أنباء وآراء

علم الكيمياء الأرضية: الكواكب المصغرة المتبخِّرة

دراستان تُظْهِران أن تبخر الصخور المنصهرة كان في صلب عملية تكَوُّن كوكب الأرض وغيره من الأجرام الصخرية في النظام الشمسي، وهو ما يشير إلى أن الاصطدامات العنيفة لعبت دورًا أساسيًّا في عملية التكوين. 

إدوارد دي. يانج 
  • Published online:

يُعتقد أن تركيز العناصر في النيازك التي تُدعى "الكوندريتات" يعكس التركيب الكيميائي للنظام الشمسي في مراحله الأولى؛ وهي فكرة تعززها حقيقة أن الكوندريتات لها تركيب مشابِه للشمس، إلا أن كوكب الأرض والأجرام المشابِهة له في نظامنا الشمسي مستنزفة من بعض العناصر الأكثر تطايرًا المكوِّنة للصخور، مقارنة بالكوندريتات1. وبوجه عام، كلما كان العنصر أكثر تطايرًا، كانت صلته بالغازات أكبر من الصخور، وكان مستنزفًا بشكل أكبر من تلك الأجسام. وثمة جدل ساخن حول منشأ ظاهرة التطاير2-4، غير أن ثمة دراستين حديثتين تقترحان إجابة لهذه المسألة الجيوكيميائية المطروحة منذ وقت طويل.

في بحث نُشر في دورية Nature في سبتمبر الماضي، يوضح هين وزملاؤه5 أن نِسَب نظائر الماغنسيوم في كوكب الأرض، وكوكب المريخ، بالإضافة إلى بعض الكويكبات، تقدم أدلة على حدوث تبخُّر واسع النطاق للصخور المنصهرة. وفي بحث منشور في العدد نفسه، يعلن نوريس ووود6 عن تجارب تبيِّن أن أفضل تفسير لتركيز العديد من العناصر المُحِبَّة للكبريت على كوكب الأرض يُعزى أيضًا إلى الانصهار الجزئي، وتبخُّر الصخور. وتقترح كلتا الدراستين حدوث اصطدامات قوية بين الكواكب المصغرة - وهى الأسلاف الصخرية للكواكب ذات الأحجام المماثلة للكويكبات - باعتبارها السبب المرجَّح لانصهار الصخور وتبخُّرها.

أثناء مرحلة التكوين، خضع كوكب الأرض والعديد من الأجرام الصخرية الأخرى لعمليات انصهارٍ، نَجَمَ عنها تَكَوُّن وشاح وقشرة، إضافة إلى لُبّ معدني أكثر كثافة. ورغم أن أغلب الناس يظنون أن الصخور المنصهرة من غير المحتمل أن تتبخر، فإن تجارب مخبرية7 أظهرت أن هذه المواد تتبخر بالفعل، إذا كانت معرَّضة لفراغ الفضاء؛ حيث تتبخر المواد الأكثر تطايرًا على نحو أسرع من المواد الأقل تطايرًا. وإضافة إلى ذلك، كانت نظائر العناصر الأخف، التي تتذبذب بسرعة، أسرع في التبخر من النظائر الثقيلة الخاملة، مما تَنتُج عنها وفرة في النظائر الثقيلة في الصخور المنصهرة المتبقية.

أعلن هين وزملاؤه عن مجموعة مثيرة للإعجاب من البيانات عالية الدقة، المتعلقة بالوفرة النسبية لنظيرين مستقرين من نظائر الماغنسيوم، هما 24Mg، و 25Mg، التي أظهرت أن الأرض والأجرام الصخرية المماثلة ثرية إلى حد ما بالنظير الأثقل 25Mg، وذلك بالمقارنة بالكوندريتات التي تكونت منها. وهذا الثراء هو تحديدًا ما يمكن توقُّعه إذا كانت الصخور المنصهرة في أسلاف الكواكب قد تبخرت، وهو ما يستحضر إلى الأذهان صورًا للحِمَم الطافية في الفراغ الفضائي. وتبث البيانات التي تَوَصَّل إليها الباحثون الحياة من جديد في مقترحات سابقة8، رجَّحت وجود اختلافات بين كوكب الأرض والكوندريتات، من حيث التركيب النظائري للماغنسيوم.

