تحقيق إخباري

عفريت الماء يصارع الانقراض

هناك نوع أيقوني من السمادل، يحظى بالشهرة، ويخضع للدراسة حول العالم، يتجه سريعًا نحو الانقراض.

إريك فانس

  • Published online:
توجد سمادل المكسيك في آلاف المختبرات وأحواض السمك المنزلية حول العالم، غير أنها آخذة في الاختفاء من موئلها الطبيعي.

توجد سمادل المكسيك في آلاف المختبرات وأحواض السمك المنزلية حول العالم، غير أنها آخذة في الاختفاء من موئلها الطبيعي.

BRETT GUNDLOCK FOR NATURE

حين بدأ عالِم الأحياء لويس زامبرانو حياته المهنية في أواخر تسعينات القرن العشرين، تصوّر نفسه وهو يعمل على بُعد أميال من الحضارة، وربما يكتشف نوعًا جديدًا في ركن خفيّ من شبه جزيرة يوكاتان بالمكسيك، لكنه - بدلًا من ذلك - وجد نفسه، في عام 2003، يُحصي أعداد البرمائيات في القنوات الملوثة الموحلة بمقاطعة سوتشيميلكو في العاصمة مكسيكو سيتي. كان للوظيفة مميزاتها؛ إذ كان يعمل على مسافة دقائق من منزله، ويدرس سمندل المكسيك (Ambystoma mexicanum)، المعروف أيضًا باسم "عفريت الماء"، وهو رمز قومي في المكسيك، ويُعَد - كما يُزعَم - أكثر أنواع السمادل سهولة في التمييز على مستوى العالم، غير أن زامبرانو كان ينتظر انتهاء ذلك العام الأول من عمله على أحر من الجمر.

يقول زامبرانو: "دعني أؤكد لك، لقد كرهتُ المشروع في البداية". ويضيف متحدثًا عن أحد أسباب ذلك: "لم أستطع اقتناص أي شيء".

وولكن مع مرور الوقت، أمسك زامبرانو بالفعل ببعض هذه السمادل، غير أن ما وجده أدهشه كثيرًا، وغَيَّر مسار حياته المهنية. ففي عام 1998، قدَّرَت أولى الدراسات الرصينة الهادفة إلى إحصاء عدد سمادل المكسيك أن نحو 6 آلاف منها كانت تعيش في كل كيلومتر مربع في سوتشيميلكو1. واكتشف زامبرانو - الذي يعمل الآن أستاذًا في الجامعة الوطنية المستقلة في المكسيك بمدينة مكسيكو سيتي - في عام 2000 أن العدد قد انخفض إلى حوالي ألف حيوان في كل كيلومتر مربع. وبحلول عام 2008، انخفض العدد إلى مائة. وفي الوقت الحالي، ونتيجة للتلوث والمفترِسات الضارية، يوجد أقل من 35 من هذه السمادل في كل كيلومتر مربع1.

إنّ سمندل المكسيك على وشك الفَناء في قنوات مكسيكو سيتي، الموئل الطبيعي الوحيد له. ورغم أنه لا يوجد في البرية إلا بضع مئات من هذه السمادل فحسب، يمكن العثور على عشرات الآلاف منها في أحواض الأسماك المنزلية ومختبرات الأبحاث حول العالم. فهي تُرَبَّى على نطاق واسع في نظم مغلقة، لدرجة أن ثمة مطاعم معينة في اليابان تقدِّمها مقلية.

ويقول ريتشارد جريفيث، عالِم البيئة في جامعة كِنت في كانتربري بالمملكة المتحدة، الذي وظَّف زامبرانو للقيام بهذا المشروع: "ثمة مفارقة ضخمة تكتنف مسألة الحفاظ على سمندل المكسيك؛ لأن هذا النوع رغم كونه - على الأرجح - أكثر أنواع البرمائيات انتشارًا حول العالم في متاجر الحيوانات الأليفة والمختبرات، إلا أنه مع ذلك على شفير الانقراض في البرية".

