تأبين

ستيفن هوكينج (1942-2018)

عالِم الفيزياء العالمي، الذي تحدَّى المستحيلات.

  • Published online:
ستيفن هوكينج في كامبريدج في يناير 1993.

ستيفن هوكينج في كامبريدج في يناير 1993. 

David Montgomery/Getty

عندما شُخصَت حالة ستيفن هوكينج على أنها مرض عصبي حركي، وهو في الحادية والعشرين من عمره، لم يكن واضحًا ما إذا كان سيتمكن من إتمام رسالة الدكتوراة التي كان قد بدأها، أم لا. وخلافًا لكل التوقعات، عاش هوكينج 55 عامًا بعد ذلك؛ ليصبح واحدًا من أشهر العلماء على مستوى العالم.

ولِد هوكينج، الذي توفي في الرابع عشر من مارس عام 2018، في أكسفورد بالمملكة المتحدة في عام 1942؛ لوالد كان يعمل باحثًا طبيًّا، ووالدة حاصلة على شهادة جامعية في الفلسفة. عقب انتهاء دراسته بمدرسة سانت ألبانز بالقرب من لندن، حصل على شهادة جامعية من الدرجة الأولى في الفيزياء من جامعة أكسفورد. بدأ هوكينج مسيرته البحثية في عام 1962، عندما انضم - بوصفه طالب دراسات عليا - إلى مجموعة بحثية بجامعة كامبريدج بقيادة دينيس سياما، أحد رواد علم الكون الحديث.

كانت نظرية النسبية العامة في ذلك الوقت تشهد شكلًا من أشكال النهضة التي بدأها جزئيًّا روجر بنروز من كلية بيركبيك في لندن، إذ أدخل تقنيات رياضية جديدة. أثبتت هذه التقنيات أن الانهيار العام للجاذبية يؤدي إلى تَشَكُّل المتفردات (singularities)؛ وهي لا نهائيات نبَّهَ اكتشافها إلى الحاجة إلى صياغة فيزياء جديدة.

استفاض هوكينج في شرح الآثار المترتبة على الثقوب السوداء، والانفجار العظيم، في سلسلة من الأوراق البحثية المجمعة في كتابه "البِنْية واسعة النطاق للزمان والمكان" The Large Scale Structure of Space-time، الصادر في عام 1973 (مطبعة جامعة كامبريدج)، الذي شارك في تأليفه العالِم شبه المعاصر جورج إليس، الذي كان أيضًا أحد تلامذة سياما. ومن أحد اكتشافات هوكينج ذات الأهمية الخاصة، أن مساحة أفق الحدث الخاص بالثقب الأسود (وهو "غشاء أحادي الاتجاه" يغطِّي المتفردات، ولا يستطيع شيء الإفلات من داخله) لا يمكن أن تتقلص أبدًا. صقل عالِم الفيزياء جاكوب بيكينستاين التشابه بين نظرية هوكينج تلك، و"القصور الحراري" – وهو مقياس للفوضى، لا يمكن أن يتقلص أبدًا بالمثل.

قادت هذه الاكتشافات إلى انتخاب هوكينج للحصول على زمالة الجمعية الملكية في لندن في عام 1974، في عمر الثانية والثلاثين. بعد ذلك.. تدهورت صحته كثيرًا، بحيث أصبح يتحرك ويتحدث بصعوبة، وظن أغلبنا أن أيامه في مجال الأبحاث المتقدمة باتت معدودة، بيد أنه قدَّم في هذا العام نفسه أبرز إسهاماته في العِلْم، ألا وهو اكتشافه إشعاع هوكينج.

استطاع هوكينج - عن طريق الربط بين نظرية الكَمّ، والجاذبية - إثبات أن الثقب الأسود ليس أسود تمامًا، وإنما يُصْدِر إشعاعًا حراريًّا، له درجة حرارة محددة تتناسب عكسيًّا مع كتلته (S. W. Hawking Nature 248, 30–31; 1974). واتضح أن العلاقة بين القصور الحراري، والثقوب السوداء كانت أكثر من مجرد تشابه. ويعني ذلك أن الإشعاع المنبعث من الثقوب السوداء سيؤدي إلى تبخرها في عملية بطيئة على نحو غير ملحوظ، إلا أنها ستكون سريعة في الثقوب السوداء الصغيرة التي بحجم الذرات، والتي يُعتَقَد أنها غير موجودة. ومع ذلك شكَّل إشعاع هوكينج، والمسألة المرتبطة به - المتمثلة في ما إذا كانت المعلومات التي تسقط داخل الثقب الأسود تُفقد تمامًا، أم أنه يمكن بطريقة ما استردادها من الإشعاع - معضلة تثير جدلًا بين علماء الفيزياء النظرية حتى الآن. وبالفعل، قال العالِم النظري أندرو سترومينجر - من جامعة هارفارد في كامبريدج بماساتشوستس - في عام 2016 إن إحدى أوراق هوكينج البحثية (S. W. Hawking Phys. Rev. D 14, 2460–2473; 1976)  حول هذا الموضوع قد "أذهبت النوم من عيون علماء الفيزياء النظرية أكثر من أي ورقة بحثية أخرى صدرت على مدار التاريخ".

