أنباء وآراء

تكنولوجيا النانو: توسيع نطاق استخدام التجميع الذاتي للحمض النووي

يمكن تصميم الحمض النووي ليُجمِّع نفسه في أشكال مُعيّنة، بيد أن حجم الأجسام التي يمكن إعدادها وكميتها محدودين، لكن تم التوصل الآن إلى طرق للتغلب على هذه المشكلات. 

في تشانج، وهاو يان 

  • Published online:

تحدث عمليات التجميع الذاتي في الطبيعة بأشكال مختلفة، بدءًا من عمليات طَيّ البروتين التي تتم على المستوى الجزيئي وتشكيل طبقات الدهون الثنائية، وصولًا إلى تأسيس النظام البيولوجي للأرض بالكامل1. ولطالما طمح العلماء في بناء أجسام صناعية باستخدام التجميع الذاتي؛ للوصول إلى أبعاد الخلايا أو العضيّات ومدى تعقيدها، وذلك بهدف بناء آليات خلوية تخليقية من أجل تطبيقات بحثية وطبية وهندسية. في العدد 552 من دورية Nature، تعالج أربع أوراق بحثية2-5 هذه المسألة، عن طريق طرح أساليب لزيادة أحجام وإنتاج البِنى النانوية ذاتية التجميع، المصمّمة لغرض معين، والمصنوعة من الحمض النووي.

استُخدِمت الأحماض النووية والأحماض الريبية النووية والبروتينات الخاصة بالبوليمرات الحيوية كلَبِناتِ بناء، لتجميع هياكل نانوية مصممة لغرض معين، ولتصميم أجهزة مستوحاة من الحياة أو محاكية لها، يمكنها التواصل فيما بينها6، ولتنظيم وظائف الكائنات الحية7. والحمض النووي هو اللبنة النانوية الأكثر فائدة، لأنه يتمتع بعدة مزايا، خاصةً قابليته للبرمجة المستمدة من الأزواج القابلة للتوقّع والمستقرة التي تتشكّل بين القواعد على أشرطة الحمض النووي التكميلية. وإضافة إلى ذلك، فإن الحمض النووي مستقر بنيويًّا، ودُرِست الخصائص الهندسية للحلز المزدوج دراسة وافية، فضلًا عن أنه متوافق مع جزيئات بيولوجية أخرى، ما من المفترض أن يسمح ببناء "مواد حيوية مغايرة" لها وظائف معقدة. وقد طُوّرت أساليب متنوعة لتجميع الحمض النووي ذاتيًّا (انظر، على سبيل المثال، المرجع 8) من أجل بناء هياكل تخليقية تعكس قَدرًا كبيرًا من التعقيد الهندسي والدقة النانوية.

كان ابتكار تقنية أوريجامي الحمض النووي أحد الإنجازات البارزة في التكنولوجيا النانوية الخاصة بالحمض النووي9. ففي هذه التقنية، يُطوَى حمض نووي طويل أحادي الشريط منتجًا أشكال مُعينة، بمساعدة المئات من أشرطة الحمض النووي القصيرة، التي تُسمَى "مشابك". تُصمَّم هذه الأشرطة المشبكية لتكون مُكمِّلة لمناطق معينة من الحمض النووي الطويل، ومن ثم، توجّه عملية الطَيّ. وقد صُنِعت مجموعة متنوعة كبيرة من الأجسام النانوية ثنائية وثلاثية الأبعاد باستخدام هذه التقنية. والكثير منها يمكن معالجته على نحو كامل10؛ أي أنه يمكن تعديله في مواقع مختارة، حسب ما تتطلبه التطبيقات المستقبلية. ومع ذلك، فإن حجم البِنى النانوية الفردية لأوريجامي الحمض النووي مقيّد بطول سقالة الحمض النووي التي بُنيت منها. فعلى سبيل المثال، إحدى السقالات المستخدَمة على نطاق واسع هي حمض نووي جينومي، طوله حوالي 7,200 نوكليوتيد9، ويمكن طيّه إلى بِنى أوريجامية لا يتجاوز قطرها 100 نانومتر9،10.