تُعتبر نظائر الماغنسيوم مفيدة بصفة خاصة في مثل هذه التحليلات، لأن الماغنسيوم هو عنصر محِبّ للصخور؛ وبالتالي فهو لا يُفقد في الأغلفة الجوية للكواكب، وكذلك لا يذوب في اللب المعدني عند درجات الحرارة الملائمة لتكوين الكواكب. ومن ثم، فإنه يُعَدّ عنصر تتبُّع واضح لتاريخ الصخور. وقد بيَن هين وزملاؤه أنه إذا كان تبخر الصخور المنصهرة بطيئًا بالقدر الكافي الذي يسمح بحدوث توازن ديناميكي حراري بين الصخور وأبخرتها، فإن ظاهرة إثراء بعض الأجرام المنصهرة بنظائر السيليكون9 والحديد10 الثقيلة، التي سبق توثيقها، يمكن تفسيرها أيضًا بعملية فَقْد الأبخرة، بدلًا من فرضية الاحتجاز في لب الكوكب، كما كان يُقترَح سابقًا11-13.

وفي دراسة منفصلة، ولكنها ذات صلة، قام نوريس ووود بصَهْر صخور بازلتية في فرن، تحت ظروف منضبطة، واكتشفا أن تبخر العناصر المُحِبَّة للكبريت متوسطة التطاير، يفسر العديد من الملاحظات المحيرة المتعلقة بالتركيزات المناسبة لهذه العناصر في الجزء الصخري من كوكب الأرض. وعلى وجه الخصوص، وجد المؤلفان أن التطاير المُثبت تجريبيًّا يفسِّر نمط استنزاف تلك العناصر من الجزء الصخري من كوكب الأرض14، وذلك إذا كانت الضغوط الجزئية للأكسجين في وقت التبخر مرتفعة نسبيًّا، ومماثلة لتلك الضغوط التي تصل إليها أثناء مرحلة تكون الكوكب (الضغط الجزئي هو الضغط الناتج عن مكون في خليط من الغازات). وما كان لمثل هذه الظروف أن تَسُود، إلا بعد انتشار غاز الهيدروجين المتبقي من عملية تكوين الشمس، بفعل الرياح النجمية الشديدة. وبالنظر إلى أن ذلك الانتشار استغرق ملايين عديدة من السنوات15، فإن تجارب نوريس ووود لا تشير فقط إلى التبخر، باعتباره عملية رئيسة، ولكنها أيضًا تحدد توقيت أحداث التبخر.

والسؤال الذي يتبادر الآن إلى الذهن، كيف تكونت الصخور المنصهرة؟ وفقًا لكلتا الدراستين، فإن تصادمات عنيفة بين كواكب مصغرة تسببت في الانصهار وفَقْد الأبخرة (الشكل 1). ويشير كلا الفريقين - بشكل صحيح - إلى أن سرعات الغازات الساخنة يمكن أن تتغلب على قوة الجاذبية فقط في حالة الكواكب المصغرة؛ أي تلك التي تُعادِل كتلتها حوالي نصف كتلة كوكب بلوتو. ومن ثم، ربما قد ورث كوكب الأرض والأجرام الكبيرة الأخرى البصمات الكيميائية لفَقْد الأبخرة من تلك الوحدات البنائية الأصغر. ومن ناحية أخرى، ترجح عمليات المحاكاة الحاسوبية للتصادمات الضخمة - مثل التصادم الذي نتج عنه تَكَوُّن القمر16 - أن فَقْد الأبخرة يمكن أن يحدث عبر سيناريوهات أكثر تعقيدًا.

شكل 1:تبخُّر الكواكب المصغرة المتصادمة.

Lorem ipsum dolor sit amet, consectetur adipiscing elit, sed do eiusmod tempor incididunt ut labore et             dolore magna aliqua.
كبر الصورة

تختلف استنتاجات الدراستين في نواح مهمة، وإنْ كانت ضئيلة. يقترح هين وزملاؤه حدوث سلسلة من أحداث التوازن بين السائل والبخار، نتجت عن تصادمات الكواكب المصغرة، وفيها تصبح معدلات التكثف والتبخر متساوية، قبل هروب البخار. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو عما إذا كانت التصادمات يمكن أن تؤدي حقًّا إلى مثل هذه الموازنة العرضية وفَقْد البخار. وعلى النقيض، يشير نوريس ووود إلى الآليات الحركية لعملية التبخر، وليس التوازن بمعناه الدقيق. وسوف نري فيما بعد ما إذا كانت استنتاجات الدراستين تتعارض على نحو حاد، أم لا.