يخلق ذلك مشكلة أمام علماء الأحياء. فبفضل ما يتمتع به سمندل المكسيك من سمات فسيولوجية فريدة، وقدرة استثنائية على تجديد أطرافه المقطوعة، فقد صار نموذجًا مهمًّا في المختبرات البحثية لكل شيء، بداية من إصلاح الأنسجة، وصولًا إلى النمو والسرطان. وبعد قرون من الاستيلاد الداخلي، صارت المجموعات الموجودة في نظم مغلقة عُرضة للإصابة بالأمراض. ويعني فقدان التنوع الوراثي في سمادل المكسيك البريَّة - الذي يرجع إلى تضاؤل أعدادها - أن العلماء يفقدون فرصة تعلُّم كل ما يمكنهم تَعَلُّمه بشأن الخصائص البيولوجية لهذا الحيوان.

وبينما يواصل علماء المختبرات دراسة سمادل المكسيك الموجودة في نظم مغلقة، وجينومها الكبير والمعقد، يبذل زامبرانو وحفنة من الباحثين الآخرين قصارى جهدهم؛ من أجل الحفاظ على النوع البري منها؛ فيعملون على استيلاد سمادل المكسيك، وإطلاقها داخل بِرَك وقنوات خاضعة للتحكم داخل سوتشيميلكو وحولها، كي يروا كيف سيصير حالها، وعلى أمل أن تحافظ على بعض مِن تنوُّعها الوراثي الطبيعي. إن مهمة إنقاذها صعبة، لكن ينبغي أن تكون ممكنة في ضوء ما تتمتع به هذه الحيوانات من شدة احتمال، شريطة أن تشارِك الحكومة المكسيكية في هذه العملية.

وعن هذا يقول زامبرانو: "لقد رأيتُ ذلك في أماكن أخرى من العالم، فهذه النوعية من المهام الهائلة ممكنة. وإذا أمكنهم القيام بها، فلماذا نعجز نحن عن ذلك؟"

عالِم الأحياء لويس زامبرانو (في المنتصف، جالسًا)، وطلابه يجوبون قنوات سوتشيميلكو بمكسيكو سيتي في الصباح الباكر.

عالِم الأحياء لويس زامبرانو (في المنتصف، جالسًا)، وطلابه يجوبون قنوات سوتشيميلكو بمكسيكو سيتي في الصباح الباكر.

BRETT GUNDLOCK FOR NATURE

كائنٌ لا يكبر في السن مطلقًا

تطوّرت سمادل المكسيك في وقت حديث نسبيًّا، مقارنة بأنواع السمادل الأخرى في المنطقة، وعاشت على ضفاف بحيرة تيكسكوكو في جبال المنطقة الوسطى بالمكسيك. وهذه الكائنات تتصف باستدامة مرحلة اليفوع، بمعنى أن الكائنات البالغة تظل محتفظة بسمات لا نراها إلا لدى الكائنات اليافعة في الأنواع المشابِهة. ورغم أن أنواع السمادل الأخرى تتحوّل إلى كائنات برية، تظل سمادل المكسيك محتفظة بخياشيمها الريشية، وتبقى في الماء طيلة حياتها، فتبدو وكأنها لا تكبر في السن مطلقًا.

في وقت ما من القرن الثالث عشر، استوطن شعب مكسيكا (الشعب الذي أطلق عليه الأوروبيون اسم "الآزتيك") بحيرة تيكسكوكو، وشيّد إمبراطورية قوية، تحكمها مدينة جُزُرية مشيّدة في منتصف البحيرة. ومع نمو الإمبراطورية، زادت رقعة الأراضي بالمثل، وتوسعت بسرعة أكبر في أعقاب الغزو الإسباني في عام 1521. واليوم، لم يتبق من موئل سمادل المكسيك إلا حوالي 170 كيلومترًا من شبكة القنوات المتداخلة في سوتشيميلكو، وهي مقاطعة بجنوب مكسيكو سيتي (انظر: "موئل آخِذ في الانكماش").

كبر الصورة

TOMÁS FILSINGER

ربما كاد ذلك النوع يفنى بالكامل خلال الحُكم الاستعماري، غير أن عجزه العجيب عن التقدم في السن جذب انتباه العلماء الأوروبيين، الذين حيّرهم هذا الأمر في أواخر القرن التاسع عشر؛ فعاد زوار المكسيك بهذه الكائنات إلى مواطنهم، وشرعوا في استيلادها. وتبيّن أن هذه الحيوانات مثالية للأبحاث؛ إذ إنها تتكاثر سريعًا داخل المختبرات، وتتحمل العيش في ظروف قاسية، كما يسهل الاعتناء بها. إن سمادل المكسيك تمتلك خلايا كبيرة تسهِّل عمليات دراسة النمو، وبويضاتها أكبر بحوالي 30 مرة من البويضات البشرية. وفي جنين سمندل المكسيك، تَكُون خلايا الصفائح العصبية - طليعة الدماغ والحبل الشوكي - أكبر حجمًا بحوالي 600 مرة.

