كتب وفنون

الأخلاقيات الحيوية: العدالة في علم الجينوم

تستعرض روزاريو إيزاسي دراسة عن التأثير المجتمعي للمشروعات الكبرى لتعيين التسلسل الجينومي.

روزاريو إيزاسي
  • Published online:

حالة ما بعد الجينوم: الأخلاقيات، والعدالة، والمعرفة بعد الجينوم 

جيني ريردون

مطبعة جامعة شيكاغو: 2017.

ISBN: 9780226344553 

يهدف كتاب جيني ريردون "حالة ما بعد الجينوم" The Postgenomic Condition إلى التوفيق بين الابتكار في علم الجينوم، والعدالة، والديموقراطية. فتُلْقِي ريردون نظرة على عقدين من التقدّم المحرَز في علم الجينوم، طارحةً أسئلة صعبة حول ما إذا كانت تطورات معينة، مثل الطب الشخصي، لها تأثير ذو صبغة ديموقراطية حقيقية، أم لا. وتستخدم ريردون سيناريوهات أسوأ الاحتمالات، لتُظهِر تعقيدات علم الجينوم البشري، والأخلاقيات الحيوية في السياق الاجتماعي السياسي والعالمي الأعم. وهذه السيناريوهات هي قصص علمية تُفسَّر على أنها حكايات تحذيرية، واستراتيجيات لتوقع المخاطر، وإدارتها، والحدّ منها.

عمل فني رقمي، صُمِّم من الحمض النووي.

عمل فني رقمي، صُمِّم من الحمض النووي.

Lisa Camper, DNAartgallery.com

تستند ريردون، وهي عالِمة اجتماع في جامعة كاليفورنيا في سانتا كروز، إلى أكثر من عِقد من العمل الميداني في الشركات الناشئة، والمختبرات، والوكالات الحكومية في صياغة تحليلها القوي، والمستنير لمشروع الجينوم البشري وآثاره. فتتناول تأثيره المجتمعي الواسع، بدءًا من إدماج الأقليات على نطاق أوسع في البحوث، وصولًا إلى توسيع نطاق الحقوق والواجبات الناشئة عن مشاركة العيِّنات والبيانات البشرية. وتقول الكاتبة إن ما يُسمَّى حالة ما بعد الجينوم قد بدأت عندما أصبح علم الجينوم محور "الآمال التي عُقِدت في مطلع الألفية على تحقيق العدالة من خلال البيانات والديمقراطية". فمع ظهور علم جينوم "تشاركي، وشامل، ومفتوح"، اكتسبت بيانات تعيين التسلسل الجينومي معنى، وقيمة.

يبدأ سرد الكاتبة في مطلع التسعينيات. فأعقب مشروع الجينوم البشري بَدء جهود أخرى، من بينها مشروع تنوع الجينوم البشري، ومشروع "هاب ماب" الدولي، والشركة الآيسلندية «ديكود جينيتكس»، وبنك «جينيراشن سكوتلاند»، وهو بنك حيوي وطني للأنسجة المُتبرَع بها. تؤرخ ريردون ظهور مشروعات وشركات علم الجينوم الشخصي في العقد الأول من القرن الواحد والعشرين، مثل شركة «23 آند مِي»، ومشروع الجينوم الشخصي، ومبادرة "أوبن هيومنز" لتبادل البيانات الطبية، وأوساط هواة الأحياء، بما في ذلك مجتمع موقع DIYbio.org. وهكذا، تتتبع الكاتبة تحوُّل أبحاث الجينوم إلى مشروعات أكثر تشاركًا وتنوعًا، بدّلت تصوّرات الحكم الذاتي والخصوصية في نهاية المطاف؛ فغيّرت - على سبيل المثال - نماذج الموافقة المفتوحة ما تعنيه الموافقة "مما يسمح الأفراد للباحثين فعله ببياناتهم إلى ما يفعله الأفراد أنفسهم ببياناتهم".

تقدم ريردون رؤية جريئة لإمكانات علم الجينوم. وتستطلع قيمة الجينوم البشري من منظور نفعي، مؤكدةً أن الحمض النووي البشري وبياناته يشكلان المادة الخام لعصرنا هذا؛ فهو سلعة تُحدَّد قيمتها كرأس مال حيوي. وهكذا، فإن حالة ما بعد الجينوم تدور حول استخدام المعلومات والمعرفة، كوسيلة لبناء "علم جينوم من الناس، ولهم، وبواسطتهم".

