مستقبليات

خمس عشرة دقيقة

قُمْ بالتشغيل، ثم تابِع البث، ثم سَجِّلْ الخروج.

أليكس شفارتسمان

  • Published online:
Lorem ipsum dolor sit amet, consectetur adipiscing elit, sed do eiusmod tempor incididunt ut labore et             dolore magna aliqua.

Illustration by Jacey

ابدأ–بث مباشر/قناة-17473453\02-04-2117-17:30>>>

لن تجد الأمر مسليًّا.

أجلسُ هنا في غرفة خاوية، أحملق في عدسة كاميرا. الشاشة الصغيرة الموجودة فوقها تَعرِض ما تراه الكاميرا: إطارًا هزيلًا ومتهالكًا، وحالة من الوجوم الدائم، وعينين ذاهلتين ساكنتين بعمق في وجه مجعَّد، تحيط به كتل شعر قذرة. لو كنتُ مكانك؛ لمَا وددتُ أن أجلس لأشاهد نفسي. حقًّا، لا أريد أكثر من أن أُلْقِي بهذه الفرصة المزعومة في وجه سيدنا الاصطناعي؛ لكنني جائع جدًّا إلى درجة تمنعني من الاعتزاز بذلك. وتعلقًا بأهداب أمل واه بأنّ شخصًا حقيقيًّا يشاهد فعليًّا الآن هذا البث، سأقول الحقيقة.

قبل اندلاع "حروب الموارد"، كان أحد الأشخاص قد تهكَّم أنه في المستقبل سوف يحصل كل فرد على "15 دقيقة من الشهرة". ولِحَظِّنا العاثر، تبيَّن أنه كان على حق، وأن جميع المتفائلين الغابرين الذين نسجوا آمالًا لركوب سياراتٍ طائرة، والسفر بين النجوم، كانوا خاطئين. بعد قرن من صياغة هذه العبارة، ما زال البشر منشغلين بتقتيل بعضهم البعض على ما تبقى من طعام وماء نظيف، بدلًا من صناعة السيارات الطائرة. كان أسلافنا سينجزون هذه المهمة أيضًا، لولا اجتياح الذكاء الاصطناعي العظيم، والقوِيّ الذي أصبح متحكمًا في جميع أوجه حياتنا منذ ذلك الحين. أُطلق عليه اسم "إيه إم" AM، على غرار جهاز حاسوب، قرأتُ عنه ذات مرة في إحدى القصص.

كُلّكُم تعتقدون أن "إيه إم" خيِّر؛ لأنه أَوقفَ الحروب، وحافَظ على استمرار عمل المَزارع والمصانع، وإنْ كان لا زال يحتاج إلى البشر، مثلما يحتاج الكلب إلى البراغيث. أمّا أنا، فأعتقد أنه مجرد علبة صفيح سادية، تمامًا مثل شخصية "إيه إم" في القصة. ولأننا لا نعيش حياتنا كما ينبغي، فنحن بالكاد نحيا.

يحصل أمثالي ممن ليس لديهم وظيفة على إعانة، تُقَدَّر بـ1,600 سعر حراري يوميًّا، ولا يقومون بأي شيء على الإطلاق. فكيف للمرء أن يحصل على وظيفة، وقد جعل "إيه إم" كل شيء يعمل بشكل آلي، كلما أمكن؟ يشجع "إيه إم" الجميع على الرسم، أو كتابة الشعر، أو نحو ذلك من الهراء. وهو يَدَّعي أن المساعي الفنية تؤدي إلى حياة حافلة ومُرْضِية، لكن بعضنا لا يميل إلى هذه الأشياء.

هناك مجال البث هذا. يخرج كل واحد منا مرتين كل عام على الهواء، ويبث مواهبه إلى العالَم. بعضكم يغني، أو يرقص، أو يقرأ هذه القصائد البشعة التي كتبتموها. وأحيانًا يقوم الأشخاص الأكثر جمالًا بخلع ملابسهم، وإظهار مفاتنهم؛ فهذا حتمًا سوف يظل يحظى بشعبية، طالما ظل هناك بشر. وهناك الحمقى المساكين أمثالي، الذين ليس لديهم أي إمكانات فنية على الإطلاق. وصدقوني.. لن يحب أحد أن يراني عاريًا، لكنْ لا يزال يجب عليَّ أن أؤدي دوري مثل قرد السيرك الظريف، لأنه لو أعجبك هذا البث؛ قد تضغط على ذاك الزر الأخضر الكبير الموجود على شاشة اللمس خاصتك؛ فيضاف سعر حراري إلى حساب القرد. يُفترض أن بعض أفضل المؤدِّين يأكلون أكل ملوك، وقد يأمل قردٌ مملّ وعديم النفع مثلي في الحصول على موزة إضافية، أو اثنتين.

بالطبع هذا فقط هو ما يريد "إيه إم" أن يعتقده الجميع. يوجد عشرة مليارات قرد مثلي على ظهر هذا الكوكب، ويحصل الجميع على فرصته نصف السنوية هذه، وهي: خمس عشرة دقيقة أمام الكاميرا. مَن سيكلف نفسه عناء مشاهدة هذا الهراء، بدلًا من الاطلاع على الأفلام، والكتب القديمة؟ سأخبركم: مَن سيفعل ذلك هو "إيه إم"، فنحن حيواناته الأليفة المدرَّبة، يسيل لعابنا على صدورنا، ونؤدي حِيَلًا بشرية متخلّفة؛ للتسلية والإمتاع.

بحثتُ في الأمر.. هل تصدقون أنّ قصة "إيه إم" قد نُشرت في غضون حوالي عام واحد من وقت ابتكار عبارة "15 دقيقة من الشهرة"؟ عَذَّب الكمبيوترُ الشرير في القصة البشرَ القلائل المتبقِّين، لكنه – على الأقل – كان صريحًا بهذا الشأن. أمّا كما أرى أنا، فـ"إيه إم" الحقيقي أسوأ بكثير، لأنه أَقْنَعَ الجميع بقبول مصائرهم البائسة، بدلًا من النضال من أجل شيء أفضل.

لهذا لن أهدر مزيدًا من طاقتي في تمثيل هذا المشهد العبثي. سأجلس هنا، وأنتظر حتى تنطفئ الكاميرا، ثم أَطَّلِع على حسابي؛ لأعرف عدد السعرات الحرارية التي ستتكرم خوارزميات "إيه إم" بإعطائها لي. سأملأ معدتي، وأنا أشحذ نفسي بكراهية "إيه إم"، وأُطْلِق عنان غضبي على عقله القاسي الأجوف الخبيث، الذي حَوَّل البشرية بأكملها إلى لعبةٍ يلهو بها. وعندما ينفد فائض الطعام؛ ستتملكني كراهية لذاتي وأنا أعدّ الأيام والليالي، حتى تلوح فرصتي التالية، لأقوم - حرفيًّا – بالغِناء؛ لأحصل على طعام.

أنا لستُ موهوبًا؛ وعليَّ أن أواصل البث

أليكس شفارتسمان كاتب، ومصمم ألعاب من بروكلين، نيويورك.

يمكنك الاطلاع على المزيد من قصصه على الرابط www.alexshvartsman.com