أخبار

كيف شَكَّل التطوّرُ المرضَ العقليّ

الدراسات الجينية تكشِف تأثير البيئات السالفة على تطوّر الأمراض العقلية.

سارة ريردون

  • Published online:
Lorem ipsum dolor sit amet, consectetur adipiscing elit, sed do eiusmod tempor incididunt ut labore et             dolore magna aliqua.

Getty Images/iStockphoto/ Thinkstock Images

يمكن للاضطرابات النفسية أن تكون موهِنة، وكثيرًا ما تنطوي على عنصر وراثيّ، بيد أن التطوّر لم يستأصلها. بدأت الأبحاث في الوقت الحالي في الكشف عن دور الانتقاء الطبيعيّ في هذه الاضطرابات، مقدِّمةً نظرةً على كيفية تغيُّر الأسس الوراثية للمرض العقليّ بمرور الوقت.

إنّ الكثير من الاضطرابات النفسية عديد الجينات؛ إذ يمكن لهذه الاضطرابات أن تنطوي على المئات أو الآلاف من الجينات وطفرات الحمض النوويّ. لذا، قد يكون من الصعب تتبُّع كيف تطوّرت كل هذه المناطق الجينية المتعددة. وتتطلب الدراسات من هذا النوع مجموعات كبيرة من بيانات الجينوم، لكنّ ظهور قواعد بيانات الجينوم البشرية الضخمة يُمكِّن الباحثين من البحث عن الارتباطات المحتمَلة بين الأمراض العقلية، والظروف البيئية والاجتماعية التي ربما تكون قد أدّت إلى ظهور هذه الأمراض وتطوّرها. ويبحث آخرون في التسلسلات الجينية لإنسان النياندرتال؛ لفَهْم هذه الاضطرابات - إلى جانب القدرات المعرفية - عند البشر. وقد عرضت عدة أفرقة النتائجَ التي توصّلت إليها في اجتماع "الجمعية الأمريكية لعلم الوراثة البشرية" في أورلاندو بولاية فلوريدا في أواخر أكتوبر 2017. 

توصّلت إحدى الدراسات إلى أن التطوّر انتقى متغيرات من الحمض النوويّ، يُعتقَد أنها تحمي من الفُصام. بحثت الدراسة - التي قادتها باربرا سترينجر، عالمة الوراثيات السكانية بجامعة شيكاغو في إلينوي - مئات الآلاف من الجينومات البشرية، باستخدام طريقة إحصائية حددت إشارات الانتقاء على مدار الألفي سنة الماضية (Y. Field et al. Science 354, 760–764; 2016). ولم توجد علامات تدلّ على الانتقاء في المناطق الجينية المرتبطة بأي مرض عقليّ آخر.

وعلى الرغم من انتقاء الحماية من الفُصام، استمرت هذه الحالة المرضية، لكن لسبب غير واضح. يقول برنارد كريسبي، عالم الأحياء التطوريّة بجامعة سيمون فريزر في برنابي بكندا، إنّ العديد من أعراض الفُصام، مثل التعرض للهلاوس السمعية والجُمَل المرتبكة، تشترك فيها مناطق في الدماغ مرتبطة بالكلام. ويضيف برنارد قائلًا إنه على مدى التطور البشريّ، كان من الممكن لمزايا القدرة على الكلام أن تتفوق على الاحتمال الضئيل بحدوث خلل وظيفيّ في الجينات المشارِكة في اللغة، وتسببها في الإصابة بالفُصام عند نسبة صغيرة من البشر.