يختلف أيضًا تصبُّغ سمادل المكسيك اختلافًا كبيرًا من خلية إلى أخرى، وذلك خلافًا لما عليه الحال لدى البشر والحيوانات الأخرى، التي تنحو فيها سمات الخلايا إلى التماثل. ويمكن لهذا أن يساعد الباحثين على تتبُّع أيّ الأنسجة داخل الجنين تصير أيّ أعضاء. وسمندل المكسيك يملك جينومًا ضخمًا، أكبر بحوالي عشر مرات من جينوم الإنسان، وهو ما قد يجعل دراسته تحديًا صعبًا في بعض الجوانب.

يقول ديفيد جاردينر، أخصائي علم الأحياء النمائي في جامعة كاليفورنيا بإرفين، الذي دَرَس قدرة سمندل المكسيك على التجدد لعقود: "إنه ليس نموذجًا مثاليًّا من حيث التركيب الوراثي، غير أنه يتجدد، وهذا يجعله نموذجًا بيولوجيًّا رائعًا".

في بدايات القرن العشرين، لعبت سمادل المكسيك دورًا محوريًّا في فهم كيفية نمو الأعضاء، ووظائفها لدى الفقاريات. وقد ساعدت العلماء على استيضاح أسباب السنسنة المشقوقة لدى البشر؛ وهو عيب خلقي لا يتشكل فيه العمود الفقري على النحو الصحيح. كما أنها لعبت دورًا في اكتشاف هرمونات الغدة الدرقية؛ ففي عشرينات القرن العشرين، حَقَن العلماء أنسجة غدة درقية مأخوذة من الماشية في سمادل المكسيك. وإذا كانت هذه الأنسجة تفرز الهرمون، حينها كانت السمادل تتحوّل، بحيث تفقد خياشيمها، وتتخلص من جلدها اليرقي.

وفي ثمانينات القرن العشرين، ساعدت سمادل المكسيك العلماءَ على تطوير نموذج يفسر الكيفية التي تتخذ بها الخلايا أشكالًا مختلفة في الأجنة. يَفترِض نموذج "شاطرة حالة الخلية" أن العديد من الخلايا الجذعية يتحوّل إلى أنسجة محددة في الجسم، عن طريق موجات من الجذب والاستطالة داخل الأجنة. وقد وجد العلماء أن باستطاعتهم مشاهدة خلايا سمادل المكسيك وهي تنضغط وتستطيل، قبل أن تُشَكِّل الأنسجة. وفي وقت قريب، تحديدًا في عام 2011، استُخدِم مستخلَص من الخلايا البيضية لسمندل المكسيك من أجل منع خلايا سرطان الثدي من التضاعف، عن طريق تشغيل أحد الجينات المثبطة للأورام2.

ربما يكون الإسهام الأكثر إثارة للإعجاب لسمندل المكسيك في العلم هو دوره في الطب التجديدي. فهذا الحيوان يستطيع إنماء ما يفقده من أطراف، وذيول، وأعضاء، وأجزاء من العين، بل وحتى أجزاء من الدماغ، مجددًا. وقد افترض الكثير من العلماء أن سبب ذلك يرجع إلى باستدامة مرحلة اليفوع السمادل،  ما يجعلها تحتفظ بسمات من المراحل الجنينية. وإضافة إلى ذلك.. ففي استطاعة أنواع أخرى من السمادل أيضًا تجديد أطرافها، حتى وهي في مرحلة البلوغ.

وقد عكف علماء الأحياء لعقود على محاولة تحديد الآليات الكامنة خلف قدرات سمادل المكسيك التجديدية، حسبما تقول تاتيانا ساندوفال جوزمان، باحثة الطب التجديدي في جامعة درسدن التقنية بألمانيا، التي تضيف: "كيف يمكنها أن تفعل هذا؟ ما الذي تملكه، ولا نمتلكه نحن؟ أو ربما العكس؛ ما الذي يمنع حدوث ذلك في الثدييات؟"

إنّ ساندوفال جوزمان مهتمة بتجدُّد العضلات والعظام، وتوّلت الإشراف على مختبر مختص - منذ وقت طويل - بدراسة سمندل المكسيك في درسدن. وهي مواطنة مكسيكية، كانت ترتاد مدرسة لا تبعد عن سوتشيميلكو، ولم تفكر كثيرًا في هذا الحيوان من قبل، وبالتأكيد لم تكن تفكر في دراسته، حتى جاءت إلى ألمانيا. واليوم، يثير هذا الكائن انبهارها، وقد بيّنت3 أن العديد من الآليات التجديدية لدى سمندل المكسيك - كتلك التي تتضمن الخلايا الجذعية للأنسجة العضلية - ليست مختلفة كثيرًا عن تلك الموجودة لدى البشر.

