أنباء وآراء

علم الفلك: منارة في فجر الكون

النجوم الزائفة هي ألمع مصادر تنبعث منها الإشعاعات باستمرار في الكون. أظهرت القياسات التي أُجريت على أبعد نجم زائف مكتشَف على الإطلاق تفاصيل حول تطوُّر وبِنْية الكون في مراحله المبكرة.

إيلات جليكمان
  • Published online:

منذ اكتشاف1 الأجرام الفلكية التي تُدعى النجوم الزائفة في عام 1963، وهي لا تزال من بين أقوى أدواتنا لاستكشاف الكون في مراحله المبكرة. لقد كانت في بادئ الأمر يُنظر إليها باعتبارها مصادر غامضة لسطوع شديد، أمّا الآن، فهي تُعرف بأنها ثقوب سوداء فائقة الكتلة، تتغذى بنهم على الغاز الموجود في المنطقة المحيطة بها مباشرة، باعثةً كميات ضخمة من الإشعاع في أثناء ذلك. وفي بحث نُشر مؤخرًا بدورية Nature، أعلن بانادوس وزملاؤه2 عن نتائج رصد لأبعد نجم زائف تم اكتشافه حتى الآن. انبعث الضوء الذي تم التقاطه من هذا الجسم عندما كان عمر الكون لا يتعدى 690 مليون سنة، أي ما يساوي 5% فقط من عمره الحالي.

قبل 90 سنة تقريبًا، اكتشف عالِم الفلك إدوين هابل أن الكون يتمدد3. ويعمل هذا التمدد على مطّ موجات الضوء التي تنتقل عبر الفضاء، بحيث قد يتم رصد الضوء المنبعِث من مصدر بعيد باللون الأزرق على أنه ضوء أحمر. وتُعرف تلك الظاهرة بـ"الانزياح نحو الأحمر"، وهي ترتبط بالمسافة، وبالزمن، فكلما زاد الانزياح نحو الأحمر، كان المصدر على مسافة أبعد عندما انبعث الضوء منه؛ ما يشير إلى أن الضوء قد انبعث في وقت مبكر أكثر.

إذاعدنا إلى المرحلة التي بدأ عندها الكون في التمدُّد، نجد أنه قد بدأ في حالة ساخنة وكثيفة، مملوءًا في معظمه بالهيدروجين المتأين. ومع تمدُّده، كان يبرد أيضًا. وبعد حوالي 380 ألف سنة، أصبحت درجة الحرارة منخفضة بما يكفي لتكوين الهيدروجين المتعادل. في أول بضع مئة مليون سنة، كان الكون خاليًا من أي مصدر للضوء، فلم تكن هناك نجوم، ولا مجرّات، ولا نجوم زائفة، ثم وُلدت النجوم الأولى، على أن الكون ظل مظلمًا، نتيجة لقدرة الهيدروجين المتعادل الكبيرة على امتصاص الأشعة فوق البنفسجية (وهو النوع الأساسي المنبعث من هذه النجوم).

أمّا في وقتنا الحالي، فالكون يذخر بمصادر الضوء، كما أن الهيدروجين الموجود في الفضاء بين المجرّات (الوسط بين المجري) متأين بالكامل، ومن ثم، فإنه يسمح بنفاذ انبعاثات الأشعة فوق البنفسجية القادمة من المجرّات والنجوم الزائفة التي نشأت في مراحل مبكرة من عمر الكون. وعملية التغير الطوري هذه من كَوْن متعادل إلى كون متأين - وتُعرف بإعادة التأين - هي عملية غير مفهومة بشكل كامل.

يمكن تقدير حجم الجزء المتعادل من الهيدروجين الموجود في الكون عن طريق تحليل امتصاص الهيدروجين للضوء في النجوم الزائفة. وقد أظهرت دارسات النجوم الزائفة المرصودة على الوضع الذي كانت عليه عندما كان عمر الكون يتراوح بين 0.85 مليار سنة، و1.2 مليار سنة (المقابل لانزياح نحو الأحمر، مقداره 6.5 إلى حوالي 5، على التوالي) أن نسبة الهيدروجين المتعادل قد انخفضت بشكل حاد من 0.1% إلى 0.01% خلال تلك الفترة4. ومع ذلك، فإن معظم عملية إعادة التأين قد حدث قبل هذه الحقبة الزمنية.

