أنباء وآراء

علم الفلك: النجم الذي لا يموت

حَدَثٌ بدا في البداية كانفجار مستعر أعظم عادي، استمر في الاندلاع بسطوع لأكثر من 600 يوم على نحو تعجز النماذج النظرية القياسية عن تفسيره.

ستان وُوزْلِي
  • Published online:

عندما يموت نجمٌ تزيد كتلته عن ثماني كتل شمسية، فإنه إمّا ينهار فيتكون ثقب أسود، أو ينفجر على هيئة مستعر أعظم1. في حالة الانفجار على هيئة مستعر أعظم، يقذف انفجار في مركز النجم - ينتج عادةً عن عملية تكوُّن أثر نجميّ يُسمَّى نجمًا نيوترونيًّا - المواد المحيطة بسرعة عالية. يطلق انتشار هذه المواد الطاقة المحبوسة، مُحْدِثًا سطوعًا شبه مستمر (يعادل سطوع حوالي 100 مليون شمس) لحوالي 100 يوم، قبل أن يخبو. والمستعرات العظمى التي تستمر لمدة تزيد على 130 يومًا نادرة للغاية2، لكنّ أركافي وآخرين3 ذكروا في بحث نُشِر في دورية Nature أن مستعرًا أعظم يُعرَف باسم iPTF14hls توهّج على نحو باهر لمدة تزيد على 600 يوم، ما يجعله أطول المستعرات العظمى الساطعة التي رُصِدت عمرًا على الإطلاق.

اُكتشِف المستعر الأعظم iPTF14hls في سبتمبر عام 2014 باستخدام تليسكوب «مشروع بالومار الأوسط لمسح الأحداث الفلكية العابرة» بالقرب من سان دييجو بكاليفورنيا، وبدا مستعرًا عاديًّا يأخذ مجراه بالفعل. ورُصِد على نحو غير منتظم على مدار الأشهر القليلة التالية، وصُنِّف في نهاية الأمر4 كنوع شائع من المستعرات العظمى، يُسمَّى "II-P"، وذلك في يناير 2015، لكن عدم تقلُّص ذلك المستعر لاحقًا دفع أركافي وزملاءه إلى إيلائه اهتمامًا خاصًا.

لم يقتصر الأمر على عدم خبو المستعر الأعظم iPTF14hls فحسب، فمع امتداد الشهور إلى سنوات، وجد مؤلفو الدراسة أن سطوع ذلك المستعر تفاوَت بمقدار كبير يصل إلى 50% على مدار إطار زمنيّ غير منتظم، كما لو كان ينفجر مرارًا وتكرارًا. وعلى الرغم من أن iPTF14hls ليس أحد أكثر المستعرات العظمى سطوعًا على الإطلاق، فإنه كان أكثر سطوعًا من أي انفجار مستعر أعظم عاديّ من النوع II-P، ومع استمراره في السطوع لمدة طويلة، أَطْلَق كمية أكبر بكثير من الطاقة.

ومثلما رفض الضوء المنبعث من المستعر الأعظم iPTF14hls أن يخبو، أبَى طيفه الضوئيّ أيضًا أن يتطور. وما يحدث عادةً هو أنه مع تمدُّد أي مستعر أعظم، يكشف عن مادة أكثر عمقًا وبطئًا في حركتها، وتصير الخطوط في طيفه أضيق، لكنْ في حالة iPTF14hls، وجد أركافي وزملاؤه أن المنطقة التي ينبعث منها الضوء حافظت على سرعتها نفسها على مدار حياة المستعر الأعظم.

