تحقيق إخباري

صورةٌ لِذِكْرَى

الباحثون يرسمون صورًا مُعقّدة للذكريات الفردية، ويكتشفون كيف يعمل الدماغ في أثناء تلك العملية.

هيلين شين
  • Published online:

 Illustration by Andy Potts; Photos from Getty

رغم أن أخصائية علم الأعصاب الإدراكيّ جانيس تشين ليست من أشّد المعجبين بمسلسل «شِرلوك»، إلا أن المعلومات المتوفرة لديها عن تلك الدراما البوليسية الناجحة التي تقدِّمها هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) تفوق ما يعرفه معظم الناس. تراقب تشين - بمساعدة ماسح ضوئيّ للدماغ - ما يحدث داخل أدمغة المشاهدين عندما يشاهدون الحلقة الأولى من المسلسل، ثم يصفون تسلسل الأحداث. سمعت تشين - وهي باحثة في جامعة جونز هوبكنز في بالتيمور بولاية ميريلاند - كل أنواع الروايات المتباينة بخصوص مشهدٍ كان في بداية المسلسل، يصوّر امرأة تغازل المحقِّق المشهور بتحفُّظه في مشرحة. يرى بعض الناس أن شرلوك هولمز تصرّف في ذلك المشهد بوقاحة، بينما يَعتقِد آخرون أنه غفل عن محاولات تلك المرأة المرتبكة للتودد إليه، لكن تشين وزملاءها اكتشفوا شيئًا غريبًا عندما أجروا مسحًا لأدمغة المشاهدين؛ فبينما أعاد أناس مختلفون سرد رواياتهم الشخصية للمشهد ذاته، أنتجت أدمغتهم أنماطًا من النشاط متشابهة بشكل ملحوظ1.

تُعَدّ تشين واحدة من بين عدد متزايد من الباحثين الذين يستخدمون التصوير الدماغيّ؛ للتعرّف على أنماط النشاط المشارِكة في إنشاء ذِكْرَى معينة، واسترجاعها. وفي الوقت الحاضر، تُمَكِّن الابتكارات التكنولوجية البارزة - التي شهدها عِلم الأعصاب على المستويين البشريّ والحيوانيّ في العقد الماضي - الباحثين من الكشف عن القواعد الأساسية المتعلقة بكيفية تكوُّن الذكريات الفردية، وتنظيمها، وتفاعلها فيما بينها. على سبيل المثال ، تمكّنت  فرقاء بحثية - باستخدام تقنيات لوَسْم الخلايا العصبية النشطة - من تحديد مواقع الدوائر المرتبطة بذِكْرَى مثير مؤلم لدى القوارض؛ ونجحت في إعادة تنشيط تلك المسارات؛ لإثارة هذه الذكرى. أما لدى البشر، فقد حددت الدراسات البصمات الخاصة بذكريات معينة، التي تكشف عن بعض الطرق التي يتبعها الدماغ في تنظيم الذكريات، والربط بينها؛ للمساعدة على التذكُّر. هذه النتائج يمكن أن تساعد يومًا ما على الكشف عن سبب ضعف الذاكرة عند التقدّم في العمر، أو المرض، أو معرفة كيف تتسلل الذكريات الخاطئة إلى شهادات شهود العيان، بل ربما يقود هذا التبصر أيضًا إلى تطوير استراتيجيات لتحسين التعلّم والذاكرة.

يمثّل ذلك العمل انحرافًا ملحوظًا عن مسار البحوث السابقة في مجال الذاكرة، التي حددت مواقع وآليات أكثر عمومية. وتقول شينا جوسلين، عالمة الأعصاب بمستشفى الأطفال المرضى في تورونتو بكندا: "في الحقيقة، بدأت النتائج التي نحصل عليها من القوارض والبشر في التوافق معًا في الوقت الحاضر، ولا أتخيل أن أرغب في دراسة أي شيء آخر".