والنجم الزائف الذي رصده بانادوس وزملائه، والمعروف باسم ULAS J1342+0928، له انزياح نحو الأحمر، مقداره 7.54. ويعني ذلك أن انبعاثاته فوق البنفسجية القوية قد انزاحت إلى الأشعة تحت الحمراء القريبة، بما يفوق دقة عمليات المسح التقليدية المستخدَمة لتصوير السماء. ومن ثم، فإن إيجاد نجم زائف كهذا يتميز بانزياح عال نحو الأحمر لم يكن ممكنًا حتى حوالي عقد مضى، عندما بدأت كواشف الأشعة تحت الحمراء القريبة الدقيقة بما يكفي مَسْح مساحات واسعة من السماء5،6. وعن طريق دراسة طيف امتصاص النجم ULAS J1342+0928 (وهو جزء الإشعاعات الساقطة التي يمتصها الوسط بين المجرِّي على مدى مجموعة من الترددات)، تَمَكَّن المؤلفون من تحديد أن الكمية المتعادلة من الهيدروجين كانت 10% على الأقل عندما كان عمر الكون 690 مليون سنة، وهو الأمر الذي يقلص بشدة الافتراضات حول الكيفية التي تمت بها عملية إعادة تأين الوسط بين المجرِّي.

إن الثقب الأسود الخاص بالنجم الزائف ضخم جدًّا؛ إذ يبلغ حوالي 800 مليون مرة كتلة الشمس. وتنمو الثقوب السوداء عن طريق استهلاك الغاز (المتراكم) القادم من هيكل محيط يُعرف باسم القرص التراكمي، (الشكل 1)، ويطلق الغاز الإشعاع في أثناء سقوطه إلى الداخل، إلا أن تلك الأنظمة تتسم بأقصى قدر من السطوع، الذي يحدث عندما يدفع ضغط الضوء المنبعث الغاز الساقط إلى الداخل؛ ما يُوقِف استمرار النمو. ويعتمد هذا السطوع على كتلة الثقب الأسود المتراكم، ومن ثم، فإنها تحدد أقصى معدل لنمو النظام، ويُعرف باسم "حدّ إدنجتون".

الشكل 1 | انبعاث من نجم زائف.

النجوم الزائفة هي أجرام فلكية شديدة السطوع، تتألف من ثقب أسود فائق الكتلة، محاط بقرص دوار من الغاز، يُعرف بالقرص التراكمي. وفيما يتم انجذاب المادة من القرص نحو الثقب الأسود، تنبعث الطاقة على هيئة إشعاع كهرومغناطيسي، وفي بعض الحالات على هيئة أحزمة من الجسيمات المشحونة، يُطلق عليها اسم "نفثات". وقد أعلن بانادوس وزملاؤه2 عن نتائج رصد النجم الزائف الأبعد، الذي تم التعرف عليه حتى الآن، والذي انبعث ضوؤه عندما كان عمر الكون يعادل 5% فقط من عمره الحالي.

النجوم الزائفة هي أجرام فلكية شديدة السطوع، تتألف من ثقب أسود فائق الكتلة، محاط بقرص دوار من الغاز، يُعرف بالقرص التراكمي. وفيما يتم انجذاب المادة من القرص نحو الثقب الأسود، تنبعث الطاقة على هيئة إشعاع كهرومغناطيسي، وفي بعض الحالات على هيئة أحزمة من الجسيمات المشحونة، يُطلق عليها اسم "نفثات". وقد أعلن بانادوس وزملاؤه2 عن نتائج رصد النجم الزائف الأبعد، الذي تم التعرف عليه حتى الآن، والذي انبعث ضوؤه عندما كان عمر الكون يعادل 5% فقط من عمره الحالي.

