أخبار

يمكن للضوء أن يعمل كموصِّل فائق

 الاهتزازات الكمية تجعل الفوتونات تتزاوج، على غرار الإلكترونات فائقة التوصيل.

إليزابيث جيبني

  • Published online:
يؤدي تسليط نبضات ضوء الليزر عبر الماء إلى جعل بعض الفوتونات تكوِّن أزواجًا مترابطة.

يؤدي تسليط نبضات ضوء الليزر عبر الماء إلى جعل بعض الفوتونات تكوِّن أزواجًا مترابطة. 

GIPhotoStock/SPL

أدى التوصيل الفائق - وهو ظاهرة يمكن فيها للإلكترونات أن تنتقل عبر مواد معينة دون أن تلقى مقاومة - إلى إحداث ثورة في بعض مجالات الطب، والنقل، والعلوم. ومؤخرًا، شهدت تجربة مثيرة ذلك السلوك نفسه الذي يقوم عليه التوصيل الفائق، لكنْ في جسيمات الضوء.

يقول نِك فاميفاكاس، وهو عالِم متخصص في الفيزياء الكَمِّية بجامعة روتشستر بنيويورك، ولم يشارك في البحث: "هذا عمل مثير حقًّا. وهو يربط بشكل رائع بين انتشار الضوء، وفيزياء المادة المكثفة، وعلم البصريات الكمية".

يعتمد التوصيل الفائق المعهود على تكوين "أزواج كوبر" من الإلكترونات، التي تعمل على توازن مسارات بعضها بعضًا، وتسمح للكهرباء بالتدفق بلا مقاومة. وقد أدى اكتشافها إلى تطوير مغناطيسات قوية فائقة التوصيل، تُستعمل اليوم في الماسحات الطبية، ومسرِّعات الجسيمات، والتوربينات الهوائية، والقطارات المرفوعة مغناطيسيًّا.

ومؤخرًا، وجد فيزيائيون في البرازيل دليلًا على أن فوتونات الضوء تكوِّن أزواجًا مشابهة. تتم تلك العملية في درجة حرارة الغرفة، عندما يمر الضوء عبر مجموعة من السوائل الشفافة، بما فيها الماء، رغم صعوبة رصدها. وعن ذلك يقول أندريه ساريفا، وهو عالِم في مجال الفيزياء النظرية بجامعة ريو دي جانيرو الفيدرالية UFRJ، وشارك في تأليف ورقة بحثية، قُبِلت للنشر في دورية "فيزيكال ريفيو لترز" Physical Review Letters: "إن تكوين هذه الأزواج ليس ممكنًا فحسب، بل يحدث في كل مكان أيضًا".

لا يزال على الفريق استكشاف مدى تشابه ذلك مع التوصيل الفائق، فحيث إنّ الفوتونات تتفاعل مع بيئتها بشكل أقل مما تفعل الإلكترونات، من غير المرجح للأزواج المشابهة في الضوء أن تؤدي إلى تأثيرات قوية بالشكل نفسه الذي يحدث في التيارات الكهربائية، لكنّ البحث قد دفع بالفعل إلى ظهور التخمينات حول الكيفية التي قد تتصرف بها "التيارات الفائقة" الضوئية، وحول الطريقة التي يمكن استعمالها بها.

ينبثق هذا الاكتشاف من عمل بحثي، قاده آدو يوريو بجامعة ميناس جيرايس الفيدرالية UFMG في بيلو ريزونتشي في البرازيل، وجرى خلاله استقصاء كيفية انتشار الضوء خلال المواد. وعندما يحدث ذلك، يمكن أن تفقد الفوتونات بعض الطاقة، وتكتسبها ذرات المادة التي تبدأ في الاهتزاز. وإذا امتص فوتون آخر فورًا هذه الطاقة الاهتزازية، يصبح الفوتونان مرتبطَين بشكل غير مباشر، مع اكتساب أحدهما الطاقة التي يفقدها الآخر.

أثار بحث يوريو فكرة لدى بيليتا كويلر، وهي عالمة في الفيزياء بجامعة ريو دي جانيرو الفيدرالية. فقد لاحظت وجه الشبه بين هذه العملية (التي تؤثر فيها الاهتزازات الناجمة عن فوتون في فوتون آخر)، وتكوين أزواج كوبر في التوصيل الفائق، حيث تسمح التشوهات التي تحدث في شبكة ذرية - بسبب إلكترون متسارع - بأن يجذب الجسيم قرينًا له في أعقابه.

