أنباء وآراء

علم الكواكب: سَدِيم يبرِّد الغلاف الجوي لبلوتو

نموذج يكشف عن أن السَّدِيم يتحكم في درجة حرارة الغلاف الجوي لبلوتو، على عكس الأجرام الكوكبية الأخرى في المجموعة الشمسية، الأمر الذي يؤثر على فَهْمنا للأغلفة الجوية للكواكب خارج المجموعة الشمسية. 

روبرت أيه ويست
  • Published online:

في عام 2015، التقطت المركبة الفضائية "نيو هورايزونز" - التابعة لوكالة "ناسا" - أول صور عن قُرب لبلوتو وأقماره (http://pluto.jhuapl.edu). من الصعب تخيّل كيف يمكن لأي شخص رأى هذه الصور ألا يكون منبهرًا بهذا الإنجاز، ومتحمسًا لما تكشفه الصور والبيانات الأخرى على حدٍّ سواء. لقد كانت إحدى المفاجآت الكبرى1 أن الغلاف الجوي لبلوتو أبرد كثيرًا من المتوقع2 عند ارتفاعات تزيد على 50 كيلومترًا. ونظرًا إلى أن خصائص درجات الحرارة أساسية لفهم فيزياء الأغلفة الجوية للكواكب، اضطر العلماء إلى تحديد ما إذا كانت الدراسات السابقة قد غابت عنها عمليات جوية أساسية، أم لا. وفي بحث نشر بالطبعة الدولية لدورية Nature مؤخرًا من ، توّصل تشانج وآخرون3 إلى نتيجة مهمة، مفادها أن جسيمات السَّدِيم "الضباب الرقيق" - لا جزيئات الغاز - تتحكم في درجة حرارة الغلاف الجوي لبلوتو.

وكشفت مركبة "نيو هورايزونز" عن طبقات عديدة من السَّدِيم في الغلاف الجوي لبلوتو1 (الشكل 1). وكانت الطبيعة المنفصلة لهذه الطبقات ونطاقها الأفقي الشاسع مفاجأة كبرى أخرى. وتوضح الصور التي أُخذت قبل وبعد مرور المركبة الفضائية بالقرب من بلوتو أن جسيمات السَّدِيم أمامية التشتيت بدرجة كبيرة؛ أي أنها تشتِّت الضوء المرئي، دون أن تُغيِّر اتجاه الضوء بشكل ملحوظ. ويشير ذلك إلى أن الجسيمات لها أقطار تقترب من الطول الموجي للضوء المرئي (400–700 نانومتر)، أو تزيد عنه. ومن المعتقد أن الجسيمات تشبه جسيمات السَّدِيم العضوية في الغلاف الجوي لقمر زُحل، المُسمَّى "تيتان"4.

شكل 1 | طبقات سَدِيم "ضباب رقيق" فوق بلوتو.

شكل 1 | طبقات سَدِيم "ضباب رقيق" فوق بلوتو.

كبر الصورة

NASA/JOHNS HOPKINS UNIV. APPLIED PHYSICS LAB/SOUTHWEST RESEARCH INST.

يقدِّم تشانج وزملاؤه نموذجًا للغلاف الجوي لبلوتو، يستخدم التوزيعات المرصودة لجسيمات السَّدِيم وجزيئات الغاز4. ويشير هذا النموذج إلى أن جسيمات السَّدِيم تمتص المزيد من ضوء الشمس، ولذلك تُوَلِّد قدرًا أكبر من الحرارة في الغلاف الجوي، مقارنة بجزيئات الغاز. وإضافة إلى ذلك.. يمكن لجسيمات السَّدِيم أن تعوِّض هذا التسخين، عن طريق التبريد الإشعاعي، المتمثّل في فقدان الحرارة بِبَعْثها في الفضاء على هيئة أشعة تحت الحمراء. ونتائج النموذج متسقة مع خصائص درجة الحرارة التي كشفت عنها مركبة "نيو هورايزونز"، فضلًا عن أنها تدلّ على أن درجة حرارة الغلاف الجوي لبلوتو يتحكم فيها السَّدِيم.

لماذا لم تُطرَح فكرة إمكانية تأثير السَّدِيم على درجة حرارة الغلاف الجوي سوى في هذا الوقت المتأخر؟ في حالة بلوتو، ربما يكون السبب الرئيس هو أن جزيئات الغاز به تنتج خطوطًا في أطيافه الانبعاثية والامتصاصية بشكل يستولى على اهتمام واضعي النماذج. وعلى النقيض من ذلك.. فإن سَدِيمه ليس واضح المعالم، سوى في صور مركبة "نيو هورايزونز"، وعند أطوال موجية مرئية وقريبة من تحت الحمراء فقط. ويحدث التبريد الإشعاعي عند الأطوال الموجية الأطول، ولا توجد حاليًّا أرصاد بالدقة الكافية للكشف عنه.

لم ينته الأمر عند هذا الحدّ فيما يخص فَهْمنا لدرجة حرارة الغلاف الجوي لبلوتو. فعلى سبيل المثال.. لا توجد قيود رصدية على تركيب سَدِيم بلوتو، ما يعني أن المعدلات التي حسبها مؤلفو الدراسة للتسخين والتبريد غير مؤكدة بدرجة كبيرة. فدُون قيود، يكون لدى واضعي النماذج الحرية لدراسة العديد من تركيبات السَّدِيم المحتمَلة، التي لها نطاق واسع من الثوابت البصرية، وهي الكميات التي تصف الخصائص البصرية لمادة ما.

