أنباء وآراء

علم البيئة: خطة عالمية للحفاظ على الطبيعة

تحرُّك دولي يدعو إلى تخصيص نصف مساحة الأرض - على الأقل - للحفاظ على الطبيعة. دراسة عالمية كشفت مؤخرًا أنه توجد في العديد من المناطق الإيكولوجية ما يكفي من الموائل الطبيعية لتحقيق هذا الهدف، كما تقترح الدراسة أفكارًا بشأن الخطوات المستقبلية التي يجب اتخاذها.

جيمس إي. إم. واتسون، وأوسكار فِنتر

  • Published online:

يُعَدّ تغيُّر المناخ، وفقدان التنوع الحيوي مِن أكبر التحديات البيئية في عصرنا الحالي. ينص اتفاق باريس للمناخ - المبرَم في عام 2015 - على أن الاحترار العالمي يجب أن يكون محدودًا بزيادة قدرها أقل من درجتين مئويتين فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية؛ لتجنب أعظم آثار تغيُّر المناخ1. وكان هذا الهدف بمثابة نقطة التقاء للجهود العالمية، الهادفة إلى الحدّ من انبعاثات الكربون، غير أن هدفًا آخر - على القدر نفسه من الوضوح، ويحظى بالاتفاق، ويتعلق بمقدار المساحة الطبيعية التي ينبغي الحفاظ عليها، لمواجهة أزمة التنوع الحيوي - كان أكثر صعوبة بكثير. وفي دراسة بدورية "بايوساينس" BioScience، يحلل داينرستاين وزملاؤه2 المستوى الحالي لحماية النظم الإيكولوجية على نطاق عالمي، ويقترحون طريقة لمواجهة مشكلة فقدان التنوع الحيوي.

كانت فكرة تخصيص ما لا يقل عن نصف مساحة الأرض، بهدف الحفاظ على الطبيعة، تكتسب زخمًا كبيرًا. وتشير دراسات مختلفة إلى أن تحقيق هذا الهدف - الذي غالبًا ما يُناقَش تحت اسم "نصف الأرض" Half-Earth، وهو المصطلح الذي ابتكره عالِم الأحياء إي. أو. ويلسون3 - سيساعد في تجنب التدهور الشديد واسع النطاق في التنوع الحيوي، ومَنْع انهيار الخدمات الحيوية التي توفرها النظم الإيكولوجية، مثل احتجاز الكربون وتخزينه، وتنظيم المناخ.

إحدى المشكلات التي تحُول دون تحوُّل هذا الهدف إلى حقيقة واقعة تتمثل في أن حماية 50% من جميع النظم الإيكولوجية الأرضية تتجاوز بكثير التزامات المحافظة العالمية الحالية. فعلى سبيل المثال، تهدف الخطة4 التي تتبناها حاليًّا "اتفاقية الأمم المتحدة للتنوع الحيوي" إلى حماية 17% من المناطق البرية والمياه العذبة، و10% من المناطق البحرية بحلول عام 2020. ومن الواضح أن حجم الحفاظ على الطبيعة المطلوب لحماية "نصف الأرض" الأكبر من ذلك بكثير جعل الكثيرين يتساءلون عما إذا كان تحقيق ذلك الهدف ممكنًا من الأساس، أم لا، في ضوء التحويل المطرد للموائل الطبيعية، الذي يُضْعِف بسرعة من فرص الحفاظ على الطبيعة على نطاق واسع5،6. وقد قام داينرستاين وزملاؤه بمحاولة أولى، للإجابة عن هذا السؤال الأساسي فيما يخص المناطق البرية، وكانت نتائجهم مشجعة، ومثبطة للعزيمة في الوقت ذاته.

