أنباء وآراء

أمراض البنكرياس: تحوُّل نَسْخي التهابي

يطلق بنكرياس الفئران حالة قبل التهابية، استجابةً لإصابة كيميائية، أو فَقْد لإحدى نسختي الجين Nr5a2. هذه الحالة قد تعرّض الفئران - وربما البشر - إلى الإصابة بالتهاب البنكرياس، وسرطان البنكرياس.

إل. تشارلز ميرتوه، وريموند جيه. مكدونالد

  • Published online:

يمكن للالتهاب أن يحفز بدء عملية إصلاح الأنسجة التالفة، لكنْ في حال استمراره، يمكنه أن يشكل أيضًا أرضًا خصبة للمرض والسرطان1، فعلى سبيل المثال، الالتهاب المزمن هو جزء أساسي من التهاب البنكرياس، حيث يتم تنشيط الإنزيمات الهاضمة التي تنتجها خلايا البنكرياس العٌنَيْبية بشكل غير مناسب؛ ما يسبب هضم الأنسجة، وموت الخلايا2. وعند الفئران، يساعد التقليل المؤقت لعوامل النسخ النوعية للخلايا العنيبية وأهدافها على الشفاء من التهاب البنكرياس، ربما عن طريق الحدّ من إنتاج المزيد من الإنزيمات3، لكن التقليل غير القابل للعكس لهذه العوامل يرتبط بالأورام في الفئران4-6، كما أن الأفراد الذين يعانون من التهاب البنكرياس هم أكثر عرضة للإصابة بسرطان البنكرياس2. وحتى الآن، لم تتضح العلاقة السببية بين التهابات البنكرياس، وتغيرات التعبير الجيني، والسرطان. ومن ثم، ففي بحث نُشر مؤخرًا بدورية Nature، وصف كوبو وزملاؤه7 كيف تتحكم إعادة صياغة أهداف عامل النسخ  البنكرياسي Nr5a2 في الاستجابة الالتهابية للخلايا العنيبية. 

كانت المجموعة البحثية نفسها قد اكتشفت سابقًا8 أن فقدان إحدى نسختي (أليلات) الجين Nr5a2 عند الفئران يسبب خللًا في تجدُّد البنكرياس بعد التهاب طفيف، ويحفز حساسية الخلايا العنيْبية تجاه بروتين مسبب للسرطان. وقد بدا مرجَّحًا بالتالي أنْ يؤدي انخفاض مستويات العامل Nr5a2 إلى التقليل من قدرة خلايا البنكرياس على التحمل.

في الدراسة الحالية، يستكشف كوبو وزملاؤه هذه النظرية عن طريق تحليل نسب بروتين NR5A2 في عينات من أشخاص مصابين بنوع من السرطان، يُسمى سرطان البنكرياس الغدي القنوي (PDAC). واتساقًا مع نظريتهم، وجد الباحثون أن نسب NR5A2 في الخلايا الورمية تميل إلى الانخفاض لدى الأشخاص الذين سبق وأصيبوا بالتهاب البنكرياس. وكان هؤلاء المرضى أكثر احتمالًا أيضًا أن يكونوا حاملين لطفرة شائعة أحادية النوكليوتيد، مرتبطة بالجين NR5A2، وترتبط بإمكانية أعلى للإصابة بسرطان البنكرياس الغدي القنوي، منه لدى الأفراد الذين كانت خلاياهم الورمية تحتوي على نسب مرتفعة من NR5A2. وتدعم هذه الملاحظات الفكرة القائلة إن النسب المنخفضة من NR5A2 تزيد من إمكانية الإصابة بسرطان البنكرياس الغدي القنوي، عن طريق زيادة الاستعداد للإصابة بالتهاب البنكرياس.

بعد ذلك، درست المجموعة بعض الفئران المحوّرة وراثيًّا، بحيث تكون فاقدة لأحد أليلي الجين Nr5a2. وأظهروا أن هذه الطفرة تحفز بدء سلسلة من الأحداث التنظيمية، التي تؤدي إلى زيادة نشاط الجينات المعزّزة للالتهاب. ويحدث ذلك دون ارتشاح خلايا الدم البيضاء الالتهابية إلى البنكرياس، ما يشير إلى أن انخفاض التعبير عن العامل Nr5a2 يسبب حالة "مبرمجة" سابقة للالتهاب تؤدي إليه. ووجد الباحثون أن هذه التغيرات في التعبير الجيني تشبه كثيرًا تلك التي تُرى بعد فترة وجيزة من علاج الفئران بالـ"سيرولين" caerulein، وهو محفز كيميائي لالتهاب البنكرياس في الفئران.