قد تكون هذه النتيجة منطقية، لو كان الباحثون قد رصدوا الانبعاث القادم من غلاف واحد من المواد المقذوفة، لكن نصف قطر ذلك الغلاف لا بد أنه زاد بمرور الوقت. ووفقًا لنظرية الإشعاع، إذا كان شيء ما يكبر مع الوقت، لكنه يحافظ على سطوعه، فينبغي أن يصير أبرد أيضًا. وبخلاف التوقعات مجددًا، بقي iPTF14hls ثابتًا على درجة الحرارة نفسها (نحو 6 آلاف كلفن)، ما يشير إلى أن نصف قطر المنطقة التي ينبعث منها الضوء كان ثابتًا تقريبًا. فما الذي حدث؟

تسطع المستعرات العظمى لأحد أربعة أسباب5، هي: الاضمحلال الإشعاعيّ؛ أو الإشعاع المنبعث من غلاف نجم عملاق، زادت درجة حرارته بفعل الصدمة، بينما كان يتمدد ويبرد (ينطبق ذلك على المستعرات العظمى العادية من النوع II-P)؛ أو الأغلفة المتصادمة التي تحوّل الطاقة الحركية إلى ضوء (ينطبق ذلك على المستعرات العظمى من النوع IIn)؛ أو الإشعاع المنبعث من جسم نجميّ مضغوط مركزيّ، مثل نجم مغناطيسي. في حالة iPTF14hls، يمكن استبعاد النشاط الإشعاعي، لأن النظائر التي لها العمر الملائم لتفسير الانبعاث ليست متوفرة بالشكل الكافي في الانفجار. وبالمثل، فإن الإشعاع المنبعث من غلاف، زادت حرارته بفعل الصدمة، سيتطلب كتلة غلاف وطاقة انفجار تتنافيان مع فهْمنا الحالي للتطور النجميّ.

ومن ثم، فإن الأسباب التي أدّت إلى حدوث iPTF14hls تنحصر في النجم المغناطيسيّ والأغلفة المتصادمة. استكشف أركافي وزملاؤه كلا الاحتمالين، واستبعدوا النماذج الأبسط. وباستخدام معادلات قياسية - يُحتمَل ألا تكون مناسِبة لهذا الحدث - استنتج الباحثون أن السطوع الأَوّليّ لأي نجم مغناطيسيّ سيكون أشد بكثير؛ بحيث لا يمكن أن يفسر ما رصدوه. وبالمثل، فإن الطبقات المتصادمة، التي تشيع في المستعرات العظمى من النوع IIn، سينتج عنها انبعاث لأشعة سينية وموجات راديوية، لم يُرصَد أيٌّ منها في المستعر الأعظم iPTF14hls، بالإضافة إلى خطوط طيفية أضيق من التي رُصِدت.

وباستبعاد جميع النماذج القياسية النظرية، يَعقِد أركافي وزملاؤه آمالهم على سيناريو بديل؛ وهو أن يكون المستعر الأعظم المرصود من النوع النابض مزدوِج-عدم الاستقرار6. في هذا النموذج، تؤدي حالات عدم الاستقرار الحراريّ النوويّ العنيفة في المراحل النهائية من الاندماج النوويّ في أثناء موت نجم بالغ الضخامة إلى حدوث انفجارات متكررة شبيهة بالمستعرات العظمى. ويَقذِف كل انفجار بضع كتل شمسية من المادة على هيئة نبضات، ويمكنه الاستمرار في ذلك لفترة طويلة، دون تدمير النجم. وعليه، في حالة النجوم التي تولَد بكتلة تقارب 105 كتل شمسية، يمكن أن تستمر الانفجارات لحوالي سنتين، وهو ما يتفق مع الإطار الزمنيّ العام للمستعر الأعظم iPTF14hls.

يتنبأ النموذج أيضًا بأنه قبل حدوث النبضات العنيفة، يَفقِد النجم حوالي نصف كتلته، بفعل الرياح النجمية، وربما أيضًا بفعل نبضات سابقة؛ إذ يشير الباحثون إلى احتمال وقوع انفجار قبل 60 سنة من نشوء المستعر الأعظم iPTF14hls في الموقع ذاته. وقُذف حينذاك ما يعادل 10 كتل شمسية في الانفجار نفسه. والأربعون كتلة شمسية - أو نحوها - المتبقية انهارت؛ ما أدى إلى تكون ثقب أسود، وهو ما قد يُعطي سطوعًا إضافيًّا، من خلال التحام المواد التي فشلت في الهروب.