تركز غالبية الأبحاث التي تتناول مسألة التجديد على الجِذْل - أو "أرومة التجديد" - الذي يتكون فوق جرح الطرف المقطوع. وبينما يُغطَّى جرح كهذا لدى البشر بنسيج الجلد، يغيِّر سمندل المكسيك الخلايا القريبة إلى خلايا جذعية، ويجعل خلايا أخرى من مناطق أبعد تحتشد بالقرب من الإصابة. وهناك، تبدأ الخلايا في تكوين العظام، والجلد، والأوردة بالطريقة عينها تقريبًا التي تحدث في أثناء نمو الحيوان داخل البيضة. وكل نسيج يسهم بخلاياه الجذعية في هذا الجهد.

وقد بيَّنَ الباحثون أن ثمة بروتينًا بعينه يُسمَّى "عامل النمو المحوِّل بيتا" يلعب دورًا محوريًّا في كلٍّ من تجدُّد سمندل المكسيك، ومنع تكوُّن النسيج الندبي لدى الأجنة البشرية المصابة خلال الأشهر الثلاثة الأولى من الحمل. وباستطاعة الفئران والبشر البالغين تجديد أطراف الأصابع، وإنْ كان البشر يفقدون هذه القدرة مع التقدّم في العمر، ما يشير إلى أن القدرات التجديدية يمكن استعادتها من جديد لدى الثدييات.

يقول جاردينر: "سيأتي يومٌ نمتلك فيه نحن البشر القدرة على تجديد أجسامنا". لا تركز دراسات جاردينر على إعادة بناء الأطراف، وإنما على شفاء الشلل، وإنماء أعضاء سليمة، بل والقضاء على الشيخوخة أيضًا، عن طريق إصلاح الأنسجة التالفة والبالية. ويضيف: "وحين يكتبون هذه القصة، فإن أصلها سيعود إلى هذه الكائنات النموذجية".

وغير أنه عندما يأتي ذلك اليوم، ربما يكون سمندل المكسيك قد اختفى تمامًا. يثير هذا الأمر قلق جاردينر وساندوفال جوزمان، لأن الحيوان الذي يدرسانه - شأنه شأن الكثير من حيوانات التجارب - يخضع للاستيلاد الداخلي بكثافة. فيستخدم العلماء "مُعامِل استيلاد داخلي"؛ من أجل قياس مدى صغر حجم تجميعة الجينات. وتمتلك التوائم المتطابقة معاملًا قدره 100%، بينما الأفراد التي لا تربط بينها أي صلة تمتلك مُعامِلًا يقترب من الصفر. ويشير المُعامل الذي يزيد على 12% إلى أن الأفراد داخل المجموعة يتناسلون مع أبناء عمومتهم المباشرين، وهذا يثير مخاوف جدية لدى متخصصي علوم البيئة والوراثة. وفي حالة ملوك أسرة هابسبورج الإسبانية الحاكمة، التي اشتُهِر عنها شيوع زواج الأقارب والمرض، كان المُعامِل يزيد قليلًا على 20%. أما لدى سمندل المكسيك، فيبلغ متوسط مُعامِل الاستيلاد الداخلي 35%.

ويقول جاردينر: "إن الحيوانات التي لدينا تؤدي المطلوب بشكل معقول، وتجدد نفسها بشكل طيب، غير أنها أيضًا نتاج للاستيلاد الداخلي، وهذا يمثل مأزقًا.. فالمجموعات تكون معرضة أكثر للإصابة بالأمراض حين تكون نتاجًا للاستيلاد الداخلي".

