مستقبليات

سبعةٌ واثنان من عشرة

تم إجراء اتصال.

ماريسا لينجن
  • Published online:
Lorem ipsum dolor sit amet, consectetur adipiscing elit, sed do eiusmod tempor incididunt ut labore et             dolore magna aliqua.

Illustration by Jacey

تَجَمَّع علماء الفلك خلف المنصة، وقد ارتسمت على وجوههم ابتسامة يملأها الفخر. لم يتوقعوا على الإطلاق أن يجتمع لهم هذا الكم الهائل من مراسلي الصحافة العامة في أحد مؤتمراتهم الصحفية، بل إن أكثرهم لم يتوقع عقد مؤتمر صحفيّ من الأساس. طرفت عيونهم من أضواء كاميرات الفيديو البراقة، وتحوّلت ابتساماتهم رويدًا رويدًا إلى تجهُّم شديد، حتى في أزهى لحظات انتصارهم.

كان قد تم اختيار كاثي بيو لي لتكون المتحدثة الرسمية، فخطبت قائلة: "عِمتم مساءً. نود أن نؤكد أننا فككنا شفرة البثّ الوارد من الجسم غير المتوقع في سديم الجبار. وأكدّت الاختبارات المكثفة صحة تقاريرنا الأولية، التي أفادت بأن هذا الجسم على درجة كبيرة من التنظيم. ونحن الآن على يقين شديد بأن هذا البثّ كان اتصالًا أجراه ذكاءٌ لم ينتمِ إلى كوكب الأرض في الأصل. كان الاتصال كالتالي ــــــ"

صاح مراسل «هيئة الإذاعة البريطانية»: "كائنات فضائية؟ هل تخبريننا حقًّا أنكم تلقيتم رسالة مشفرة من كائنات فضائية؟"

فأجابت د. لي: "نعم، هذا ما أقوله بالضبط"، ثم أضافت: "إذا سمحتَ لي أن أكمل، فسأخبركم بما كانوا يقولون".

استغرق المراسلون لحظات للتوقف عن طرح الأسئلة والتعليقات بصوت مرتفع، وانتهى بهم الحال إلى بعض الهمهمات، ثم صمت مطبق، بينما كانت د. لي تنتظر.

تابعت د. لي حديثها، قائلة: "في البداية، كانت لدينا بعض تسلسلات الأرقام؛ فتَضَمَّن الاتصال أعدادًا أولية، ومثلثية، وأعداد تامة. وهذا أمر مشجع للغاية؛ لأنه يُظْهِر أن لدينا مفاهيم رياضية متشابهة.

لدينا العديد من النِّسَب الأساسية التي تظهر في الطبيعة، مثل تقريب لضعف الثابت باي (π)، الذي يظهر في حساب محيط الدائرة. هذه النسبة ظهرت في 20 رقمًا، ولا يمكن الخلط بينها وبين أي عدد عشوائيّ، أو أي شيء آخر. ووجدنا نسبة كتلة البروتون إلى كتلة الإلكترون، التي ظهرت في عشرة أرقام، والتي لا تظهر أيضًا بطريقة عشوائية. هذا العدد - كما ستلاحِظون - يتطلب درجة عالية إلى حد ما من القياس العلميّ. ورغم ذلك، فإنه لا يعتمد على الوحدات المستخدَمة في هذا القياس".

أومأ الكُتّاب العلميون برؤوسهم، وسجّلوا ملاحظات سريعة بأريحية. كانوا قد خططوا لذلك، وجاء الأمر - بشكل أو بآخر - على النحو الذي توقعوه. أما مراسلو الصحافة العامة، فقد تململوا، وحاولوا الانتباه، لكنهم كانوا يأملون في مطالعة صور أكثر للكائنات الفضائية، وسلاسل أقل من الأرقام، خاصة في ظل الحقائق العلمية الكثيرة المعقدة المتصلة بها. ومن ثم، وقعت قائمة الأرقام رتيبةً على آذانهم.

وتابعت د. لي قائلة: "... و«سبعة، واثنان من عشرة». شكرًا لكم جميعًا على الحضور، ويسعدنا أنكم استطعتم ـــــ"

"ماذا يعني الرقم «سبعة، واثنان من عشرة»؟" سأل مراسل صحيفة "تايمز"، الذي لم يخش أن يُنعَت بالغباء. ثم تابع: "لقد فصلتِ سائر الأرقام الأخرى".