ومع نهاية السبعينات، اُختير هوكينج ليشغل الكرسي اللوكاسي للرياضيات في جامعة كامبريدج، إذ يُذكر أنّ (من ضمن الشاغلين السابقين للمنصب إسحاق نيوتن، وبول ديراك)؛ وظل هوكينج في المنصب حتى تقاعده في عام 2009. وخلال هذه الأعوام، التي تَحَوَّل فيها اهتمامه إلى الأبعاد الكمية للانفجار العظيم، ظلت مسألة فَقْد المعلومات داخل الثقوب السوداء تشكل تحديًا بالنسبة له.

وفي عام 1985، خضع هوكينج لجراحة، لثَقب قصبته الهوائية، وهي التي قضت على قدراته المحدودة على الكلام. كان هوكينج قادرًا على التحكم في مؤشر على شاشة الكمبيوتر، وكتابة جُمَل، لكنْ ببطء مؤلم ومتزايد (في البداية بيده، ثم أخيرًا بعضلة الوجنة). وقد كان يستخدم جهازًا لتوليد الخطاب، يعالج كلماته، وينتج النبرة الآلية التي صارت علامته المسجَّلة. وبهذه الطريقة، أتمَّ تأليف كتابه الأكثر مبيعًا "تاريخ موجز للزمن" A Brief History of Time (بانتام، 1988)، الذي دفع به إلى عالَم النجومية.

لو كان هوكينج قد حقق تميزًا مماثلًا في أي فرع آخر من فروع العلم، غير عِلْم الكون، ربما ما كان له أن يحظى بالشهرة نفسها بين الجمهور في جميع أنحاء العالم. فكما ذكرتُ في صحيفة ذا تليجراف The Telegraph في عام 2007، أن "فكرة أن دماغًا حبيسًا يجوب الكون" قد داعبت خيال الناس.

في عام 1965، تزوج ستيفن من جين وايلد، وبعد زواج دام 25 عامًا، أنجبا خلالها ثلاثة أبناء، لم تعد جين قادرة على تحمُّل مرض هوكينج، بالإضافة إلى مشاركتهما منزلهما مع فريق من الممرضين، فانفصل كل منهما عن الآخر، وتم الطلاق بينهما في عام 1995. وألفت جين كتابًا حول قصة حياتهما، بعنوان: "رحلة إلى ما لا نهاية" Travelling to Infinity(دار نشر ألما، 2008)؛ وكانا سعيدَين بفيلم "نظرية كل شيء" The Theory of Everything، الذي أُنتج في عام 2014، والذي يحكي قصة حياتهما (على الرغم من أنه يتجاهل بعض إسهامات ستيفن العلمية، ويخلط بين بعضها البعض). وبعد زواج ثان أقصر عمرًا، حظي ستيفن بدعم من مجموعة من المساعدين، إلى جانب دعم أسرته له.

ظل ستيفن إيجابيًّا للغاية على مدار حياته، على الرغم من الإحباط الهائل الذي سَبَّبَته له حالته. فقد كان يستمتع بالذهاب إلى المسرح والأوبرا، وبدا نشيطًا غير منهك في أثناء سفرياته إلى جميع أنحاء العالم، وكذا في رحلاته المنتظمة إلى معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا في باسادينا. كان ستيفن يتمتع بحصافة الرأي، وروح الدعابة، وكان يعرب عن آراء قوية، ودَعَمَ قضايا سياسية، وكان مُرَحِّبًا بالظهور في وسائل الإعلام، رغم إلحاحها في الاهتمام به. وحظيت تعليقاته باهتمام واسع، حتى وإنْ كانت بعيدة عن مجال تخصصه؛ مثل الفلسفة، ومخاطر الذكاء الاصطناعي.

لقد انهارت جميع توقعات ستيفن عندما شُخِّصت حالته بذلك المرض العصبي الحركي؛ وقال إن كل ما حدث له منذ ذلك الوقت كان هبة. ويا لها من هبة للفيزياء، وللملايين الذين تعلموا من كتبه، وأيضًا للأعداد الأكثر منهم الذين أَلْهَمَتْهم إنجازاته، رغم كل العقبات التي تعرَّض لها.