في البنكرياس السليم، يرتبط Nr5a2 بتتابع الحمض النووي المحفّز، الذي يقود التعبير عن الجينات النوعية للخلايا العنيبية، كي تحفّز التمايز الخلوي، ووجد كوبو وزملاؤه أن البروتين كان غائبًا في محفّزات الجينات الالتهابية. لذا، قد يكون التفسير البسيط للخصائص ما قبل الالتهابية الملاحَظة في الفئران الحاملة لنسخة طافرة من Nr5a2 هو تناقص ارتباط Nr5a2 بمحفّزات واحد أو أكثر من الجينات المستهدفة المضادة للالتهاب، وبالتالي تناقص التعبير عن هذه الجينات، لكنّ الواقع أكثر إثارة للاهتمام بشكل كبير؛ فقد لاحظ الباحثون استجلاب Nr5a2 لمحفزات الجينات الالتهابية في الفئران الطافرة.

يُعَدّ الكثير من هذه الجينات الالتهابية أهدافًا للعامل AP-1، وهو عامل نسخ يتكون من بروتينين: واحد من كل من العائلتين Jun، وFos. وجد كوبو وزملاؤه أن Nr5a2 يتفاعل فيزيائيًّا مع بروتين من العائلة Jun، هو c-Jun، ويشارك في احتلال المواقع التي يستهدفها العامل AP-1 على الحمض النووي، ثم أظهروا أهمية هذا التفاعل، عن طريق إظهار أن حذف البنكرياس النوعي لهذا البروتين يسترجع ربط Nr5a2 بجيناته النمطية المستهدفة. وإضافة إلى ذلك، أظهروا أن الفئران الحاملة لنسخة طافرة من Nr5a2 تبدي حساسية مفرطة لالتهاب البنكرياس المحفّز من قِبَل السيرولين، وأنه يمكن الحدّ من هذه الحساسية المفرطة، عن طريق حذف الجين c-Jun. بعد ذلك، وجد الباحثون أن تحول مواقع ربط Nr5a2 إلى مواقع ربط AP-1 يحدث أيضًا في الفئران من النوع البري في المرحلة المبكرة من التهاب البنكرياس، وهذا أيضًا يعتمد على البروتين c-Jun.

إذًا، كيف يمكن لخفض التعبير عن أحد عوامل النسخ أن يؤدي إلى إعادة توزيعه عبر الجينات المستهدفة؟ أحد أهداف Nr5a2 في الأنسجة غير التالفة هو الجين Nr0b2 (المرجع 9)، الذي يرمّز لعامل نسخي مُتِمّ للعامل الكاظم. وقد أثبت كوبو وزملاؤه أنه في الظروف العادية يرتبط كل من Nr5a2، وNr0b2 مباشرة بمحفّز الجين c-jun، ما يضمن التعبير عن الجين بشكل ضعيف فقط (وعلى النقيض من ذلك، لا يرتبط Nr0b2 عند أهداف Nr5a2 المعبّر عنها بقوة). وعندما تكون نسب Nr5a2 منخفضة، كما هو الحال في الفئران الطافرة، تنخفض نسب Nr0b2 بسرعة، بحيث لا تَعُد ترتبط بالعامل Nr5a2 عند محفّز الجين c-jun. ويؤدي فقدان النشاط الكاظم الخاص بالعامل Nr0b2 إلى زيادة التعبير عن c-Jun، وبالتالي إلى مستويات أعلى من AP-1. وبعدئذ، يعمل AP-1 على استقدام Nr5a2، حتى في ظل مستوياته المنخفضة، إلى مختلف الجينات المستهدفة الالتهابية (الشكل 1).

الشكل 1 | تحوُّل نسخي في البنكرياس. يصف كوبو وزملاؤه7كيف يؤثر فقدان إحدى نسختي الجين Nr5a2، الذي يرمّز عاملًا للنسخ، على التعبير الجيني في بنكرياس الفأر. أ، في الحيوانات من النوع البري، يرتبط البروتين Nr5a2 بالحمض النووي المحفّز، الذي يقود التعبير عن جينات نوعية لخلايا البنكرياس العنيبيّة. وتشمل هذه الأهداف الجين Nr0b2، الذي يرمّز كاظمًا نسخيًّا. يرتبط كل من Nr5a2، وNr0b2 بمحفّز الجين c-jun، فيكبتان التعبير عنه. ب، عند حذف إحدى نسختي الجين Nr5a2، تقلّ نسب Nr5a2، وبالتالي يتم التعبير عن جيناته المستهدفة - ومن ضمنها Nr0b2 - بمعدلات أقل. في ظل هذه الظروف، لا يرتبط Nr0b2 مع Nr5a2، ما يؤدي إلى إزالة الكبت عن c-jun. ومن ثم، يربط البروتين c-Jun بروتينًا آخر، هو Fos، لتشكيل عامل النسخ AP-1. ويحفّز Nr5a2، وAP-1معًا التعبير عن الجينات المشارِكة في التهاب البنكرياس.