بيد أن ريردون ترى أن الواقع حتى الآن مغاير لهذا الهدف. وتقول إنها لا تريد أن تصنف الجهات الفاعلة كأبطال وأشرار، لكنها تفعل ذلك، وإنْ كان ببراعة وكياسة جديرة بالاعتبار، فتشير - على سبيل المثال - إلى أن المجتمع الحر الذي يستفيد ماليًّا من الحمض النووي الخاص بمواطنيه سيؤدي إلى "الإفساد المؤسسي للعلم". ومن وجهة نظرها، يمثّل علم الجينوم ساحة يتنافس فيها هدف فَهْم الأمراض البشرية مع هدف تسوية "النزاعات على الممتلكات، والهويات، والموارد". وتُبرِز ريردون التوترات بين كلٍّ من الإدماج والاستبعاد، والشفافية والغموض، والحرية والسيطرة، وأخيرًا، النزاهة والمصلحة العامة.

وتنتقد ريردون بشدة مبادرة الطب الدقيق الأمريكية، وهي دراسة جماعية كبيرة طويلة الأجل، تقودها معاهد الصحة الوطنية الأمريكية، بهدف تطوير استراتيجيات الوقاية والعلاج، التي تأخذ في الاعتبار التباين الفردي في الجينات، والبيئة، ونمط الحياة. وتعتبرها نهجًا للعلاقات العامة لإدارة المشاركين في الأبحاث، إذ تقدِّم ما قد يبدو أفكارًا مبتكرة "لجعلهم يريدون الامتثال". تتغلغل الكاتبة أيضًا في حالات معقدة، مثل حالة هنريتا لاكس، التي استُخدِم ورم عنق رحمها لإنشاء خط خلايا هيلا، دون موافقتها (انظر: Nature http://doi.org/kzq; 2013).

وتختتم المؤلفة الكتاب بمقترح مبهم لتأسيس لجنة وطنية؛ لإعادة النظر في تقرير بلمونت لعام 1979، وهو التقرير الفيدرالي الأمريكي حول المبادئ التوجيهية الأخلاقية للبحوث التي تُجرَى على البشر. وعلى الرغم من أن أسلوب ريردون الشخصي للسرد جذاب، فإنها لا تتناول العوامل الاجتماعية والثقافية والتاريخية التي تشكّل مبادرات الجينوم إلا لمامًا، وتغفل - إلى حد كبير - أي تحليل لأطر السياسات الوطنية التي تحكم هذه المبادرات. واعتمادها المتكرر على النظرية السياسية، خاصةً أعمال هانا آرنت، ربما يجعل الكتاب غير مفهوم للجمهور الأوسع.

تنم رسالة ريردون الأساسية عن خيبة الأمل. فهي تعتقد أن علم الجينوم ينطوي على إمكانات مفيدة هائلة، لكنها ترى أن الجينوم البشري عملة جُرِّدت حتى الآن من قيمتها، لعدم وجود إنجازات طبية نتجت عنه، كما تزعم. وهذا هو موطن القصور الرئيس في الكتاب. فريردون كَراوِيَة، تجاهلت القصص التي تحققت فيها بالفعل قيمة الاكتشافات الجينية، وقوة التغيير الكامنة لها.

فنحن لم نسمع منها عن برامج الفحص الناجحة لحديثي الولادة، أو علاجات الجينات أو السرطان الناشئة، مثل تلك الخاصة بالضمور العضلي نخاعيّ المنشأ، أو الحثل العضلي من نمط دوشين، أو مرض الخلايا المنجلية، أو سرطان الدم. ولم نسمع عن المبادرات التي كان لها بالفعل تأثير هائل في تشخيص حالات نادرة ومستعصية، أو علاجها، مثل تلك المعنية باضطرابات الاختزان في الجسيمات الحالّة، أو متلازمة الوهن العضلي الخلقي. ويخلو أيضًا الكتاب من وجهات نظر الناس الذين يعانون من اضطرابات وراثية، أو الذين يعملون عند نقطة التقاء الرعاية الإكلينيكة بالبحوث، حيث يبرز معنى الجينوم البشري بشكل مستمر. في رأيي، لو أننا سمعنا من هذه الجهات الفاعلة، لكانت الإجابة على سؤال ريردون الأساسي - ما قيمة الجينوم البشري؟ - إجابة قوية وقاطعة؛ وهي أن قيمة الجينوم البشري تفوق الوصف.

روزاريو إيزاسي أستاذة مساعدة في قسم علم الوراثة البشرية بكلية ميلر للطب في جامعة ميامي، فلوريدا، الولايات المتحدة الأمريكية.

البريد الإلكتروني: risasi@miami.edu