يرجع أحد أسباب المستوى المرتفع من الاستيلاد الداخلي إلى المسار التاريخي العجيب الذي سلكته سمادل المكسيك، الموجودة في النظم المغلقة. فأغلب العينات الموجودة بالمختبرات يعود أصلها إلى مجموعة وحيدة مكوّنة من 34 حيوانًا، أُخِذت من سوتشيميلكو على أيدي أفراد بعثة فرنسية التمويل في عام 1863. وقد أحدثت هذه المجموعة هوسًا باستيلاد سمادل المكسيك لدى المتاحف وعلماء الطبيعة في أرجاء أوروبا.

وفي عام 1935، انتقل بعض الحيوانات من مختبر بولندي إلى أمريكا الشمالية، حيث صارت تلك الحيوانات في نهاية المطاف مخزونًا للاستيلاد في جامعة بافالو بنيويورك. وهناك، جلب العلماء سلسلة من سمادل المكسيك البرية؛ بغية إثراء تجميعة الجينات، بل وفي مرحلة ما أضافوا سمندل النمر (Ambystoma tigrinum). وعاشت مجموعة جامعة بافالو، وفي النهاية انتقلت إلى جامعة كنتاكي في لكسينجتون، التي تُعَد الآن مركز استيلاد سمندل المكسيك. يعني ذلك أن كل ما لدينا تقريبًا من سمادل المكسيك في المختبرات والأحواض المائية اليوم هو نتيجة استيلاد داخلي، ويحمل في الواقع جينات سمندل النمر.

"لقد وصلت إلى مرحلة عنق الزجاجة في أوروبا بالتأكيد، ثم حدث هذا هنا مجددًا"، هكذا يقول راندال فوس، مدير برنامج الاستيلاد في كنتاكي، الذي يضم نحو ألفي حيوان بالغ، وما بين ثلاثة آلاف وخمسة آلاف من اليرقات.

ويقول فوس إن أبحاث سمندل المكسيك اليوم آخذة في التوسع في أنحاء العالم، وذلك بفضل بحوث الوراثة والخلايا الجذعية الحديثة. ففي عام 2015، نشر فوس ومجموعته البحثية تجميعة مبدئية لجينوم سمندل المكسيك4 وهي مهمة هائلة، نظرًا إلى حجم الجينوم الضخم، الذي يُقدَر بنحو 32 مليار قاعدة، بيد أن هذه التجميعة غير كاملة؛ إذ تبيّن أن حجم الجينوم وتعقيده يفوق بكثير القدرة الحاسوبية التي تستطيع مجموعة فوس تسخيرها. ويواصل علماء في مراكز متعددة العمل على إكمال هذه الصورة.

وبينما يعمل العلماء على هذا الأمر، تسببت قابلية هذا الكائن للإصابة بالأمراض بالفعل في وفيات كثيرة غامضة في مُنشأة فوس. ويخشى العلماء أنه لو انتشر مرض مُعدٍ داخل المختبرات، فقد يجبرهم ذلك على التخلي عن سمندل المكسيك، وهو ما قد يعود بالأبحاث أعوامًا إلى الوراء.

والأدهى من ذلك، أنه ليس بوسع أحد أن يتأكد من أن سمادل المكسيك الموجودة داخل المختبرات لم تنحرف بالفعل كثيرًا عن نظيراتها الموجودة في البرية، بحيث فقدت عناصر محورية في قدرتها على التجديد. وتقول ساندوفال جوزمان: "من الممكن أن تمدّنا العودة إلى دراسة المجموعات البرية بآليات مختلفة، أو جينات مختلفة. ولا شك أن فقدان التنوع الوراثي يُعَد خسارة كبيرة للعلم".

أصابع إضافية

"لا أعرف هذا يقينًا على الدوام، لكن سمادل المكسيك الآتية من كنتاكي تمتلك بالفعل بعض الاختلافات". هكذا يقول أرتورو فرجارا إجليسياس، وهو يحدق في حوض من سمادل المكسيك، التي تزحف في كسل داخله. ويضيف: "إنها تعاني من تشوهات كثيرة. فعلى سبيل المثال.. كثيرًا ما تملك العديد من الأصابع".

