أنباء وآراء

سرطان: إدمان الأورام على العقاقير يُضعفها

إنّ الخلايا السرطانية قد "تدمِن" الأدوية التي تُعالَج بها، حتى إنها تصير بحاجةٍ إليها، كي تستمر في البقاء. يكشِف تحليل الآليّة الكامنة وراء هذه الظاهرة عن استراتيجيّة إكلينيكية محتمَلة لاستغلالها.

ريبيكا جيه. لي، وريتشارد ماريه

  • Published online:

مع نشوء مقاوَمة في خلايا السرطان للعقاقير التي تستهدف مسارات تأشير خاصّة بالسرطان، تظهرُ أحيانًا ظاهرة مثيرة للاهتمام، يُطلق عليها إدمان العقاقير1، تَحْدُث حين تصبح الخلايا المُقاوِمة للعلاج بالعقار معتمِدة عليه. وفي بحْث نُشر مؤخرًا في دورية Nature، قَدَّم كونج وزملاؤه2 رؤى متعمقة للآليّات الكامنة وراء ظاهرة إدمان العقاقير في السرطان. وتحمِل النتائج التي توصلوا إليها في طيّاتها تبعات مهمة على استخدام علاجات الأورام الموجَّهة.

قام الباحثون بدراسة عيّنات خلوية مزروعة لنوع من سرطان الجلد يصيب البشر، يُسمَّى الورم الميلانيني. وقد عالجوا الخلايا بعقار "دابرافينيب" الذي يُستخدم لاستهداف البروتين BRAF في السرطانات التي تحمل طفرة مسبِّبة للسرطان في الجين BRAF، ثم قاموا بعلاج الخلايا، بالتناوب، بكلّ من العقارين "دابرافينيب"، و"تراميتينيب" الذي يستهدف إنزيمًا في مسار BRAF يُسَمّى MEK. وتمكَّنوا من تحديد الخلايا المدمنة، التي تموت، إذا لم تتلقّ العقار.

ومن أجل اكتشاف الآليّة المسؤولة عن إدمان الخلايا للعقاقير في هذا السياق، استخدم كونج وزملاؤه تقنيّة في الهندسة الوراثية لحذف جينات من الخلايا، حيث قاموا بسَحْب العقار "دابرافينيب" من الخلايا المُعدَّلة وراثيًّا، ثم بحثوا في الخلايا الناجية عن الجينات التي منع حذفها موت الخلية، أو توقّف نموّها، ما يَحْدُث عادة في الخلايا المدمنة للعقاقير عندما يتم سحب العقار. وقد مكّنت هذه التجارب الباحثين من التعرُّف على جينين اثنين، أثبتوا إسهامهما في عمليّة إدمان الخلايا للعقاقير. يشفِّر الجينان البروتينَين ERK2، وJUNB، اللذَبن يقومان بدورٍ في مسار التأشير الذي يتوسطه بروتين BRAF. وباستخدام مجموعة من خطوط خلوية مُقاوِمة للعقاقير، وتجارب في المختبر، وفي الجسم الحي، اكتشف كونج وزملاؤه أن استنفاد الجين MAPK1 (الذي يُشَفِّر بروتين ERK2)، أو JUNB، أو FOSL (الذي يُشَفِّر البروتين المُشارِك في ربط JUNB، ويُسمَّى FRA1) قد تَسَبَّب في منع موت الخلايا المُدْمِنة للعقاقير.

كشَف الباحثون عن خصوصيّة مذهلة في عمل البروتينات المشارِكة في هذه الظاهرة. فعلى سبيل المثال، منع استنفاد البروتين ERK2 موت الخلايا المرتبط بإدمان العقاقير، إلا أن استنفاد البروتين ERK1 لم يكن له تأثير في هذه العمليّة. ويتسق ذلك مع الملاحظة بأنه حينما تم سحب العقار من الخلايا المدمنة، نشط البروتين ERK2 - وليس ERK1 - بشكلٍ مفرط، رغم أن كليهما يعملان في مسار التأشير ذاته.