ويحاول فريق آخر - بقيادة عالِم الوراثة البشرية ريناتو بوليمانتي في جامعة ييل في نيو هيفن بولاية كونيتيكت - استنباط الروابط بين العوامل البيئية، والأمراض العقلية، والسمات السلوكية. فقد فحص بوليمانتي وزملاؤه 2,455 عينة حمض نوويّ من أفراد في 23 موقعًا بأنحاء أوروبا، وحددوا عند كل شخص مجمل الاحتمالات الوراثية للإصابة بحالات، مثل التوحد، وسمات الشخصية، مثل الانبساط. بعد ذلك، حسب العلماء ما إذا كان هذا الخطر مرتبطًا بعوامل بيئية معينة، مثل هطول الأمطار، أو درجات الحرارة في فصل الشتاء، أو انتشار الأمراض المعدية، مستكشفين احتمال أن يكون لهذه العوامل دور في انتخاب السمات البشرية.

وجد الباحثون أن الناس في بعض أنحاء أوروبا - التي تتميز بدرجات حرارة منخفضة نسبيًّا في الشتاء - كانوا أكثر عرضة بعض الشيء للإصابة بالفُصام من الناحية الوراثية. ويرى بوليمانتي أنه إذا كانت الجينات التي ساعدت الناس على تحمُّل البرد قد وُجِدت بالقرب من المتغيرات التي ساعدت على الإصابة بالفُصام، ربما تكون الجينات المرتبطة بالفُصام قد انتقلت سهوًا في أثناء التطوّر، بوصفها "مرافقة في الرحلة". 

ويقول توني كابرا، أخصائي علم الوراثة التطوريّ في جامعة فاندربيلت في ناشفيل بولاية تينيسي: "كانت هذه محاولة أولى جيدة لتوضيح بعض السياق البيئيّ" للمتغيرات الجينية المرتبطة بالأمراض العقلية. ويخطط بوليمانتي لتكرار الدراسة في مناطق أخرى.

 

مع.. وضِدّ

بالرغم مما سبق، فإن الكشف عن أدوار علم الوراثة والبيئة سيكون صعبًا، لأن ظروف الماضي البيئية غير المعروفة ربما انتقت سمات كانت مفيدة في ذلك الوقت، لكنها تُعتبر غير نافعة اليوم. وربما كانت لعوامل تطورية أخرى تأثيرات غير مباشرة على هذا الأمر، إذ يُعتقد أن الجهاز المناعي مفرط النشاط له دور في اضطرابات معينة، مثل الاكتئاب، لكن جهازًا مناعيًّا أقوى كان من شأنه أن يجعل أسلاف الإنسان أكثر مقاومة للأمراض، حسب قول سترينجر. 

ويَستكشِف بعض الباحثين تطوّر المرض العقليّ، عن طريق بحث الاختلافات الممكنة في النشاط الجيني في أنسجة إنسان النياندرتال والبشر. وعمدت مجموعةٌ يقودها كابرا ولورا كولبران - أخصائية علم الوراثة في فاندربيلت - إلى استخدام قواعد بيانات جينوم الإنسان الحديث؛ للبحث عن واسمات حمض نوويّ، تشير إلى جين مختلف التنظيم في أنسجة الجسم المختلفة. وبحثوا بعد ذلك عن هذه الواسمات في اثنين من جينومات إنسان النياندرتال. ووجد الفريق أن الجينات المرتبطة بالتطوّر العصبيّ كان تنظيمها مختلفًا بين دماغ إنسان النياندرتال، والدماغ البشري.  

يمكن لهذه النتائج أن تؤدي في نهاية المطاف إلى فهم أفضل لطريقة عمل دماغ إنسان النياندرتال، مقارنةً بأدمغة البشر، وما إذا كان قد عانى من اضطرابات نفسية مماثلة، أم لا.

إنّ دراسة كيفية تطوُّر المرض العقليّ لا تزال في مراحلها المبكرة، لكنّ القدرة على استخدام قواعد البيانات الضخمة للجينوم البشريّ تُعَدّ خطوة مثيرة إلى الأمام، وفقًا لقول كابرا، الذي سيستفيد هو وزملاؤه من ذلك، عن طريق مسح المناطق الجينية التي تختلف بين إنسان النياندرتال، والبشر، والبحث عن الاختلافات في طريقة التعبير عن الجينات.