فرجارا إجليسياس عالِم أحياء في مركز الأبحاث البيولوجية والزراعة المائية. وهذا المركز بمثابة منشأة لاستيلاد سمادل المكسيك، تقع بالقرب من سوتشيميلكو، وتأمل في الحفاظ على بضع السلالات البرية. وإلى جانب عمله الأساسي، يربي فرجارا بعض سمادل المكسيك لحسابه الخاص؛ كي يبيعها للمختبرات، وموزعي الحيوانات الأليفة. ويشرف على حوض للسمندل في إحدى المزارع العائمة التقليدية في سوتشيميلكو، التي تُعرَف باسم تشينامبا، وتُستخدَم كمنشأة تثقيفية للسياح. وقد جرى استيلاد هذه الحيوانات، والحيوانات الأخرى التي يبيعها، من مجموعةٍ قوامها 32 حيوانًا، أُخذَت من المياه على غير مبعدة من المزارع العائمة. ففي المكسيك، تُعَد سمادل المكسيك حيوانات أليفة عالية القيمة، ومصدرًا للفخر القومي. وهي موضوع عدد لا يُحصى من "الميمات" والهدايا التذكارية المكسيكية، بل وتُستخدَم كصورة رمزية (إيموجي) لمدينة مكسيكو سيتي.

من الصعب أن نعرف تحديدًا عدد سمادل المكسيك المتبقية في البرية هناك. ويخمن زامبرانو أن خلال عملية المسح الأخيرة، التي أجراها في عام 2014، كان يوجد أقل من ألف حيوان منها إجمالًا، بل وربما أقل من 500، غير أنه لا يستطيع أن يكون أكثر تحديدًا؛ ففي العامين الماضيين عجز زامبرانو عن جمع التمويل اللازم لإجراء دراسات متابعة. ويُعَد عجزه عن الحصول على التمويل الكافي لإجراء عملية إحصاء بسيطة مؤشرًا غير طيب فيما يخص جهود الحفاظ على هذا النوع.

يقول زامبرانو إنه من أجل إنقاذ سمادل المكسيك البرية، يجب على صانعي السياسات مواجهة تهديدين أساسيين، أولهما: هو الأسماك الغريبة على موطن هذه السمادل، مثل الشبوط العادي (Cyprinus carpio)، والبُلطي (Oreochromis niloticus). ومن قبيل المفارقة أن هذه الأنواع جرى إدخالها إلى سوتشيميلكو في سبعينات القرن العشرين وثمانيناته، عن طريق برامج تديرها منظمة الأغذية والزراعة، التابعة للأمم المتحدة، بهدف إضافة مزيد من البروتين إلى النظم الغذائية المحلية. ويقول زامبرانو إنه وضع خرائط للمناطق التي لا تزال سمادل المكسيك موجودة بها، ويتصور إمكانية استئجار فريق من الصيادين المحليين؛ بغية إخلاء هذه المناطق من الأسماك على أساس دوري. ورغم أن هذا لن يزيل الأسماك تمامًا، ففي مقابل بضعة مئات الألوف من الدولارات، ربما يمنح هذه السمادل فرصة لإعادة توطين نفسها. وقد بيّنت أبحاث زامبرانو أن سمادل المكسيك تكون في أقصى درجات ضعفها أمام أسماك الشبوط وهي في طور البيضة، وأمام أسماك البُلطي وهي يافعة، غير أن أبحاثه تكشف عن أنها لو نمت إلى حجم معين؛ فمن الممكن أن تظل باقية5.

أمّا التهديد الثاني، فهو أكثر صعوبة، إذ إنه في كل مرة تسد فيها عاصفة قوية منظومة الصرف الصحي المتهالكة بالمدينة، تُطْلِق منشآت المعالجة المخلفات البشرية في قنوات سوتشيميلكو، التي تحمل معها النشادر، والمعادن الثقيلة، وغيرها من المواد الكيميائية السامة غير المعروفة. وتُعَد البرمائيات - التي تتنفس جزئيًّا عبر جلودها عالية النفاذية - معرضة للخطر؛ بسبب عمليات إلقاء المخلفات الملوّثة الدورية هذه. ولذا.. فإن وجود هذه الحيوانات في البرية من الأساس يُعتبر شهادة على قدرتها على الاحتمال.

هذه قضايا معقدة، بيد أنها ليست مستحيلة الحل. ومع ذلك، فإلى الآن، لم تُبذَل جهود لإنقاذ سمادل المكسيك البرية، فيما خلا قِلّة من برامج التوعية، التي تفتقر إلى الحماس، وبعض الفعاليات الشكلية. ففي عام 2013، أَطلَق مركز الأبحاث البيولوجية والزراعة المائية بضعة آلاف من سمادل المكسيك في البرية؛ من أجل إجراء دراسة سلوكية، وقد ظل بعضها حيًّا، بل وبدا أنها تتكاثر على مدار السنوات التالية. يشير هذا إلى أن السمادل التي جرى استيلادها داخل المختبرات ربما تكون قادرة على البقاء في البرية، لو أنها ظلت في نظم مغلقة، حتى وصولها إلى حجم معين. ويحذر علماء الأحياء من أن هذا لا يعني أن على المكسيك البدء في إطلاقها في القنوات.