إنّ المستعرات العظمى النابضة مزدوِجة-عدم الاستقرار لم تُرصَد على نحو قاطع، ولكن من الناحية النظرية، يَنتُج الإشعاع المنبعث منها من الأغلفة المتصادمة (شكل 1). وتتحرك هذه الأغلفة على نحو أسرع مما يحدث في المستعرات العظمى من النوع IIn، مع قذْف المادة بأقصى سرعة في النبضة الأولى. ومن ثم، فإنّ الأغلفة تتصادم بعيدًا عن منبعها، وبالتالي يمكن للإشعاع المنبعث الهروب بسهولة، بدلًا من البقاء محاصَرًا، والتعرض لانخفاض درجة الحرارة مع تمدُّد المستعر الأعظم. وبذلك، فإنّ مجموع الطاقة الحركية لأغلفة عديدة كهذه الأغلفة (حوالي 5110 إرج تقريبًا) يمكن أن يُفسِّر الطاقة الكلية المنبعثة من المستعر الأعظم iPTF14hls.

شكل 1| مستعر أعظم نابض مزدوِج-عدم الاستقرار

أعلن أركافي وآخرون3 أن مستعرًا أعظم - وهو موت نجم ضخم متفجّرًا - بقي ساطعًا لأكثر من سنتين، بدلًا من أن يخبو بعد بضعة أشهر، كما كان متوقعًا. يرى الباحثون أن الحدث يمكن تفسيره باستخدام نموذج يُعرَف باسم المستعر الأعظم النابض مزدوِج-عدم الاستقرار6. في هذا النموذج، تُقذف الطبقات السطحية للنجم، الغنية بالهيدروجين (موضحة باللون الأحمر) أولًا. وعلى مدار السنة التالية، يتحرك هذا الغلاف من المواد لمسافة تبلغ حوالي ألفي وحدة فلكية (تعادل كل وحدة فلكية متوسط المسافة بين كوكب الأرض، والشمس). وتُقذف بعد ذلك أغلفة إضافية (موضحة باللونين الأزرق، والأخضر). ويحتوي كل غلاف على مواد لها نطاق من السرعات، مع وجود المواد الأسرع في الخارج. ومع امتداد المستعر الأعظم (موضح بالأسهم الخضراء)، تصطدم الحافة الأمامية لأحد الأغلفة مع الحافة الداخلية لغلاف مقذوف سابقًا، على بعد حوالي 200 وحدة فلكية من مركز المستعر الأعظم. وتَنْتُج عن ذلك إشعاعات، يتشتت بعض منها بعيدًا عن المواد المحيطة، قبل أن تتمكن من الهروب في النهاية. وأخيرًا، ينهار النجم فيتكون ثقب أسود (غير موضح بالشكل).

أعلن أركافي وآخرون3 أن مستعرًا أعظم - وهو موت نجم ضخم متفجّرًا - بقي ساطعًا لأكثر من سنتين، بدلًا من أن يخبو بعد بضعة أشهر، كما كان متوقعًا. يرى الباحثون أن الحدث يمكن تفسيره باستخدام نموذج يُعرَف باسم المستعر الأعظم النابض مزدوِج-عدم الاستقرار6. في هذا النموذج، تُقذف الطبقات السطحية للنجم، الغنية بالهيدروجين (موضحة باللون الأحمر) أولًا. وعلى مدار السنة التالية، يتحرك هذا الغلاف من المواد لمسافة تبلغ حوالي ألفي وحدة فلكية (تعادل كل وحدة فلكية متوسط المسافة بين كوكب الأرض، والشمس). وتُقذف بعد ذلك أغلفة إضافية (موضحة باللونين الأزرق، والأخضر). ويحتوي كل غلاف على مواد لها نطاق من السرعات، مع وجود المواد الأسرع في الخارج. ومع امتداد المستعر الأعظم (موضح بالأسهم الخضراء)، تصطدم الحافة الأمامية لأحد الأغلفة مع الحافة الداخلية لغلاف مقذوف سابقًا، على بعد حوالي 200 وحدة فلكية من مركز المستعر الأعظم. وتَنْتُج عن ذلك إشعاعات، يتشتت بعض منها بعيدًا عن المواد المحيطة، قبل أن تتمكن من الهروب في النهاية. وأخيرًا، ينهار النجم فيتكون ثقب أسود (غير موضح بالشكل). 