أمّا في الموصّلات الفائقة، يبدو أن الاهتزازات هي من النوع العابر، الذي تسمح به ميكانيكا الكَمّ، والذي يُسمَّى "فونونات افتراضية". وقد تساءلت كويلر وفريقها إنْ كان هذا ينطبق على الضوء أيضًا، أم لا.

بدايةً، أثبت فريق جامعة ريو دي جانيرو الفيدرالية رياضيًّا أنه إذا تفاعلت الفوتونات أيضًا عن طريق الفونونات الافتراضية، سيكون سلوكها مطابقًا تمامًا لسلوك أزواج كوبر في الموصّلات الفائقة، ثم فتَّش الباحثون بجامعة ميناس جيرايس الفيدرالية عن دليل لوجود أزواج كهذه بتسليط نبضات ضوء الليزر عبر الماء، وعبر سبعة سوائل شفافة أخرى في درجة حرارة الغرفة. وبحثوا في الفوتونات الناتجة عن أزواج من الفوتونات، وصلت في آن واحد، انزاح فيها أحد الفوتونَين نحو الأحمر (أي فَقَدَ طاقة)، وانزاح الآخر نحو الأزرق (أي اكتَسَبَ طاقة).

بعد ذلك، استعمل الفريق مرشِّحًا أدقّ، يسمح فقط بمرور الفوتونات ذات انزياح الطاقة الصغير جدًّا، حتى إنه لا يمكن أن يكون قد أتي من الاهتزازات التي تَحْدُث بشكل تقليدي، وقارنوا الأعداد التي رأوها في نوعي المرشِحات. في الحالتين، لاحظ الفريق المعدل نفسه لأزواج الفوتونات؛ ما أوحى بأنها يجب أن تكون قد تولَّدت بفعل العملية الافتراضية. وكانت الإشارة ضئيلة، من بين حوالي 10 كوادريليونات فوتون ضُخَّت في المادة كل ثانية، شاهد الفريق 10 أزواج فقط (أكثر بمئة مرة مما هو متوقَّع أن يحدث مصادفة).

وقد جعلت هذه النتيجة علماء الفيزياء المتخصصون في علم البصريات الكمية، والمتخصصون في المواد المكثفة يتساءلون عن مدى التشابه الممكن مع التوصيل الفائق. ففي المادة، تؤدي أزواج كوبر إلى مجموعة واسعة من التأثيرات المثيرة، لكنْ حتى الآن لا توجد لدى الفريق أي بيانات حول ما إذا كان الشيء نفسه ينطبق على الضوء، أم لا. يقول ساريفا: "هذه أسئلة مهمة جدًّا، نحن حريصون على الإجابة عنها".

وإذا كان بإمكان الفريق زيادة عدد أزواج الفوتونات، فقد تكون ثمة تطبيقات أيضًا للأمر. فباستغلال طريقة تفاعل الفوتونات المتزاوجة مع المادة، يمكن إماطة اللثام عن خواص للمادة، غير مرئية حاليًّا. وإذا أمكن بيان أن الجسيمات تترابط بطرق تتخطى زمنها، أي أنْ يتم ربط خواصها الكمية مع بعضها البعض بشكل جوهري؛ قد يكون بإمكان الماء عند درجة حرارة الغرفة أن يكون مصدرًا رخيصًا جدًّا للفوتونات "المتشابكة"، الضرورية للتشفير الكَمَّي، والحوسبة.

ويتساءل الفيزيائيون أيضًا عما إذا كانت أزواج الفوتونات يمكنها تكوين تيارات فائقة، أم لا، باتخاذها سلوكًا مشابهًا لنظيراتها من الإلكترونات. فعلى سبيل المثال، قد يتبعثر الضوء بدرجة أقل في أثناء انتقاله عبر المادة؛ ما يؤدي إلى تواصل كَمِّي أكثر كفاءة. فهل يمكن للفوتونات المتزاوجة أن تجعل المادة أكثر شفافية؟ في هذه المرحلة، لا نعرف، وذلك حسب قول ساريفا.