أنباء وآراء

تكنولوجيا النانو: مُجمِّع جزيئي

لطالما كان يُنظر إلى فكرة صنع آلات بأحجام نانومترية يمكنها تجميع الجزيئات على أنها من وحي الخيال العلمي، غير أنه قد جرى بالفعل تصنيع آلة كهذه؛ وربما يمهَّد ذلك الطريق لظهور نموذج جديد للتخليق العضوي. 

تي. روس كيلي، ومارك إل. سنابر
  • Published online:

في عام 1986، نشر كيه. إريك دريكسلر، صاحب النظرة المستقبلية، كتابًا بعنوان "محركات الإبداع: العصر القادم لتكنولوجيا النانو"1 Engines of Creation: The Coming Era of Nanotechnology، ضَمَّنَه رؤيته للمجال الذي أصبح يُعرف باسم "تكنولوجيا النانو". أطلق الكتاب العنان للعديد من الخيالات، بما في ذلك خيال أحد كتّاب هذا المقال2  (تي. آر. كيه.)، غير أن الصورة الكبيرة لرؤية دريكسلر واجهت أيضًا انتقادات مبررة4,3 لأن بعض تفاصيلها لم يكن يتفق مع القيود التي يفرضها عالَم الواقع. وقد لاقى أحد عناصر هذه الرؤية استهجانًا شديدًا5: ألا وهو مفهوم "المُجمِّعات الجزيئية"؛ وهي آلات نانوية "سوف تعمل كأجهزة مُحَسَّنة لتجميع البِنَى الجزيئية". في بحث نُشر في دورية Nature في شهر سبتمبر 2017، يشير قاسم وزملاؤه6 إلى ابتكار نموذج غير حيوي لما يمكن اعتباره مُجمِّعا جزيئيًّا.

الآلة التي ابتكرها الباحثون هي بمثابة جزيء يمكن تبديله عكسيًّا بين وَضْعَي تجميع، وهي مصممة لتعمل في الاتجاهين، اليسار واليمين، وذلك بإضافة بروتون (أيون هيدروجين، H+)، أو إزالته لاحقًا (الشكل 1). تبدأ عملية التجميع متعددة الخطوات بإلحاق جزيء الركيزة في المُجمِّع. وبعد ذلك، "يُهيئ" جزيء الركيزة في خطوة ثانية، تمهيدًا للمشاركة في التفاعلات.

الشكل 1 آلة تجميع الجزيئات.

أ. أشار قاسم وزملاؤه6 إلى ابتكار آلة جزيئية تستطيع التحكم في تجميع مركبات أخرى. ويمكن تبديل وضع الآلة بين وضع الذراع اليسرى ووضع الذراع اليمنى، عن طريق إضافة أو إزالة لاحقة لأيون هيدروجين (+H، ممثل بوحدة حمراء في الشكل). الروابط المبينة كأوتاد صلبة تبرز أعلى الصفحة؛ بينما الأوتاد المقطعة تبرز أدناها. وتمثل الروابط الرفيعة التي تأخذ شكل شُرط تفاعلات غير تساهمية. Et تمثل مجموعة إيثيل؛ وR تمثل مجموعة كيميائية كبيرة. ب. بمجرد إضافة جزيء الركيزة داخل المُجمع و"تهيئته" للتفاعلات، يمكن للآلة تجميع أربعة مصاوغات فراغية لمركّب في عملية متعددة المراحل. والمصاوغات الفراغية هي جزيئات تحتوي على المجموعة نفسها من الذرات المتصلة على نحو متطابق في بُعْدين، ولكنها مرتبة ترتيبًا مختلفًا في الأبعاد الثلاثة. وتعتمد أشكال المصاوغات الفراغية التي تتشكل على الوضع الذي يعمل فيه المُجمِّع، إما وضع اليسار وإما وضع اليمين، أثناء عملية التجميع. ويمثل R1 و R2 مجموعات كيميائية مختلفة.

أ. أشار قاسم وزملاؤه6 إلى ابتكار آلة جزيئية تستطيع التحكم في تجميع مركبات أخرى. ويمكن تبديل وضع الآلة بين وضع الذراع اليسرى ووضع الذراع اليمنى، عن طريق إضافة أو إزالة لاحقة لأيون هيدروجين (+H، ممثل بوحدة حمراء في الشكل). الروابط المبينة كأوتاد صلبة تبرز أعلى الصفحة؛ بينما الأوتاد المقطعة تبرز أدناها. وتمثل الروابط الرفيعة التي تأخذ شكل شُرط تفاعلات غير تساهمية. Et تمثل مجموعة إيثيل؛ وR تمثل مجموعة كيميائية كبيرة. ب. بمجرد إضافة جزيء الركيزة داخل المُجمع و"تهيئته" للتفاعلات، يمكن للآلة تجميع أربعة مصاوغات فراغية لمركّب في عملية متعددة المراحل. والمصاوغات الفراغية هي جزيئات تحتوي على المجموعة نفسها من الذرات المتصلة على نحو متطابق في بُعْدين، ولكنها مرتبة ترتيبًا مختلفًا في الأبعاد الثلاثة. وتعتمد أشكال المصاوغات الفراغية التي تتشكل على الوضع الذي يعمل فيه المُجمِّع، إما وضع اليسار وإما وضع اليمين، أثناء عملية التجميع. ويمثل R1 و R2 مجموعات كيميائية مختلفة.