ثمة استراتيجية تصميم أخرى مهمة في التكنولوجيا النانوية الخاصة بالحمض النووي؛ وهي استراتيجية تجميع قوالب أحادية الشريط SST)11)، وفيها تُصمَّم هذه القوالب -وهي مستطيلات نانوية الحجم ثنائية الأبعاد، أو كُتل ثلاثية الأبعاد، مكوّنة من حمض نووي أحادي الشريط- بحيث تتشابك فيما بينها عن طريق تشكيل مزدوجات من الحمض النووي عند سطوحها البينية. وتُستخدَم مجموعات القوالب أحادية الشريط لتشكّل صفائح ثنائية الأبعاد، أو كُتل ثلاثية الأبعاد، يمكن "نحتها" بشكل انتقائي لإنشاء أنماط وأشكال مختلفة، وذلك ببساطة عن طريق تضمين أو حذف قوالب محددة أحادية الشريط12. لكن أحجام بِنى الحمض النووي المُنتَجة بهذه الطريقة مماثلة عمومًا لأحجام بِنى الأوريجامي النانوية؛ ولم تُعَدّ البِنى الأكبر حجمًا سوى بكميات قليلة. تستند الأوراق البحثية المُشار إليها في العدد 552 من دورية Nature إلى استراتيجيتي القوالب أحادية الشريط والأوريجامي؛ من أجل إنشاء بِنى ميكرومترية الحجم، ولزيادة الكميات التي يمكن إنتاجها.

استخدم تيخوميروف وزملاؤه2 أوريجامي مربعًا للحمض النووي، تزيّنه أشكال على السطح (كوّنتها أشرطة الحمض النووي التي تمتد من سطح الأوريجامي)، كوحدات بناء لإنشاء مصفوفات ثنائية الأبعاد من أوريجامي الحمض النووي، يصل عرضها إلى حوالي نصف ميكرومتر (الشكل 1-أ). وتجتمع وحدات الأوريجامي المربعة معًا، عن طريق تشكيل مزدوجات حمض نووي قصيرة عند سطوحها البينية. ولبرمجة التفاعلات بين وحدات الأوريجامي المربعة، طوّر الباحثون طريقة كُسُوريّة استُخدمت فيها قواعد التجميع المحلي على نحو متكرر في عملية هرمية متعددة الخطوات، تجمع مصفوفات كبيرة –وتزداد حجمًا- من الأوريجامي المربع. وأنتج تيخوميروف وزملاؤه كذلك برنامج تصميم يُسمَّى "فراك تايل كومبايلر" FracTile Compiler، سيُمكِّن غير الخبراء من وضع تسلسلات الحمض النووي والإجراءات التجريبية؛ لإنشاء أشكال كبيرة من الحمض النووي. وقد تأكد الباحثون من صحة عملية التصميم الآلية هذه عن طريق استخدامها لتشكيل العديد من "صور" الحمض النووي، بما في ذلك صورة الموناليزا، وصورة ديك، وأنماط لعبة الشطرنج (انظر الشكل 3 من الورقة البحثية2).

الشكل 1| طرق تصنيع أجسام ميكرومترية الحجم من الحمض النووي.

أ، استخدم تيخوميروف وزملاؤه2 أوريجامي الحمض النووي -وهي تقنية توجّه فيها أشرطةٌ (مشابك) صغيرةٌ من الحمض النووي التجميع الذاتي لشريط أطول- لإعداد مربعات. جُمِعت هذه المربعات في مصفوفات 8 × 8 ذات أنماط سطحية مصممة. ب، أعدّ واجنباور وزملاؤه3 لبنة بناء ثلاثية الأبعاد، لها شكل الحرف V، باستخدام أوريجامي الحمض النووي، وجمعوها هرميًّا لتصبح جسمًا متعدد السطوح. ج، اعتمد أونج وزملاؤه4 على نهج يُعرَف بتجميع القوالب أحادية الشريط؛ لإعداد لَبِنَات من الحمض النووي تشكّل شريطًا واحدًا يضم 52 نوكليوتيدًا. ويحتوي كل شريط على أربعة نطاقات ربط، تمكِّن اللَّبِنات من التجمع في بِنى أكبر. ويمكن برمجة آلاف اللَّبِنات لتجمّع نفسها ذاتيًّا في شبه مكعّب يحتوي على تجويف معقّد.