ولا تُعَدّ نتائج الدراستين قابلة للتطبيق بشكل عام بعد، فمثلًا؛ يحتوي كوكبا الأرض والمريخ على نِسَب مختلفة من نظائر السيليكون، لا يمكن تفسيرها بسهولة في ضوء نماذج مؤلفي الدراستين. وإضافة إلى ذلك، فلا بد من تفسير تأثير ذوبان نظائر عناصر معينة، مثل السيليكون، والحديد في مراكز الأجرام الكوكبية. وسوف يتطلب تمييز الفوارق بين تأثيرات تَكَوُّن اللب، وتأثيرات فَقْد البخار على تركيبات النظائر مزيدًا من الدراسات.

وبرغم المشكلات التي لم تُحَلّ بعد، فقد يتضح في نهاية المطاف أن الكيمياء الفيزيائية لعمليتي الانصهار والتبخر بمثابة حُكْم رئيس بين النماذج المتنافسة على تفسير كيفية تَكَوُّن الكواكب. والدراستان الأخيرتان ليستا أولى الدراسات التي تشير إلى أن استنزاف العناصر القابلة للتطاير وانفصال النظائر قد نتج عن تصادمات17، ولكن نجاحهما النسبي ينبغي أن يشجع على مزيد من الاستكشاف للدور المحتمل للتصادمات في تحديد التركيب الكيميائي والنظائري للكواكب.

References

  1. McDonough, W. F. & Sun, S. Chem. Geol. 120, 223–253 (1995). | article
  2. Allègre, C., Manhès, G. & Lewin, E. Earth Planet. Sci. Lett. 185, 49–69 (2001). | article
  3. Young, E. D. Earth Planet. Sci. Lett. 183, 321–333 (2000). | article
  4. Day, J. M. D. & Moynier, F. Phil. Trans. R. Soc. A 372, 20130259 (2014). | article
  5. Hin, R. C. et al. Nature 549, 511–515 (2017). | article
  6. Norris, C. A. & Wood, B. J. Nature 549, 507–510 (2017). | article
  7. Davis, A. M., Hashimoto, A., Clayton, R. N. & Mayeda, T. K. Nature 347, 655–658 (1990). | article
  8. Young, E. D., Tonui, E., Manning, C. E., Schauble, E. & Macris, C. A. Earth Planet. Sci. Lett. 288, 524–533 (2009). | article
  9. Pringle, E. A., Moynier, F., Savage, P. S., Badro, J. & Barrat, J.-A. Proc. Natl Acad. Sci. USA 111, 17029–17032 (2014). | article
  10. Sossi, P. A., Nebel, O., Anand, M. & Poitrasson, F. Earth Planet. Sci. Lett. 449, 360–371 (2016). | article
  11. Polyakov, V. B. Science 323, 912–914 (2009). | article
  12. Georg, R. B., Halliday, A. N., Schauble, E. A. & Reynolds, B. C. Nature 447, 1102–1106 (2007). | article
  13. Shahar, A. et al. Science 352, 580–582 (2016). | article
  14. Palme, H. & O’Neil, H. St. C. in Treatise on Geochemistry 2nd edn, Vol. 3 (eds Holland, H. D. & Turekian, K. K.) 1–39 (Elsevier, 2014). | article
  15. Pecaut, M. J. & Mamajek, E. E. Mon. Not. R. Astron. Soc. 461, 794–815 (2016). | article
  16. Lock, S. J. & Stewart, S. T. J. Geophys. Res. Planets 122, 950–982 (2017). | article
  17. Poitrasson, F., Halliday, A. N., Lee, D.-C., Levasseur, S. & Teutsch, N. Earth Planet. Sci. Lett. 223, 253–266 (2004). | article

إدوارد دي. يانج يعمل في قسم علوم الأرض والكواكب والفضاء، بجامعة كاليفورنيا، لوس أنجيليس، لوس أنجيليس، كاليفورنيا 90095-1567 ، الولايات المتحدة الأمريكية.

البريد الإلكتروني: eyoung@epss.ucla.edu