 613–619 (2005). | article
  7. Mass, E. etal. Nature549, 389–393 (2017). | article
  8. Emile, J.-F. et al. Blood127, 2672–2681 (2016). | article
  9. Tiacci, E. et al. N. Engl. J. Med. 364, 2305–2315 (2011). | article
  10. Trifa, A. P. et al. Leuk. Lymphoma53, 2496–2497 (2012). | article
  11. Idbaih, A. et al. Neurology83, 1478–1480 (2014). | article
  12. Hyman, D. M. et al. N. Engl. J. Med. 373, 726–736 (2015). | article 

ستيفان بي. ترناوسكي، وميرفن سي. يودر

يعملان بقسم طب الأطفال في كلية الطب بجامعة إنديانا في مدينة إنديانابوليس، إنديانا 46202، الولايات المتحدة الأمريكية.

البريد الإلكتروني: myoder@iu.edu