الشكل 1 | تحوُّل نسخي في البنكرياس. يصف كوبو وزملاؤه7كيف يؤثر فقدان إحدى نسختي الجين Nr5a2، الذي يرمّز عاملًا للنسخ، على التعبير الجيني في بنكرياس الفأر. أ، في الحيوانات من النوع البري، يرتبط البروتين Nr5a2 بالحمض النووي المحفّز، الذي يقود التعبير عن جينات نوعية لخلايا البنكرياس العنيبيّة. وتشمل هذه الأهداف الجين Nr0b2، الذي يرمّز كاظمًا نسخيًّا. يرتبط كل من Nr5a2، وNr0b2 بمحفّز الجين c-jun، فيكبتان التعبير عنه. ب، عند حذف إحدى نسختي الجين Nr5a2، تقلّ نسب Nr5a2، وبالتالي يتم التعبير عن جيناته المستهدفة - ومن ضمنها Nr0b2 - بمعدلات أقل. في ظل هذه الظروف، لا يرتبط Nr0b2 مع Nr5a2، ما يؤدي إلى إزالة الكبت عن c-jun. ومن ثم، يربط البروتين c-Jun بروتينًا آخر، هو Fos، لتشكيل عامل النسخ AP-1. ويحفّز Nr5a2، وAP-1معًا التعبير عن الجينات المشارِكة في التهاب البنكرياس.

كبر الصورة

وقد وجد الباحثون أنه رغم وجود AP-1 بأقل نسب ممكنة في البنكرياس غير المصاب لدى النوع البري، فإنه لا يربط العامل Nr5a2. وقد يمنع ارتباط Nr5a2 بـNr0b2 تفاعله مع البروتين c-Jun، كما أن فقدان Nr0b2 في أثناء الالتهاب يكشف موقعًا عالي الألفة للبروتين c-Jun، متيحًا استقدام Nr5a2 من قِبَل AP-1. وستكون ثمّة حاجة إلى إجراء دراسات كيميائية حيوية؛ للكشف عن الشبكة المعقدة والمتغيرة لتفاعلات Nr5a2.

ويطرح هذا العمل أسئلة أخرى كذلك. فعلى سبيل المثال، كيف تعدّل المعالجة بالسيرولين وظيفة Nr5a2؟ وجد كوبو وزملاؤه أن Nr5a2 يعاد توزيعه على أهداف الجينات الالتهابية في خلال 30 دقيقة من تناول جرعة سيرولين واحدة، وأن التعبير عن هذه الأهداف يحفّز بالكامل في غضون ساعة واحدة. يشير ذلك إلى آلية سريعة، ربما غير معتمِدة على زيادة التعبير عن c-Jun. كما أن هذا العمل لا يثبت أن Nr5a2 ضروري لتفعيل الجينات الالتهابية التي يربطها؛ وسيتطلب ذلك مقارنة بين بنكرياس الفئران التي تفتقر إلى أحد أليلي Nr5a2، وتلك التي تفتقر إلى كليهما (تمامًا)، حيث لا يوجد Nr5a2 على الإطلاق. ومن الجدير بالملاحظة أن مقارنة سابقة بين بنكرياس النوع البري من الجين Nr5a2، والبنكرياس الخالي تمامًا منه لم تحدد اختلافات في تعبير الجينات الالتهابية9، ما يحمل إمكانية التأكيد على ضرورة وجود ثمالة من Nr5a2 لتفعيل الجينات الالتهابية.

يحفّز الالتهاب تطوُّر الورم في كثير من الأنسجة1. وتشير دراسة كوبو وزملائه إلى أن تغيير الاستعداد للإصابة بالالتهاب قد يكون إحدى الطرق التي تسهم فيها الطفرات الشائعة أحادية النوكليوتيد في إمكانية الإصابة بالسرطان. وإذا كشف العمل مستقبلًا أن طفرات NR5A2 البشرية المرتبطة بإمكانية الإصابة بسرطان البنكرياس الغدي القنوي تخفِّض نسب NR5A2 في البنكرياس السليم، فقد يكون من الممكن تفادي إمكانية الإصابة بالسرطان باستخدام الأدوية المضادة للالتهاب. ويمكن أن يستفيد نهج أكثر استهدافًا من إمكانات ارتباط NR5A2، وتفعيله من قِبَل جزيئات عضوية صغيرة11،10. وقد يؤدي دواء منشّط كهذا إلى خفض شدة أو معدّل حدوث التهاب البنكرياس لدى الأفراد الذين لديهم كمية غير كافية من NR5A2، عن طريق زيادة النشاط النسخي للثمالة البروتينية.

إل. تشارلز ميرتوه يعمل في قسم علم الوراثة البشرية في جامعة يوتا، سولت ليك سيتي، يوتا 84112، الولايات المتحدة الأمريكية. ريموند جيه. مكدونالد يعمل في مركز هامون للعلوم التجديدية والطب التجديدي وقسم الأحياء الجزيئية، مركز ساوث ويسترن الطبي، التابع لجامعة تكساس، دالاس، تكساس 75390، الولايات المتحدة الأمريكية.

البريد الإلكتروني: murtaugh@genetics.utah.edu;

raymond.macdonald@utsouthwestern.edu