يقول جريفيث: "لا توجد جدوى - على الأرجح - من إطلاق هذه السمادل في البرية إلى أن نستطيع القضاء على التهديدات أولًا. فربما نتسبب في زيادة أعداد الأسماك، إذا ألقينا بالمزيد من الطعام إليها".

حين بدأ جريفيث العمل في سوتشيميلكو في عام 2000، كانت خطته تقضي بإنشاء برنامج استيلاد، يهدف إلى إطلاق سمادل المكسيك في البرية، غير أنه سريعًا ما تخلى، هو وشركاؤه المكسيكيون، عن الفكرة بمجرد أن رأوا ظروف النظام البيئي الذي كان ملوّثًا، ويعج بالمفترسات. وقد بدا من العبث إرسال سمادل المكسيك إلى حتفها. فعمليات إعادة الإدخال الناجحة، كتلك الخاصة بضفادع البرك (Pelophylax lessonae) في بريطانيا، أو سمندل هلبندر (Cryptobranchus alleganiensis) في الولايات المتحدة، تتطلب إدارة النظام البيئي ككل، والعمل بالتعاون مع المجتمع.

ويقول زامبرانو: "لو أننا حصلنا على مليون دولار في العام الواحد لمدة عشرة أعوام؛ فسننقذ سوتشيميلكو. وهذا المبلغ لا يُقارَن بمقدار المال المُنفَق في هذه المدينة".

بعد ظهر أحد أيام أكتوبر، تَجَمَّع زامبرانو وعدد من المتطوعين عند البِرك الموجودة بالقرب من حرم الجامعة الوطنية المستقلة في المكسيك؛ من أجل إطلاق عشرة من سمادل المكسيك البرية، التي جرت تربيتها في المختبرات، في إحدى البِرك الخاضعة للحماية. وإذا ظلت هذه الحيوانات حية وتكاثرت؛ فربما تعمل ذات يوم كَبَنْك جينات من نوع ما لهذا الكائن. وقد عكف زامبرانو على إطلاق هذه الحيوانات على نحو متفرق، وتتبُّعها على مدار عامين، وذلك لكي يفهم سلوكها، وتفضيلاتها فيما يتعلق بموائلها. ويشير عمله حتى الآن إلى أن هذه السمادل تفضِّل البِرك التي بها نسبة يسيرة من القذارة على تلك الأكثر نقاءً؛ وهي علامة أخرى على أن سمادل المكسيك ربما تظل قادرة على البقاء في سوتشيميلكو، لو أزيلت عنها الضغوط الأخرى. وبالمثل، يعكف مركز الأبحاث البيولوجية والزراعة المائية على استيلاد سمادل برية، في محاولة منه للحفاظ على التنوع الوراثي لسمندل المكسيك. ويقول أغلب الباحثين إنه ما لم تمتلك سمادل المكسيك موطنًا ملائمًا؛ فسيكون انقراضها من البرية أمرًا حتميًّا، بصرف النظر عما يفعلونه.

ويقول زامبرانو: "سأُصاب بالإحباط، لو أنني نظرتُ إلى الأمر بهذه الصورة. فأنا أنظر إليه على نحو مختلف؛ وهو أنني سأبذل قصارى جهدي، كي أمنع هذا الانقراض من الحدوث".

References

  1. Voss, S. R., Woodcock, M. R. & Zambrano, L. BioScience 65, 1134–1140 (2015). | article
  2. Allegrucci, C. et al. Mol. Cancer 10, 7 (2011).  | article
  3. Sandoval-Guzmán, T. et al. Cell Stem Cell 14, 174–187 (2014).  | article
  4. Keinath, M. C. et al. Sci. Rep. 5, 16413 (2015).  | article
  5. Zambrano, L., Valiente, E. & Vander Zanden, M. J. Biol. Invasions 12, 3061–3069 (2010). | article

إريك فانس صحفي حر، يعمل في مدينة مكسيكو سيتي.