كان مسار إدمان الخلايا للعقاقير متماثلًا في جميع الحالات، بغضّ النظر عن كيفيّة تطوُّر المقاوَمة في خليّة بعينها، عن طريق زيادة تنشيط مسار ERK ، مثلًا، أو زيادة في عدد نسخ الجين BRAF. لذا، فإن النتائج التي توصَّل إليها الباحثون قد تكون ذات أهميّة في علاج كثير من المصابين بأورام ميلانينيّة مُقاوِمة للعقاقير.

ولتحديد كيفيّة موت الخلايا المُدْمِنة عند سَحْب العقار منها، قام الباحثون بوضع تسلسل الحمض النووي الريبي لهذا النوع من الخلايا المُحْتَضِرَة؛ ووجدوا أنه في أثناء موت الخلايا، قَلّ التعبير عن الجينات المرتبطة بتكاثر الخلايا، بينما تَزايَد التعبير عن الجينات المرتبطة بالنقيلة، وهي قدرة الخلايا على الانتشار إلى مواقع جديدة في الجسم. يربط هذا الاكتشاف بين إدمان الخلايا للعقاقير، وتحوُّل النمط الظاهري، وهو قدرة لدى خلايا الأورام الميلانينيّة، تمكِّنها من التحوّل بين حالةٍ تكاثريّة، وحالةٍ خلويّة اجتياحية مرتبطة بالنقيلة3.

إن تحوّل النمط الظاهري هذا هو السبب الكامن وراء مرونة الخلايا الميلانينيّة، وقدرتها على التكيّف مع بيئتها المصغَّرة. ويمكن التعرّف على الحالة الخلويّة لخلايا الأورام الميلانينيّة، عن طريق مراقبة التعبير عن بروتين "إي-كادهيرين"، أو غيره من البروتينات التي تميِّز حدوث تغيُّر، يُسمَّى اختصارًا EMT، تتحوّل فيه الخلايا الظهارية إلى متوسطية4. يتسبب تحوُّل النمط الظاهري في نشوء حالةٍ خلويّة يتزايد فيها احتمال تحوُّل الخلايا إلى خلايا نقيليّة، ويكون تغيّر EMT جزءًا من العمليّة التي تُمَكِّن الخلايا من الانتشار. وتُنَظَّم عمليّة تغيّر 4EMT تلك في الأورام الميلانينيّة، عن طريق بروتين عامل النسخ MITF، وهو المنظِّم الرئيس لسُلالات الخلايا الميلانينيّة5 التي تنشأ منها الأورام الميلانينيّة.

ترتبط المستويات المنخفضة من البروتين MITF بحالةٍ نقيليّة اجتياحية، بينما ترتبط مستويات البروتين المرتفعة بتكاثر الخلايا4. اكتشف الباحثون أنه في الخلايا المُدْمِنة للعقاقير، التي تحوي مستويات مرتفعة من بروتين MITF، تناقصت بشدّة مستويات هذا البروتين عند سَحْب العقار، واتخذت الخلايا هيئة اجتياحية. وعندما استخدم الباحثون الهندسة الوراثية، لمنع حدوث انخفاض في مستويات MITF عند سَحْب العقار؛ قَلّ موت الخلايا المرتبط بسَحْب العقار، إلا أن دور البروتين MITF في عمليّة موت الخلايا هذه ما زال غير واضح، حيث لا يُعرَف عن انخفاض مستويات التعبير عنه أنها تسبِّب موت الخلايا4.

يحمل العمل الخاص بكونج وزملائه في طياته أهمية طبية، إذ إنهم عند إيقاف علاج الخلايا بالعقاقير، اكتشفوا ثغرة، حيث تَسَبَّب علاج خلايا الأورام الميلانينيّة النامية في المختبر باستخدام عامل العلاج الكيميائي "داكاربازين" في تحفيز موت الخلايا (الشكل 1). ويرى الباحثون أن إيقاف استخدام مثبِّطات BRAF، وMEK، والبدء في استخدام "الداكاربازين" سيكون أكثر فعالية من مجرّد إيقاف جميع العلاجات بالعقاقير، وهي المقارَبات المعروفة باسم "عُطْلَة الدواء"، وتهدف إلى تحفيز موت الخلايا، عن طريق استغلال إدمانها للعقار.