استعصى الأثر المادي للذكرى الفردية - الذي يُطلَق عليه أيضًا اسم "الإنجرام" - على الاكتشاف لفترة طويلة. وكان عالِم النفس الأمريكيّ كارل لاشلي أحد أوائل من تتبعوا "الإنجرام"، وقد كرّس جُلّ حياته المهنية لذلك المسعى. فبداية من حوالي عام 1916، درّب لاشلي بعض الفئران على المرور عبر متاهة بسيطة، ثم أتلف كتلة من قشرة الدماغ لديها، وهي السطح الخارجي للدماغ. ووضع، بعد ذلك، الفئران في المتاهة من جديد. لم يصنع النسيج الدماغيّ التالف في الغالب سوى فارق بسيط. وعامًا بعد عام، ظلّ تحديد الموقع الفعليّ لذكريات الفئران أمرًا صعب المنال. وقد كتب لاشلي في عام 1950، مُلخِّصًا مهمته الطموحة2: "أشعر في بعض الأحيان، عند مراجعة الأدلة الخاصة بتحديد موقع أثر الذكريات، أن النتيجة التي من المفترض التوّصل إليها هي أنه من غير الممكن اكتشاف هذا الأمر".

والذكرى، حسبما اتضح، هي عملية موزّعة على نطاق واسع، وليست منحصرة في منطقة واحدة فقط في الدماغ. وتتضمن الأنواع المختلفة من الذكريات مجموعات مختلفة من المناطق، فكثير من البِنى المهمة لترميز الذكريات واسترجاعها، مثل الحُصين، يقع خارج قشرة الدماغ. ومن ثم، فاتت تلك البِنى على لاشلي إلى حد كبير. يعتقد معظم علماء الأعصاب في الوقت الحالي أن تجربة معينة تدفع مجموعة فرعية من الخلايا عبر تلك المناطق إلى إطلاق إشاراتها، وتغيير التعبير الجينيّ الخاص بها، وتشكيل روابط جديدة، وتغيير قوة الروابط القائمة بالفعل، وهي تغييرات تتولى بشكل جماعيّ تخزين الذكريات. ويحدث التذكّر - وفقًا للنظريات الحالية - عندما تُطْلِق هذه الخلايا العصبية إشاراتها من جديد، وتُعِيد عرض أنماط النشاط المرتبطة بتجربة ماضية.

وضع العلماء بعض المبادئ الأساسية لذلك الإطار الواسع، لكن اختبار نظريات على مستوى أعلى بشأن كيفية قيام مجموعات من الخلايا العصبية بتخزين معلومات محددة واسترجاعها لا يزال يشكّل تحديًا. فالتقنيات الجديدة لوَسْم خلايا عصبية معينة في الحيوانات، وتنشيطها، وإخمادها، لم تسمح للباحثين بتحديد الخلايا العصبية التي تشكّل ذكرى واحدة تحديدًا دقيقًا، إلا في العقد الماضي فقط (انظر: "التلاعب بالذكريات").

كبر الصورة

Jasiek Krzysztofiak/Nature

رحلة البحث عن "الإنجرام"

أسهمت جوسلين في قيادة هذه الموجة البحثية ببعض الدراسات المبكرة التي بحثت في الخلايا العصبية الخاصة بـ"الإنجرام" لدى الفئران3. وفي عام 2009، رفعت جوسلين وفريقها مستوي بروتين رئيس متعلق بالذاكرة، يُسمى "كريب" (CREB)، في بعض الخلايا الموجودة في اللوزة الدماغية (وهي منطقة تشارك في معالجة الشعور بالخوف)، وأوضحوا أن تلك الخلايا العصبية كان من المرجح - بوجه خاص - أن تُطْلِق إشاراتها عندما ميزت الفئران - ثم تذكرت لاحقًا - ارتباطًا مخيفًا بين نغمة سمعية، وصدمات كهربائية عُرِّضت لها أقدام تلك الفئران. واستنتج الباحثون أنه إذا كانت الخلايا التي يعززها البروتين "كريب" جزءًا أساسيًّا من "إنجرام" الخوف، فإن تدميرها سوف يمحو الذكرى المرتبطة بالنغمة، ويزيل شعور الحيوانات بالخوف منها. لذا استخدم الفريق سُمًّا لقتل الخلايا العصبية التي تزيد فيها مستويات البروتين "كريب"، ونسيت الحيوانات شعورها بالخوف بصفة مستديمة.

بعد أشهر قليلة، توصلت مجموعة ألسينو سيلفا بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجيليس إلى نتائج مماثلة، إذ نجحت في قَمع ذكريات الخوف لدى الفئران، من خلال كبح الخلايا العصبية4 التي تفرط في إفراز بروتين "كريب" بوسائل كيميائية حيوية. وفي أثناء تلك العملية، اكتشف الباحثون أيضًا أنه في أيّ لحظة معلومة، تكون الخلايا التي تحتوي على قَدْر أكبر من بروتين "كريب" أكثر قابلية للاستثارة الكهربائية من جيرانها، وهو الأمر الذي يمكن أن يفسر استعداد تلك الخلايا لتسجيل الخبرات الواردة إليها. فيقول سيلفا: "بالتزامن مع ذلك، اكتشفَتْ مختبراتنا شيئًا جديدًا تمامًا، وهو أن هناك قواعد محددة، تصبح بواسطتها الخلايا جزءًا من الإنجرام".