كبر الصورة

بعد ذلك، يتم ربط مجموعتين كيميائيتين بالركيزة في خطوات منفصلة، غير أن النتيجة الدقيقة لهذه التفاعلات تَعتمِد على الاتجاه الذي ضُبط المُجمِّع ليعمل فيه، وضع اليمين أو اليسار. وهكذا، يمكن الحصول على أربعة نواتج مختلفة، بناءً على تسلسل التفاعلات وخطوات التبديل. ويمكن تشبيه ذلك بنمط قلادة من الخرز الملون، يعتمد على الترتيب الذي يُنظم به الخرز. والنواتج عبارة عن مصاوغات فراغية؛ وهي جزيئات تحتوي على مجموعة الذرات نفسها المتصلة على نحو متماثل في بُعْدين، ولكنها مرتبة بشكل مختلف في الأبعاد الثلاثة.

يجري تحرير الناتج من المُجمِّع في نهاية عملية التجميع، وعادة ما تكون هذه هي الخطوة السابعة. وتؤدي الخطوات الفردية في بعض الأحيان إلى خلائط من النواتج التي تميل إلى تفضيل مصاوغ فراغي معين، بدلًا من إنتاجه على نحو منفرد، ولكن كثيرًا ما يكون الحال كذلك عند تطوير تفاعلات جديدة. ومن شأن التحسينات المستقبلية أن تتغلب على هذا القصور.

يكمن عامل الجذب الرئيس للمُجمِّعات الجزيئية في الأمل المستقبلي بعيد الأجل الذي تَعِد به، والمتمثل في تبسيط التخليق العضوي. ففي الوقت الراهن، يجري معظم التخليق العضوي في عمليات تدريجية؛ فيمزج الكيميائي مادة أولية متاحة تجاريًّا مع كواشف ومذيبات في قارورة، وأحيانًا يضيف عاملًا معززًا أو مُحفِّزًا يمكنه التحكم في نتائج التفاعل، مثل تحديد المصاوغ الفراغي الذي سيتشكل. وعند اكتمال التفاعل، يقوم الكيميائي بعزل الناتج، وعادة ما يحتاج إلى تنقيته، ثم يوضع الناتج في قارورة جديدة ليخضع للتفاعل التالي في مسار عملية التخليق. وتُعَدّ عمليات التخليق التي تتطلب 10-30 تفاعلًا شائعة ومألوفة.

وهكذا، فإن العملية الكلية مستهلِكة للوقت، وغير فعالة، ومكلفة. ويتجلى حجم المشكلة في حقيقة أن غالبية شركات الأدوية لديها مجموعات مستقلة من الكيميائيين، مهمتها الوحيدة هي تطوير طرق فعالة لتصنيع العقارات المرشحة على مقياس كيلوجرام؛ وهي عملية تستغرق شهورًا أو سنوات لكل عقار مرشح.

وعلى النقيض، فإن مميزات المُجمِّع الذي ابتكره الباحثون هي أن كل منتج يُصنع في قارورة واحدة، دون الحاجة إلى خطوات تنقية بعد كل خطوة تجميع؛ وأنه يمكن إنتاج كل واحد من النواتج الأربعة بكفاءة باستخدام المُجمع نفسه، بدلًا من مسارات تركيب منفصلة، يحتاج كل منها الى ضبط منفصل؛ لتحقيق نتائج جيدة. وإضافة إلى ذلك، فإن الأنواع المختلفة من المعززات التي تكون مطلوبة عادة لتوفير مختلف المصاوغات الفراغية، كلها موجودة في آلة جزيئية واحدة، ويمكن الحصول عليها على نحو انتقائي ببساطة، عن طريق تغيير حالة المجمِّع البروتونية (أي عن طريق تغيير درجة حموضة ظروف التفاعل).

وثمة أوجه تشابه بين طريقة قاسم وزملائه للتجميع الجزيئي، وتقنية تُسمى التخليق في الطور الصلب، التي أدى ابتكارها إلى الفوز بجائزة نوبل في الكيمياء في عام 1984 7. في هذه الطريقة، تُضاف مواد أولية إلى دعامه صلبة تُرى بالعين المجرَّدة، وتمر بسلسلة من التفاعلات، قبل فصل المنتج النهائي وعزله. ويلغي التخليق في الطور الصلب الحاجةَ إلى عزل وتنقية المركبات المُنتَجة في كل خطوة من مسار التخليق، وقد أحدثت نتائج هذه الطريقة ثورة في مجالين على وجه التحديد: تخليق الببتيد، وتخليق الحمض النووي. فعلى سبيل المثال، سلاسل الحمض النووي التي تحتوي على 50-100 من النيوكليوتيدات تُركّب حاليًّا على نحو روتيني باستخدام آلات متاحة تجاريًّا، والعمليات الميكانيكية الوحيدة اللازمة هي الفلترة، وفتح وإغلاق الصمامات.