الشكل 1 | إدمان العقاقير في الخلايا السرطانية.

قام كونج وزملاؤه2 بدراسة استجابة نوعٍ من السرطانات التي تصيب البشر، يُسمَّى الأورام الميلانينيّة للعلاج بالعقاقير، وذلك باستخدام خلايا تم إنماؤها في المختبر. وحين عُولجت الخلايا بجزيئات المثبِّط التي تستهدف البروتين BRAF، أو MEK، ماتت غالبية الخلايا، إلا أن بعضها ربما قاوَم العلاج؛ ونَجَا، لكنْ إن عولجت الخلايا المُقاوِمة بالمثبِّط لفترة طويلة، يمكن حينها أن تَحْدُث ظاهرة تُعرف باسم "إدمان العقاقير"، تصبح فيها الخلايا معتمِدة على العقار، وقد يَعتمِد عليه بعض الخلايا للبقاء. تَمَكَّن كونج وزملاؤه من التعرف على عدة بروتينات تسهم في مسار إدمان العقاقير، منها البروتين ERK2. وقد لاحظ الباحثون مستويات عالية من تنشيط ERK2 عند سَحْب العلاج بالمُثَبِّط من الخلايا المدمنة؛ ما سَبَّب موت بعض الخلايا. وإضافة إلى ذلك، يمكن زيادة موت الخلايا، إذا بدأ علاجها بالعامل العلاجي الكيميائي "داكاربازين" في الوقت نفسه لإيقاف العلاج بالمُثَبِّط.

قام كونج وزملاؤه2 بدراسة استجابة نوعٍ من السرطانات التي تصيب البشر، يُسمَّى الأورام الميلانينيّة للعلاج بالعقاقير، وذلك باستخدام خلايا تم إنماؤها في المختبر. وحين عُولجت الخلايا بجزيئات المثبِّط التي تستهدف البروتين BRAF، أو MEK، ماتت غالبية الخلايا، إلا أن بعضها ربما قاوَم العلاج؛ ونَجَا، لكنْ إن عولجت الخلايا المُقاوِمة بالمثبِّط لفترة طويلة، يمكن حينها أن تَحْدُث ظاهرة تُعرف باسم "إدمان العقاقير"، تصبح فيها الخلايا معتمِدة على العقار، وقد يَعتمِد عليه بعض الخلايا للبقاء. تَمَكَّن كونج وزملاؤه من التعرف على عدة بروتينات تسهم في مسار إدمان العقاقير، منها البروتين ERK2. وقد لاحظ الباحثون مستويات عالية من تنشيط ERK2 عند سَحْب العلاج بالمُثَبِّط من الخلايا المدمنة؛ ما سَبَّب موت بعض الخلايا. وإضافة إلى ذلك، يمكن زيادة موت الخلايا، إذا بدأ علاجها بالعامل العلاجي الكيميائي "داكاربازين" في الوقت نفسه لإيقاف العلاج بالمُثَبِّط.

كبر الصورة

في هذه الحالة، يكون لتوقيت تلقِّي العلاج بالعقار أهمية كبيرة. فتحديدًا، مُثَبِّطات MEK تمتد فترات عمر النصف الخاصة بها إلى فترات طويلة جدًّا (تصل إلى 10 أيام)، وحيث إن المستويات المنخفضة من التثبيط لهذا المسار قد تمنع موت الخلايا، بسبب إدمانها العقاقير، فإنّ إعطاء الدواء في التوقيت الصحيح سيكون ضروريًّا؛ لتحقيق أعلى فائدة ممكنة. وثمة أدلّة إكلينيكية6 على أن معاودة علاج الخلايا بالعلاج الُموَجَّه قد يكون فعالًا بعد عُطْلَةٍ دوائيّة نُفِّذت، نتيجة تطور المرض، أو حدوث تسمم. وقد يُعيد تَحوُّل النمط الظاهري من الحالة التكاثريّة إلى الحالة الاجتياحية تنشيط حساسية الخلايا للعلاجات المُوَجَّهة، إلا أن ذلك يحتاج إلى الدراسة والبحث.