أ، استخدم تيخوميروف وزملاؤه2 أوريجامي الحمض النووي -وهي تقنية توجّه فيها أشرطةٌ (مشابك) صغيرةٌ من الحمض النووي التجميع الذاتي لشريط أطول- لإعداد مربعات. جُمِعت هذه المربعات في مصفوفات 8 × 8 ذات أنماط سطحية مصممة. ب، أعدّ واجنباور وزملاؤه3 لبنة بناء ثلاثية الأبعاد، لها شكل الحرف V، باستخدام أوريجامي الحمض النووي، وجمعوها هرميًّا لتصبح جسمًا متعدد السطوح. ج، اعتمد أونج وزملاؤه4 على نهج يُعرَف بتجميع القوالب أحادية الشريط؛ لإعداد لَبِنَات من الحمض النووي تشكّل شريطًا واحدًا يضم 52 نوكليوتيدًا. ويحتوي كل شريط على أربعة نطاقات ربط، تمكِّن اللَّبِنات من التجمع في بِنى أكبر. ويمكن برمجة آلاف اللَّبِنات لتجمّع نفسها ذاتيًّا في شبه مكعّب يحتوي على تجويف معقّد.

كبر الصورة

وصنع واجنباور وزملاؤه3 بِنى ثلاثية الأبعاد من أوريجامي الحمض النووي بأحجام تصل إلى المقياس الميكرومتري، وذلك باستخدام نهج تجميع ذاتي هرمي آخر (الشكل 1-ب). استخدم الباحثون جسمًا له شكل الحرف V من أوريجامي الحمض النووي كلَبِنة البناء الأساسية، التي يمكن تغيير زاوية الشكل V فيها. وعن طريق التحكم في الشكل الهندسي والتفاعلات بين لَبِنَات البناء، يمكن بناء تجمعات أكثر تطورًا. وأثبت الباحثون إمكانات نهجهم، عن طريق بناء أنابيب ميكرومترية الطول (مماثلة في حجمها لبعض البكتيريا) من حلقات مستوية مكدسة، يصل قطرها إلى 35 نانومترًا، وثلاثة أنواع من الشكل متعدد السطوح، يصل قطرها إلى 450 نانومترًا.

أما أونج وزملاؤه4 فأشاروا إلى نهج يسمح لبِنى الحمض النووي ثلاثية الأبعاد -المكوّنة من قوالب أحادية الشريط- بأن تُصنَع بمقياس ميكرومتري (الشكل 1-ج). فمن خلال توسع نطاق مبادئ أنظمة الجيل الأول من القوالب أحادية الشريط، صمم الباحثون لَبِنة بناء من الحمض النووي على شكل قالب، تتكوّن من 52 نوكليوتيدًا، وتحتوي على أربعة نطاقات ربط يتكوّن كل منها من 13 نوكليوتيدًا. وهذه النطاقات تمكِّن قوالب البناء من التجمّع في بِنى أكبر. وبالمقارنة بقوالب الجيل الأول (التي احتوت على أربعة نطاقات ربط يتكوّن كلٌّ منها من ثمانية نوكليوتيدات)، توفِّر نطاقات الربط الأطول من قوالب الحمض النووي نتائج ومستويات استقرار أفضل للبِنى الكبيرة المجمّعة. وقد طوّر الباحثون برنامجًا يُسمَّى "نانو بريكس" Nanobricks؛ لتصميم أشرطة القوالب اللازمة لتشكيل الأجسام المُرادة ثلاثية الأبعاد، واستخدموها لتخطيط تركيب مجموعة من الهياكل المعقدة المختلفة (انظر الشكل 3 في الورقة البحثية4).