إنّ جسيمات السَّدِيم، التي لها معدلات امتصاص تحت حمراء عالية، هي وحدها التي يمكنها أن تتعرض للتبريد الإشعاعي. فقد بحث تشانج وزملاؤه في المؤلفات العلمية على ما يمكن أن ينطبق عليه ذلك، ووجدوا أن الثوابت البصرية لبعض الجسيمات العضوية توجد في النطاق اللازم، ليتوافق النموذج النظري لمؤلفي البحث مع الأرصاد، لكنْ دون وجود قيود تركيبية، لا توجد طريقة للتحقق من أن الثوابت البصرية تحت الحمراء تمثّل سَدِيم بلوتو.

يتمثّل أحد التنبؤات الأساسية لنموذج تشانج وزملائه في أن التبريد الإشعاعي لجسيمات سَدِيم بلوتو يجب أن ينتِج انبعاثات تحت الحمراء قابلة للكشف. والأدوات وأجهزة الكشف عن الأشعة تحت الحمراء الموجودة لا تتمتع بالدقة اللازمة للكشف عن هذا الإشعاع، لكنّ مؤلفي البحث أوضحوا أن أداة تصوير منطقة منتصف الأشعة تحت الحمراء5، الموجودة على متن تليسكوب جيمس ويب الفضائي المستقبلي، مِن المفترض أنها تتمتع بالدقة المطلوبة، إما لإثبات صحة نموذج الباحثين، أو استبعاده.

لعمل مؤلفي البحث آثار أيضًا على وضع النماذج للأغلفة الجوية للكواكب خارج المجموعة الشمسية. وتوضح دراسات مطيافية للكواكب العابرة خارج المجموعة الشمسية (تلك التي تَعْبُر أمام نجمها المضيف) أن جسيمات السَّدِيم والسُّحب الجوية مهمة، وأحيانًا مصيرية، في تكوُّن الأطياف المرصودة6. وفي بعض الكواكب خارج المجموعة الشمسية، مِن المعتقَد أن جسيمات السُّحب توجد عند ارتفاعات عالية؛ لتفسير غياب خصائص الامتصاص الغازي في أطياف الكواكب خارج المجموعة الشمسية6، لكنْ من الصعب فَهْم كيف تبقى هذه الجسيمات عاليًا في بيئات منخفضة الضغط كتلك.

يتمثّل أحد التفسيرات المحتملة لذلك في أن هذه الجسيمات هي جسيمات سَدِيم ضوئية كيميائية، مثل الهيدروكربونات. وهذه الجسيمات هي النتائج النهائية لتفكُّك جزيئات غازية بواسطة إشعاع فوق بنفسجي، أو جسيمات مشحونة عالية الطاقة في الغلاف الجوي العلوي. تعمل هذه العملية عند ارتفاعات عالية، وتَحْدُث في الكواكب الضخمة في المجموعة الشمسية7. وتشير نتائج تشانج وزملائه إلى أن نماذج الأغلفة الجوية للكواكب خارج المجموعة الشمسية - التي تهمل جسيمات السَّدِيم عالية الارتفاع هذه - قد تكون لها خصائص غير واقعية لدرجات الحرارة.

إنّ وجود سَدِيم هيدروكربوني عالي الارتفاع - على الأقل في الأغلفة الجوية الساخنة - أمر مشكوك فيه، لأن أول أكسيد الكربون هو الصورة الغازية الأكثر شيوعًا للكربون في هذه الأغلفة الجوية. والنماذج الضوئية الكيميائية التي تبدأ بأول أكسيد الكربون لا تؤدي إلى تكوُّن سَدِيم هيدروكربوني8، لكنّ العمل جارٍ على هذه المسألة. ويمكن للدراسات المستقبلية التي تحاكي الغلاف الجوي لكوكب خارج المجموعة الشمسية قريب من نجمه المضيف - مع الأخذ في الاعتبار درجة الحرارة العالية للغلاف الجوي، والتعرض للإشعاع والجسيمات عالية الطاقة - أن تؤدي إلى رؤى أبعد من الممكن حاليًّا.

References

  1. Gladstone, G. R. et al. Science  351, aad8866 (2016). | article
  2. Zhu, X., Strobel, D. F. & Erwin, J. T. Icarus  228,301–314 (2014). | article
  3. Zhang, X., Strobel, D. F. & Imanaka, H. Nature  551,352–355 (2017). | article
  4. Cheng, A. F. et al. Icarus  290, 112–133 (2017). | article
  5. Glasse, A. et al. Publ. Astron. Soc. Pacif.  127,686–695 (2015). | article
  6. Sing, D. K. et al. Nature  529, 59–62 (2016). | article
  7. Banfield, D., Conrath, B. J., Gierasch, P. J., Nicholson, P. D. & Matthews, K. Icarus  134, 11–23 (1998). | article
  8. Moses, J. I. Phil. Trans. R. Soc. A  372, 20130073 (2014).  | article

روبرت إيه. ويست  يعمل في مختبر الدفع النفّاث بمعهد كاليفورنيا للتكنولوجيا في باسادينا، كاليفورنيا 91109، الولايات المتحدة الأمريكية.

البريد الإلكتروني: robert.a.west@jpl.nasa.gov