"إننا ... في الواقع لم نتأكد بعد. كل الأرقام الأخرى كانت ذات مغزى. ونقوم حاليًّا بدراسة هذا الرقم".

ساد الهرج والمرج بين المراسلين.

بعد ستة أشهر، لم تعد عبارة "دراسة هذا الرقم" تعبِّر عن الجهود المبذولة في جميع أنحاء العالم؛ للتأكد من أهمية هذا العدد الثابت. فقد زاد تمويل الأبحاث الأساسية زيادة هائلة وسريعة. كانت البشرية قد حصلت على مفتاح لأسرار الكون، ولا ينقصها سوى أن تتمكن من العثور على القفل الذي يناسبه.

في البداية، كان الرابح الأكبر المتخصصين في الفيزياء والكيمياء، لكن بمرور الوقت، نشر علماء الكواكب والجيولوجيون وعلماء الأحياء وجهات نظرهم؛ فأشاروا إلى وجود طابع عام – بالتأكيد - للعمليات الحيوية، ظل على حاله، بغضّ النظر عن السمات الخاصة للغلاف الجوي، ودرجات الحرارة. وكانت الثوابت عديمة الوحدة من الأشياء النادرة والفعّالة في العالم، لكنّ أقسام العلوم في جميع الجامعات كانت ترغب في الحصول على مِنَح سخية؛ لتجد المزيد من هذه الثوابت.. أو على الأقل لتتبعها إلى ما لا نهاية.

في هذه الأثناء، واصلت كاثي بيو لي وعلماء الفلك الآخرون الإنصات إلى الإشارة الواردة من الجسم غير المتوقع في سديم الجبار. ولم يبد أن الجسم انزاح نحو الأحمر أو الأزرق، مقارنة بالأجسام المحيطة به. واستمر في بثّ إشارة، لكن الإشارة تكررت. استمر التكرار مرة تلو الأخرى، بما لا يدع مجالًا للخطأ. ها هي ثوابتنا، وها هي الأشياء التي نعرفها عن الكون، من أصغر الأجزاء إلى الأجزاء المتكررة.

و"سبعة، واثنان من عشرة".

وجد أحد علماء الفلك الآخرين، وهو دكتور جورج إسترادا، الدكتورة لي تبعث بإشارة ردّ إلى سديم الجبار ذات ليلة في وقت متأخر، بينما كانت بمفردها. ها هي الأنماط نفسها، والأرقام نفسها.

الرياضيات، والفيزياء، والكون كما نعرفه. وماذا بعد!         

سألها جورج: "أنتِ لا تقولين لهم «سبعة، واثنين من عشرة». ماذا لو أنهم اعتقدوا أننا لا ندرك .. ماذا كان ذلك؟"

ابتسمت كاثي بيو لي ابتسامة عريضة، ثم قالت: "اثنا عشر، وتسعة من عشرة".

"ماذا تفعلين؟"

"الفضائيون يختبروننا الآن في كل الأشياء، يا جورج. الفضول، والقدرات الرياضية، والتقدّم في العلوم الفيزيائية".

"نعم، بالطبع، سنبحث عن كل هذه الأشياء".

"وربما يكون الدافع وراء «سبعة، واثنين من عشرة» هو جعْلنا نبحث بشكل أعمق، وتحفيزنا، حتى ولو لم تكن تعني شيئًا".

أومأ جورج برأسه؛ فكانت هذه نظرية شائعة بين علماء الفلك.

تابعت كاثي قائلة: "لكن ربما .. ربما يختبروننا في شيء آخر. ربما تكون مزحة بسيطة من جانبهم. الأطفال يحبون العشوائية. إذا كنتَ تريد أن تجعل طفلًا يضحك، فافعل شيئًا مضحكًا وغير متوقَّع. «سبعة، واثنان من عشرة»؟ إنها نكتة لطيفة. هل تريد أن تسمع نكتة أخرى؟ «اثنا عشر، وتسعة من عشرة»!"

ضحكت لي. حملق جورج إليها مشدوهًا، ثم أردف: "لم أفهمها". وتركها وهو يهز رأسه في غضب، ويتمتم بكلمات عن اللجنة.

همست لي قائلة: "لا، لكنْ في غضون بضعة آلاف من السنين الضوئية، سيضحك شخص آخر عليها".

ماريسا لينجن نشرت أكثر من 100 قصة قصيرة في مواقع عديدة، مثل "أنالوج"، و"لايت سبيد"، و"تور دوت كوم".