كبر الصورة

يرى بانادوس وزملاؤه أن الكتلة الضخمة للثقب الأسود في النجم ULAS J1342+0928 يمكنها أن تُفَسَّر بأن يكون الجسم قد بدأ حياته كثقب أسود أَوَّلِي (بذرة) لا تقل كتلته عن ألف كتلة شمسية. وهذه النتيجة يمكنها أن تستبعد النماذج التي تتضمن أن تكون بذور الثقوب السوداء قد تكوَّنت من موت النجوم العملاقة الأولى7، وبدلًا من ذلك، فإنها تُرجح النماذج التي تتضمن أن هذه البذور ربما تكونت من الانهيار المباشر للغاز الأَوَّلِي8 في الكون. وإضافة إلى ذلك، فإن الثقب الأسود يجب أن يكون قد نما بشكل مستمر (وبالتالي بصورة أسية) عند حدّ إدنجتون، بداية منذ أنْ كان عُمْر الكون 65 مليون سنة تقريبًا. ورغم أن هذا السيناريو ممكن من الناحية المادية، فهو يتطلب حدوث تراكُم شديد ومستمر لمدة 600 مليون سنة، وهي مدة أطول بكثير من العمر التقليدي لنجم زائف9.

وحتى الآن، تم اكتشاف نجمين زائفين فقط، يتميزان بقِيَم انزياح نحو الأحمر، أكبر من 7. أُعلن عن النجم الزائف ذي الرقم القياسي السابق10 في عام 2011، وتنبأت النماذج السابقة لتطور النجوم الزائفة بأنه كان ينبغي العثور على المزيد بحلول الوقت الحالي11. فالطرق المستخدَمة للعثور على النجوم الزائفة، حتى عند هذه الانزياحات العالية نحو الأحمر، هي طرق سليمة، وأثبتت فعاليتها. ومن ثم، فإن ندرة النجوم الزائفة ذات الانزياحات العالية نحو الأحمر قد تشير إلى أن هذه الأجسام لم تكن شائعة في مرحلة مبكرة من عمر الكون، كما يمكن أن تعني حدوث انخفاض حاد في نشاط النجوم الزائفة، كلما رجعنا بالزمن إلى أوقات مبكرة أكثر12. وإذا كان الأمر كذلك، فإن هذا يشير إلى أننا ربما نرصد أنظمة نادرة جدًّا في وقت بداية ظهورها في الكون.

يقدم العمل الذي قام به المؤلفون لمحة عن أحوال الوسط بين المجرِّي في الحقبة الأولى من التكوين البنيوي في الكون، ويمكنها أن تضع قيودًا رئيسة على النماذج الكونية الخاصة بتلك الفترة. ومع ذلك، فإن نجمًا زائفًا واحدًا غير كافٍ لتقديم صورة كاملة عن الكون في حقبة إعادة التأين، أو عن تطور ونمو الثقوب السوداء فائقة الكتلة من البذور الأولية. إذن، فالمهمة القادمة هي التنقيب في المسوح السماوية التي ستتم في المستقبل في نطاق الأشعة تحت الحمراء القريبة، بحثًا عن مزيد من النجوم الزائفة، التي يمكنها أن ترسم صورة أكثر اكتمالًا للكون سريع التطور في المراحل الأولى من عمره.

References

  1. Schmidt, M. Nature 197, 1040 (1963). | article
  2. Bañados, E. et al. Nature 553, 473–476 (2018).
  3. Hubble, E. Proc. Natl Acad. Sci. USA 15, 168–173 (1929). | article
  4. Fan, X., Carilli, C. L. & Keating, B. Annu. Rev. Astron. Astrophys. 44, 415–462 (2006). | article
  5. Wright, E. L.et al. Astron. J. 140, 1868–1881 (2010). | article
  6. Lawrence, A. et al. Mon. Not. R. Astron. Soc. 379, 1599–1617 (2007). | article
  7. Natarajan, P. & Volonteri, M. Mon. Not. R. Astron. Soc 422, 2051–2057 (2012). | article
  8. Bromm, V. & Loeb, A. Astrophys. J. 596, 34–46 (2003 | article
  9. Hopkins, P. F. & Hernquist, L. Astrophys. J. 698, 1550–1569 (2009). | article
  10. Mortlock, D. J. et al. Nature 474, 616–619 (2011). | article
  11. Fan, X. et al. Astrophys. J. 121, 54–65 (2001). | article
  12. McGreer, I. D. et al. Astrophys. J. 768, 105 (2013). | article

إيلات جليكمان تعمل في قسم الفيزياء، كلية ميدلبري، ميدلبري، فيرمونت 05753، الولايات المتحدة الأمريكية.

البريد الإلكتروني: eglikman@middlebury.edu