إنّ هذه الأنواع من دراسات قَمع الذاكرة تصف فقط نصف "الإنجرام". ولإثبات أن العلماء كانوا في الحقيقة يبحثون في "الإنجرام"، بما لا يدع مجالًا للشكّ، لزم إنتاج ذكريات عند الطلب أيضًا. وفي عام 2012، نَوّهت مجموعة سوسومو تونيجاوا بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا في كامبريدج إلى إنشاء نظام يمكنه فِعْل ذلك بالضبط.

ومِن خلال التلاعب جينيًّا بخلايا الدماغ لدى الفئران، تمكّن الباحثون من وَسْم الخلايا العصبية المُطلِقة للإشارات ببروتين حساس للضوء. استهدف الباحثون الخلايا العصبية الموجودة في (الحُصَين)، وهو منطقة أساسية في معالجة الذكريات. ومع تشغيل نظام الوسم، عرَّض العلماء الحيوانات لسلسلة من الصدمات الكهربائية للأقدام. وأنتجت الخلايا العصبية التي استجابت للصدمات البروتين المُستجيب للضوء؛ ما سمح للباحثين بتمييز الخلايا التي تُكوِّن الذكرى. وتمكَّن الباحثون - بعد ذلك - من تحفيز هذه الخلايا العصبية؛ لإطلاق إشاراتها باستخدام ضوء الليزر؛ ما أدّى إلى إحياء الذكرى غير السارّة للفئران5. وفي دراسة متابعة، وضع فريق تونيجاوا الفئران في قفص جديد، وعرَّض أقدامها للصدمات الكهربائية، بينما أعاد - في الوقت ذاته - تنشيط الخلايا العصبية التي شكّلت "إنجرام" قفص "آمِن". وعندما أُعيدت الفئران إلى القفص الآمن؛ تجمّدت في أماكنها من الخوف، ما دلّ على أن الذكرى المخيفة ارتبطت على سبيل الخطأ بمكان آمِن6. وقد أظهرت الأعمال التي أَجْرتها مجموعات أخرى أنه يمكن استخدام تقنية مماثِلة لوَسْم ذكرى معينة، ثم حجبها8،7.

يقول سيلفا إن تلك المجموعة من الأعمال الواردة من عدة مجموعات بحثية ساعدت على بناء حُجة قوية، مفادها أن الأثر الفسيولوجي لذكرى معينة، أو على الأقل المكونات الرئيسة لذلك الأثر، يمكن أن تكون متمركزة في خلايا عصبية محددة. لكن تظل الخلايا العصبية في جزء واحد من الحُصين أو اللوزة الدماغية جزءًا ضئيلًا فقط من "إنجرام" الخوف المرتبط بالصدمات الكهربائية لأقدام الفئران، الذي يتضمن مشاهد، وروائح، وأصواتًا، وغيرها من الأحاسيس الأخرى التي لا تُعَدّ، ولا تُحصَى. يقول سيلفا: "يقع ذلك الشعور - على الأرجح - في عدد يتراوح بين 10 مناطق، و30 منطقة مختلفة في الدماغ، وهذا مجرد تخمين عشوائي، لا أساس له".

نظرة أشمل

إنّ التطوّرات التي يشهدها مجال تكنولوجيا تصوير الدماغ لدى البشر تمنح الباحثين حاليًّا القدرة على إلقاء نظرة شاملة على النشاط في جميع أنحاء الدماغ الذي يشكّل "الإنجرام". فعلى الرغم من أن التقنية الأكثر استخدامًا - وهي التصوير بالرنين المغناطيسيّ الوظيفيّ (fMRI) - لا يمكنها تحليل الخلايا العصبية الفردية، إلا أنها تُظهِر بدلًا من ذلك نقاطًا من النشاط في مناطق مختلفة من الدماغ. كان التصوير بالرنين المغناطيسيّ الوظيفيّ يُستخدَم عادةً في انتقاء المناطق التي تستجيب بأقصى قوة لمختلف المهام، لكنْ في السنوات الأخيرة، كشفت تحليلات فعّالة عن الأنماط المميزة، أو البصمات، الخاصة بالنشاط على نطاق الدماغ، التي تظهر عندما يتذكر الناس خبرات معينة. "إنها واحدة من أهم الثورات في مجال علم الأعصاب الإدراكيّ"، حسبما يقول مايكل كاهانا، وهو عالِم أعصاب بـجامعة بنسلفانيا في فيلادلفيا.