إنّ تخصيص نصف الأرض للحفاظ على الطبيعة هو نتيجةٌ يمكن تحقيقها الآن فقط في المناطق البيئية، التي لا تزال تحتفظ بنسبة 50% على الأقل من الموائل الطبيعية. وعليه، قام داينرستاين وزملاؤه بتقييم مستوى الموائل الطبيعية المتبقية في كل المناطق البيئية الأرضية البرية، البالغ عددها 846 منطقة؛ مثل منطقة الغابات المنخفضة في شمال شرق الكونغو (الشكل 1). ولكي يتمكنوا من تحقيق هذا الغرض، استخدموا خرائط الغطاء النباتي للغابات الملتقَطة بواسطة الأقمار الصناعية، فضلًا عن بيانات أخرى، لتحديد أنماط استخدام الأراضي والتعداد السكاني7. وقد كشفت تحليلاتهم أن ما يقرب من 50% من المناطق البيئية حول العالم تمتلك الموائل الطبيعية المتبقية اللازمة لتحقيق هدف حماية نصف الأرض، وأن 12% من هذه المناطق البيئية محمية الآن بنسبة 50% على الأقل. وسوف تحتاج المناطق البيئية، التي تقل فيها الموائل الموائل المتبقية عن 50%، إلى جهود ترميم وإحياء ضحمة؛ من أجل تحقيق هذا الهدف. ونسبة 24% من هذه المناطق تُوصَف بأنها "في خطر"، نظرًا إلى أنه لم يتبق من موائلها الطبيعية سوى 20% فقط. وتبيِّن بيانات الباحثين بوضوح أن تحقيق هدف الحفاظ على نصف الأرض لا يزال ممكنًا في العديد من الأماكن، ولكن ليس في كل مكان.

شكل 1: النظم الإيكولوجية لأراضي الغابات المنخفضة في الكونغو.

ثمة اقتراح3 بتخصيص نصف الأرض لجهود الحفاظ على الطبيعة، كوسيلة لمنع فقدان التنوع الحيوي. فقد قام داينرستاين وزملاؤه2 بتقييم النطاق الحالي للموائل الطبيعية المتبقية في المناطق البيئية البرية في العالَم، البالغ عددها 846 منطقة. وينبغي أن يركز جزء من خطة الحفاظ على الطبيعة على ضمان الحفاظ على آخر الغابات السليمة المتبقية في العالم، مثل تلك الموجودة في حوض نهر الكونغو.

ثمة اقتراح3 بتخصيص نصف الأرض لجهود الحفاظ على الطبيعة، كوسيلة لمنع فقدان التنوع الحيوي. فقد قام داينرستاين وزملاؤه2 بتقييم النطاق الحالي للموائل الطبيعية المتبقية في المناطق البيئية البرية في العالَم، البالغ عددها 846 منطقة. وينبغي أن يركز جزء من خطة الحفاظ على الطبيعة على ضمان الحفاظ على آخر الغابات السليمة المتبقية في العالم، مثل تلك الموجودة في حوض نهر الكونغو.

LIANA JOSEPH

وعن طريق تقييم إمكانية تحقيق هدف الحفاظ على نصف الأرض، ساعد داينرستاين وزملاؤه في اتخاذ الخطوة الأولى لوضع خارطة طريق؛ لتحقيق هذا الهدف. وقد عرض الباحثون فكرة "صفقة عالمية من أجل الطبيعة"، تتفق الدول بموجبها على تحقيق هدف الحفاظ على نصف الأرض - حيثما أمكن ذلك - بحلول عام 2050. ومن شأن هذا الاتفاق أن يوفر نظيرًا لاتفاق باريس للمناخ، يركز على التنوع الحيوي.

وما نحتاج إليه الآن هو خطة علمية واضحة، تحدد الخطوات التالية لتحويل هدف الحفاظ على نصف الأرض إلى حقيقة واقعة. ونقترح أن تتمحور هذه الخطة والأجندة العلمية حول ثلاثة أسئلة أساسية.

من عدة نواح، يُعَد السؤال الأول هو السؤال الأساسي في بيولوجيا الحفاظ على الطبيعة، وهو: ما أهم الأماكن التي ينبغي الحفاظ عليها؟ ويجب أن تأخذ الإجابة في الاعتبار كلًّا من نطاق مشروع "نصف الأرض"، والتنوع الهائل لأهداف الحفاظ التي تجري دراستها. وكبداية، ولوقف فقدان التنوع الحيوي الوشيك، ينبغي إعطاء الأولوية للأماكن التي تأوي آخِر الجماعات المتبقية من الأنواع والعينات الأخيرة من أي نوع من النظم الإيكولوجية. ولدعم وتعزيز تلك المواقع التي لا يمكن الاستغناء عنها، ينبغي أيضًا تحديد وحماية الأماكن التي لا تزال كبيرة وسليمة، وتعمل بطرق لا تعوقها أنشطة بشرية واسعة النطاق. فمثل هذه الأماكن تُعَد العمود الفقري لخدمات النظم الإيكولوجية على النطاق الكوكبي والإقليمي، فضلًا عن أنها توفر القدرة على الصمود، التي تمكِّن الأنواع والنظم الإيكولوجية من تجديد ذاتها، والتكيف مع الضغوط الناجمة عن الأنشطة البشرية8.