ویشير بريتوريوس وزملاؤه5 (الذین ینتمون إلی المجموعة البحثیة ذاتها التي ينتمي إليها واجنباور وزملاؤه) إلى تقنیة حیویة من المفترض أن تقلل إلی حدٍّ کبیر من تکلفة المئات من الأشرطة المشبكية التي تُستخدَم عادةً لصنع أوريجامي الحمض النووي. استخدم الباحثون الفيروسات المعروفة باسم العاثيات البكتيرية؛ لإنتاج  سلف أحادي الشريط من الحمض النووي، يحتوي على مئات من تسلسلات الأشرطة المشبكية. وتُفصَل هذه التسلسلات بتسلسل "إنزيم الحمض النووي" الذي يشقّ نفسه بنفسه؛ ثم تُجمِّع نواتج الانشقاق ذاتها في أشكال محددة من أوريجامي الحمض النووي. ومن اللافت للنظر أن الطريقة التي اتبّعها الباحثون تخفض تكلفة بِنى أوريجامي الحمض النووي المطوية من حوالي 200 دولار أمريكي لكل ملِّيجرام إلى حوالي 20 سنتًا. وستتيح هذه الاستراتيجية إنتاج كميات كبيرة كافية وقابلة للازدياد من بِنَى أوريجامي الحمض النووي وبِنَى قوالب الحمض النووي أحادي الشريط، وستُمكِّن بالتالي تنفيذ تطبيقات كبيرة النطاق، مثل الطرق العلاجية ونظم توصيل الأدوية والأجهزة الإلكترونية النانوية.

تُقدِّم هذه الأوراق البحثية الأربع أيضًا حلولًا لتحديات لطالما عانَى منها مجال الهندسة الجزيئية الحيوية، وذلك بتوفيرها أساليب منخفضة التكلفة لتصنيع بِنى ذاتية التجميع من لَبِنات بناء أصغر، بأحجام يمكن دمجها لتصبح أجسامًا مصنوعة باستخدام تقنيات "نزولية" تكميلية (تلك التي تنحت البِنى من كتلة من المادة). وإضافة إلى ذلك، فإن بِنى الحمض النووي المُشار إليها في هذه الأبحاث كبيرة بما يكفي للسماح بإنتاج أجهزة تتفاعل مع الخلايا؛ من أجل تطبيقات علاجية، أو لصنع آلات جزيئية معقدة، وخطوط تجميع تنتج بوليمرات صناعية، أو تبرمج التفاعلات بين الخلايا. ومثل هذه البِنى ذاتية التجميع يمكن استخدامها حتى في العضيّات الصناعية، لإنشاء نُظُم تستشعر العمليات البيولوجية في الخلايا الحية، وترصدها، وتنظمها.

References

  1. Whitesides, G. M. & Grzybowski, B. Science 295, 2418–2421 (2002). | article
  2. Tikhomirov, G. et al. Nature 552, 67–71 (2017). | article
  3. Wagenbauer, K. F. et al. Nature 552, 78–83 (2017). | article
  4. Ong, L. L. et al. Nature 552, 72–77 (2017). | article
  5. Praetorius, F. et al. Nature 552, 84–87 (2017). | article
  6. Chen, Y.-J., Groves, B., Muscat, R. A. & Seelig, G. Nature Nanotechnol. 10, 748–760 (2015). | article
  7. Li, J., Green, A. A., Yan, H. & Fan, C. Nature Chem. 9, 1056–1067 (2017). | article
  8. Zheng, J. et al. Nature 461, 74–77 (2009). | article
  9. Rothemund, P. W. K. Nature 440, 297–302 (2006). | article
  10. Douglas, S. M. et al. Nature 459, 414–418 (2009). | article
  11. Wei, B., Dai, M. & Yin, P. Nature 485, 623–626 (2012). | article
  12. Ke, Y., Ong, L. L., Shih, W. M. & Yin, P. Science 338, 1177–1183 (2012). | article

في تشانج، وهاو يان يعملان بمركز التصميم الحيوي المختص بالتصميم الجزيئي والمحاكاة الحيوية بمعهد التصميم الحيوي، وكلية العلوم الجزيئية بجامعة ولاية أريزونا، تمبي، أريزونا 85287، الولايات المتحدة الأمريكية.

البريد الإلكتروني: hao.yan@asu.edu