كان تطوير تقنية تُسمى "تحليل الأنماط متعددة الفوكسلات" (MVPA) عاملًا مُحفِّزًا على قيام هذه الثورة. فهذه الطريقة الإحصائيّة، التي يُطلَق عليها أحيانًا اسم "فك ترميز الدماغ"، تقوم بتغذية بيانات التصوير بالرنين المغناطيسيّ الوظيفيّ في خوارزمية كمبيوتر تتعرّف تلقائيًّا على الأنماط العصبية المرتبطة بأفكار أو خبرات معينة. عندما كان شون بولين - الذي يعمل الآن عالِم أعصاب بجامعة فاندربيلت في ناشفيل بولاية تينيسي الأمريكية - طالبًا في مرحلة الدراسات العليا في عام 2005، ساعد على قيادة دراسة مؤثرة، طُبِّق فيها تحليل الأنماط متعددة الفوكسلات على الذاكرة البشرية للمرة الأولى9. في هذه التجربة، درَس المتطوعون صورًا لأشخاص ومواقع وأشياء عامة مشهورة. وباستخدام بيانات التصوير بالرنين المغناطيسيّ الوظيفيّ، التي جُمِعت في أثناء تلك الفترة، درّب الباحثون برنامج كمبيوتر على تحديد أنماط النشاط المرتبطة بدراسة كل فئة من تلك الفئات.

في وقت لاحق، وبينما استلقى الأفراد الخاضعون للدراسة في جهاز الرنين المغناطيسيّ، وذكروا جميع العناصر التي يمكنهم تذكُّرها، عادت البصمات العصبية المرتبطة بفئة محددة إلى الظهور من جديد قبل كل استجابة ببضع ثوانٍ. فقبل تسمية شخص مشهور، على سبيل المثال، ظهر نمط النشاط "المتعلق بالمشاهير"، متضمنًا تنشيط منطقة من مناطق القشرة الدماغية، تتولى معالجة الوجوه. كان ذلك من بين الأدلة المباشرة الأولى على أنه عندما يَسترجِع الأشخاص ذكرى معينة، يرجع دماغهم إلى الحالة التي كان عليها عندما قام بترميز تلك المعلومة. تقول تشين: "كانت ورقة بحثية مهمة جدًّا. وأنا قطعًا أَعتَبِر عملي نتيجة مباشرة لها".

منذ ذلك الحين، حسّنت تشين وغيرها من الباحثين تقنياتهم لفك ترميز الذكريات بدقة متزايدة. ففي حالة دراسات تشين لمسلسل "شرلوك"، وجدت مجموعتها أن أنماط نشاط الدماغ في 50 مشهدًا من مشاهد الحلقة الأولى يمكن تمييزها بوضوح عن بعضها البعض. كانت هذه الأنماط محددة بشكل ملحوظ؛ ففي بعض الأحيان كانت تُفرِّق بين المشاهد التي ظهر فيها شرلوك، وتلك التي لم يظهر فيها، وبين المشاهد التي صوّرت في أماكن مغلقة، وتلك التي صوّرت في أماكن خارجية.

بالقرب من الحُصين، وفي العديد من مراكز المعالجة عالية المستوى، مثل قشرة الدماغ الخلفية الوسطى، رأى الباحثون الأنماط ذاتها الخاصة برؤية المَشاهِد تتكشّف أمام أعينهم، بينما كان كل شخص يروي تفاصيل الحلقة في وقت لاحق، حتى لو وصف هؤلاء الأشخاص مشاهد محددة بشكل مختلف1. ولاحظ الباحثون أيضًا نشاطًا دماغيًّا مشابِهًا لدى الأشخاص الذين لم يشاهدوا المسلسل على الإطلاق، وإنما سمعوا روايات الآخرين عنه10.