ثانيًا، ما هو نطاق التهديدات التي يتعرض لها التنوع الحيوي المحلي، وشدتها، ومسارها، وما هي العمليات التي تدعم تلك التهديدات؟ وللإجابة عن هذا السؤال، سيكون من الضروري أن نفهم مسبِّبات فقدان الموائل الطبيعية وتدهورها، وأن نفهم أيضًا الآثار الغامضة التي قد تسبِّبها عوامل أخرى، مثل وجود أنواع غازِيَة، والإفراط في الحصاد، والأمراض، وتغيُّر المناخ، وتغيير أنظمة الحرائق9. كل هذه العوامل تحدّ من جودة الموائل الطبيعية، دون التأثير بالضرورة على مساحتها. ولأن جميع التهديدات بطبيعتها مرتبطة بقوى اجتماعية واقتصادية، فينبغي تبنِّي نهج متعدد الاختصاصات؛ لتقييمها. ويمكن أن يساعد فهْم التهديدات على تقييم الأماكن التي تحتاج بشدة إلى اتخاذ إجراءات من أجل الحفاظ على الموائل الطبيعية، وترميمها، كما يتيح لجهود الحفظ التركيز على الحدّ من عدد المناطق البيئية التي تحتفظ بأقل من نصف موائلها الطبيعية.

وأخيرًا، بالنسبة إلى المناطق التي يمثل التدخل فيها أولوية، ما هي التدابير اللازمة لضمان الحفاظ على السلامة الطبيعية لهذه المناطق؟ فعلى الرغم من أن المناطق المحمية كانت تمثل حجر الزاوية في إجراءات الحفاظ حتى الآن10، فإن الأرجح أن دورها سوف يتضاءل في شبكة حفظ، يصل مداها إلى مستوى نصف الأرض. وبدلًا من ذلك، لا بد من تقييم أدوار الإدارة المحلية، والجهات الخاصة، وترتيبات الإشراف على المناطق البرية والبحرية، ودفع الأموال إلى المشرفين على الأراضي، من خلال مخططات خدمات النظام الإيكولوجي، التي تديرها المؤسسات العامة والخاصة11. وإضافة إلى ذلك، قد لا تكون إجراءات الحماية الفعالة للحفاظ على السلامة الإيكولوجية مطلوبة في كثير من الأماكن.

ومن شأن استكمال الأبحاث المطلوبة للإجابة عن هذه الأسئلة الثلاثة أن يوفر إطار عمل فعالًا؛ للوصول إلى هدف الحفاظ على "نصف الأرض" بحلول عام 2050. لقد بيَّن التحليل الذي أجراه داينرستاين وزملاؤه أن هذا الهدف ممكن تحقيقه في كثير من الأماكن، كما ساعد على تشجيع هذه الدعوة إلى اتخاذ الإجراءات المطلوبة. إنّ هدف حماية "نصف الأرض" بمثابة غاية كبرى، ونحن نحثّ علماء الحفاظ على الطبيعة على القيام بدورهم في هذه العملية.

References

  1. United Nations. Adoption of the Paris Agreement (UN, 2015). 
  2. Dinerstein, E. et al. BioScience 67, 534–545 (2017). | article
  3. Wilson, E. O. Half-Earth: Our Planet’s Fight for Life (Norton, 2016). 
  4. Convention on Biological Diversity. COP Decision X/2: Strategic Plan for Biodiversity 2011–2020 (2012). 
  5. Büscher, B. et al. Oryx 51, 407–410 (2017). | article
  6. Watson, J. E. M. et al. Conserv. Lett. 9, 413–421 (2016). | article
  7. Ellis, E. C. & Ramankutty, N. Front. Ecol. Environ. 6, 439–447 (2008). | article
  8. Martin, T. G. & Watson, J. E. M. Nature Clim. Change 6, 122–124 (2016). | article
  9. Maxwell, S. L., Fuller, R. A., Brooks, T. M. & Watson, J. E. M. Nature 536, 143–145 (2016). | article
  10. Watson, J. E. M., Dudley, N., Segan, D. B. & Hockings, M. Nature 515, 67–73 (2014). | article
  11. Boyd, C. et al. Conserv. Lett. 1, 37–43 (2008). | article

جيمس إي. إم. واتسون يعمل في "جمعية الحفاظ على الحياة البرية"، و"مدرسة علوم الأرض والبيئة" بـ«جامعة

كوينزلاند»، بريسبن 4072، أستراليا.

أوسكار فِنتر يعمل في "معهد الموارد الطبيعية والدراسات البيئية" بـ«جامعة نورثرن بريتش كولومبيا»، برنس جورج V2N 2M7، كندا.