إن عملية التخليق في الطور الصلب للحمض النووي والببتيدات بسيطة نسبيًّا، لأن ثمة 4 نيوكليوتيدات مختلفة فقط يمكن تخليق الحمض النووي منها، وثمة حاجة إلى 20 نوعًا فقط من الأحماض الأمينية؛ لتخليق معظم الببتيدات الموجودة في الطبيعة، غير أن تطوير طريقة عامة من تقنية الطور الصلب، بغرض تخليق أنواع أخرى من الجزيئات العضوية، أمر في غاية الصعوبة والتعقيد، لأن عدد الجزيئات العضوية المعروفة التي يمكن استخدامها كوحدات بناء يتجاوز الـ100 مليون وحدة8، وفي ازدياد يوميًّا. ومع ذلك، فقد بدأت بالفعل جهود ميكنة التخليق العضوي باستخدام أساليب الطور الصلب9. ونظريًّا، توفر المُجمِّعات الجزيئية استراتيجية بديلة، ولكن من السابق لأوانه أن نعرف ما إذا كانت ستوفر مزايا أكثر من تقنية التخليق في الطور الصلب، أم لا.

وكما هي الحال بالنسبة إلى كثير من الناس، يقوم الذراعان الأيسر والأيمن للآلة اللذان يصفهما قاسم وزملاؤه بتنفيذ المهام المنوطة بهما بكفاءة متباينة. وإضافة إلى ذلك، فإن المجموعات الكيميائية اليسرى واليمنى ذات التناظر الزائف على طرفي الآلة تعمل - على الأرجح - بشكل مختلف تمامًا عن بعضها البعض، وبطرق ليس من السهل دائمًا التنبؤ بها. وكما يشير الباحثون، فإنه من حسن الحظ أنّ آلَتَهُم تقوم على نحو انتقائي بإعداد كل من النواتج الأربعة الممكنة (وإنْ كانت مجرد عنصر رئيس ضمن خليط الناتج) في التسلسلات التفاعلية المختلفة. وكثيرًا ما يكون ضَعْف فَهْم الكيميائيين لمسائل الانتقائية هذه - وكذا تَحَكُّمهم فيها - بمثابة تحدّ يقف في مواجهة تطوير تفاعلات جديدة.

من الشائع استبعاد الأفكار التي تبدو مستحيلة، مثل المُجمِّعات الجزيئية لدريكسلر، الخارجة عن السيطرة. واستخدام مثل هذه الأجهزة في التخليق الكيميائي قد لا يَجِد في الواقع أي تأييد. ويمكن للبعض أن يزعم أيضًا أن "الآلة الجزيئية المُبرمَجة" التي ابتكرها قاسم وزملاؤه ملفَّقة أكثر من كونها مبتكرة، ولكن بالنظر إلى أن آخِر جوائز نوبل للكيمياء قد مُنِحَت لتصميم وتركيب آلات جزيئية، فإن أولئك الذين يرفضون مفهوم المُجمِّعات الجزيئية ينبغي أن يعوا درس التصريح10 المُخز، الذي أدلى به اللورد كلفن في عام 1895، والذي قال فيه إنه "من المستحيل صنع آلات طيران أكثر ثقلًا من الهواء". ونحن نتطلع إلى رؤية المستحيلات الأخرى التي سوف تظهر في المستقبل.

References

  1. Drexler, K. E. Engines of Creation: The Coming Era of Nanotechnology (Anchor, 1986). | article
  2. Kelly, T. R. & Sestelo, J. P. in Molecular Machines and Motors (Springer, 2001). | article
  3. Smalley, R. E. Sci. Am. 285, 76–77 (2001). | article
  4. Whitesides, G. M. Sci. Am. 285, 78–83 (2001). | article
  5. Baum, R. Chem. Eng. News 81, 37–42 (2003). | article
  6. . Kassem, S. et al. Nature 549, 374–378 (2017). | article
  7. Merrifield, B.www.nobelprize.org/nobel_prizes/chemistry/laureates/1984/merrifield-lecture.pdf (1984). | article
  8. www.cas.org/content/at-a-glance | article
  9. Li, J. et al. Science 347, 1221–1226 (2015).  | article
  10. http://scienceworld.wolfram.com/biography/Kelvin.html | article

تي. روس كيلي، ومارك إل. سنابر يعملان في "مركز ميركير للكيمياء"، كلية بوسطن، تشسنت هيل، ماساتشوستس 02467، الولايات المتحدة الأمريكية.

البريد الإلكتروني: ross.kelly@bc.edu

 marc.snapper@bc.edu