كبر الصورة

غير أنه ثمة مشكلات تصاحب هذا السيناريو؛ منها على سبيل المثال، أن النموذج لا يُقدِّم تفسيرًا لبقاء درجة حرارة المستعر الأعظم ثابتة. وإضافة إلى ذلك، قَدَّر أركافي وزملاؤه ضرورة حدوث قذف لعشرات الكتل الشمسية بسرعة عالية لتفسير خطوط محددة في الطيف المرصود. ومِثْل هذا القذف يتطلب طاقة تماثل 20 مرة تلك التي يمكن أن يُنتِجها مستعر أعظم نابض مزدوِج-عدم الاستقرار6. وبالرغم من ذلك، يظل تقدير الباحثين غير مؤكد، ويعتمد على افتراض أن المستعر الأعظم تنبعث منها الإشعاعات كجسم أسود (أي أنه يُطْلِق ضوءًا له طيف محدد) في جميع الأوقات. وفي الواقع، ربما كانت الطبقات المتصادمة لتنتج مزيدًا من الإشعاع المؤين، من شأنه الحدّ من متطلبات الطاقة، لكنه لم يُكشَف عن مثل هذا الإشعاع.

وحتى الآن، لم يُنشَر نموذج واضح يمكنه تفسير الانبعاث المرصود من المستعر الأعظم iPTF14hls، وثبات درجة حرارته، ناهيك عن الانفجار المحتمل الذي وقع قبل 60 سنة من نشوء المستعر الأعظم. إنّ فهْم ذلك المستعر على نحو أفضل يمكن أنّ يمنحنا نظرة متعمقة عن تطوّر أكثر النجوم ضخامة، وكيفية نشوء أكثر المستعرات العظمى سطوعًا، وربما أيضا كيفية ميلاد الثقوب السوداء التي لها كُتَل تقترب من 40 كتلة شمسية، مثل تلك المرتبطة بأول اكتشاف مباشر لموجات الجاذبية7. وفي الوقت الراهن، يقدِّم المستعر الأعظم للفلكيين أعظم مصادر افتتانهم، ألا وهو: شيء يعجزون عن فهمه.

References

  1. Smartt, S. J. Annu. Rev. Astron. Astrophys. 47, 63–106 (2009). | article
  2. Anderson, J. P. et al. Astrophys. J. 786, 67 (2014). 
  3. Arcavi, I. et al. Nature 551, 210–213 (2017).
  4. Li, W., Wang, X. & Zhang, T. Astron. Telegr. 6898 (2015).
  5. Sukhbold, T. & Woosley, S. E. Astrophys. J. 820, L38 (2016).  
  6. Woosley, S. E. Astrophys. J. 836, 244–279 (2017).  | article
  7. Abbott, B. P. et al. (LIGO Scientific Collaboration and Virgo Collaboration) Phys. Rev. Lett. 116, 061102 (2016). | article

ستان ووزلي يعمل في قسم الفلك والفيزياء الفلكية بجامعة كاليفورنيا، سانتا كروز، سانتا كروز، كاليفورنيا 95064، الولايات المتحدة الأمريكية.

البريد الإلكتروني: woosley@ucolick.org