اختبر الباحثون أيضًا نوعًا آخر من السرطان، يُسَمّى سرطان الرئة ذا الخلايا غير الصغيرة. وقد وجدوا أن سَحْب العقار من الخلايا يُقَلِّل نموّها، ويحفز حدوث تغيُّر EMT الخلوي في عيِّنة من هذه الخلايا السرطانيّة مُقاوِمة للعقاقير، وتم إنماؤها في المختبر، ومُعالَجتها بمثبِّط لبروتين EGFR (ترتبط الطفرات في هذا البروتين عادة بسرطان الرئة). ومجددًا، تم تفادي ظاهرة إدمان العقاقير تلك من خلال استنفاد ERK2، وليس ERK1. وتشير هذه البيانات إلى أن إدمان العقاقير هو خاصيّة عامة ترتبط بالعلاج بعقاقير تستهدِف البروتينات، مثل بروتين EGFR، في مسار MAPK. وسيكون من المثير اكتشاف ما إذا كان إدمان العقاقير يمتد أيضًا إلى العلاجات التي تَستهدِف مسارات تأشير أخرى، والتعرف على مكونات المسار الرئيسة المسؤولة عن الأمر.

يتكوّن هذا البحث الشائق لكونج وزملائه - في الأساس - من دراسات تمت داخل المختبر. ولذا، سيكون مطلوبًا إجراء دراسات في الجسم الحيّ؛ من أجل استكشاف ما إذا كانت البيئة المصغَّرة المحيطة بالورم تؤثر على إدمان الخلايا للعقاقير، أم لا. وتثير الدراسة التي قام بها الباحثون العديد من الأسئلة المثيرة، منها: لماذا يتوسَّط ERK2 وليس ERK1 في حدوث إدمان العقاقير، رغم أن كليهما مكوِّنان رئيسان في مسار MAPK؟ تنظِّم شبكة معقدة من آليّات ردود الأفعال هذا المسار، ويُفترض أن تتم دراسة دور هذه الآليّات التنظيميّة في إدمان الخلايا للعقاقير. ولمعرفة قابليّة استغلال النتائج التي توصَّل إليها الباحثون إكلينيكيًّا، سيكون من الضروري معرفة ما إذا كانت هناك عقاقير أخرى تعمل بشكل أفضل من "الداكاربازين"، إذا استُخْدِمَت مع نهْج سَحْب العقار لاستهداف الخلايا المُدْمِنة، أم لا. كما سيكون من المفيد أيضًا دراسة الآليّات الكامنة وراء هذا النوع من التآزر بشكل أكثر تفصيلًا. إن التَّحَسُّن في فهْمنا لظاهرة إدمان الخلايا للعقاقير - الناتج عن هذا العمل - يقدِّم بداية مبشِّرة لمسيرة استكشاف الفرص العلاجيّة التي قد تنشأ باستغلال نقطة الضعف هذه في مرض السرطان. 

References

  1. Das Thakur, M. et al. Nature 494, 251–255 (2013). | article
  2. Kong, X. et al. Nature 550, 270–274 (2017). 
  3. Hoek, K. S. et al. Cancer Res. 68, 650–656 (2008). | article
  4. Müller, J. et al. Nature Commun. 5, 5712 (2014). | article
  5. Garraway, L. A. et al. Nature 436, 117–122 (2005). | article
  6. Schreuer, M. et al. Lancet Oncol. 18, 464–472 (2017). | article

ريبيكا جيه. لي، وريتشارد ماريه باحثان في مجموعة علم الأورام الجُزَيْئي، معهد أبحاث السرطان بمانشستر في المملكة المتحدة، مانشستر M20 4BX، المملكة المتحدة.

ريتشارد ماريه يعمل أيضًا بكليّة علم الأحياء والطبّ والصحة، جامعة مانشستر.

البريد الإلكتروني: richard.marais@cruk.manchester.ac.uk