تقول تشين: "كان مِن المستغرَب أن نرى البصمة ذاتها عندما كان أشخاص مختلفون يتذكرون المشهد نفسه، ويصفونه بكلماتهم الخاصة، حتى مع تذكُّرهم المشهد بأيّ طريقة يريدونها". وتشير النتائج إلى أن تنظيم الأدمغة - حتى في المناطق العليا التي تتولى معالجة الذكريات، والمفاهيم، والإدراك المُعقَّد - ربما يكون أكثر تشابهًا بين الأشخاص مما هو متوقع.

خَلْط الذكريات

مع إعطاء التقنيات الجديدة لمحة عن "الإنجرام"، يمكن للباحثين البدء، ليس فقط في دراسة كيف تتكون الذكريات الفردية فحسب، وإنما أيضًا كيف تتفاعل الذكريات مع بعضها البعض، وكيف تتغير بمرور الوقت.

في جامعة نيويورك، تَستخدِم عالمة الأعصاب ليلا دافيتشي تحليل الأنماط متعددة الفوكسلات؛ لدراسة كيف يُصنِّف الدماغ الذكريات التي تشترك في مضمون متداخل. وفي دراسة أَجْرتها دافيتشي في عام 2017، بالتعاون مع أليكسا تومباري، التي كانت حينذاك طالبة دراسات عليا في مختبرها، عرضت العالمة على المتطوعين صورًا لعدد 128 عنصرًا، اقترن كل منها بأحد أربعة مناظر، فاقترن منظر شاطئ بصورة قدح، على سبيل المثال، ثم لوحة مفاتيح، واقترن منظر مدينة بصورة مَظلّة، وهكذا. ظهر كل عنصر من تلك العناصر مع منظر واحد فقط، لكن عناصر كثيرة مختلفة ظهرت مع المنظر نفسه11. في البداية، عندما ربط المتطوعون العناصر بالمناظر المقابلة لها، استثار كل عنصر منها نمطًا مختلفًا من أنماط تنشيط الدماغ، لكنْ بعد أسبوع واحد، كانت الأنماط العصبية خلال مهمة التذكّر هذه قد أصبحت أكثر تشابهًا فيما يخص العناصر المقترنة بالمنظر ذاته. فكان الدماغ قد أعاد تنظيم الذكريات، وفقًا للمعلومات المشتركة عن المنظر. تقول دافيتشي: "يمكن أن يمثّل ذلك التجميع نقطة البدء لتَعَلُّم "لُب" المعلومات".

يمكن لتجميع الذكريات ذات الصلة أيضًا مساعدة الأشخاص على استخدام المعرفة السابقة لتعلُّم أشياء جديدة، وذلك وفقًا لبحث أَجْرته عالمة الأعصاب أليسون بريستون في جامعة تكساس في أوستن. وفي دراسة أُجريت في عام 2012، وجدت مجموعة بريستون أنه عندما يشاهد بعض الناس زوجًا من الصور (مثل كرة سلة، وحصان)، ثم يشاهدون لاحقًا زوجًا آخر (مثل حصان، وبحيرة)، ويكون الزوجان مشتركين في عنصر واحد؛ فإن أدمغتهم تعيد تنشيط النمط المقترن بالزوج الأول12. ويبدو أن عملية إعادة التنشيط هذه تربط معًا أزواج الصور ذات الصلة؛ فالأشخاص الذين ظهر عليهم ذلك الأثر في أثناء التعلّم كانوا أفضل لاحقًا في التعرّف على الرابط - الذي كان ضمنيًّا، ولم يُرَ على الإطلاق - بين الصورتين اللتين لم تظهرا معًا (كرة السلة والبحيرة في هذه الحالة). تفسر بريستون ذلك بقولها: "يصيغ الدماغ روابط تمثّل معلومات، ومعرفة تتجاوز نطاق ملاحظتنا المباشرة". ويمكن لهذه العملية أن تساعد على أداء عدد من الأنشطة اليومية، مثل التنقّل في بيئة غير مألوفة، عن طريق استنتاج العلاقات المكانية بين بعض المعالِم المعروفة. فالقدرة على الربط بين معلومات ذات صلة لتشكيل أفكار جديدة يمكن أن تسهم أيضًا بدور مهم في عملية الإبداع، أو تخيُّل السيناريوهات المستقبلية.

في دراسة متابعة، شرعت بريستون في استكشاف الآلية الكامنة وراء الربط بين الذكريات، ووجدت أن الذكريات ذات الصلة يمكن أن تندمج في تمثيل واحد، خاصةً إذا كان قد تم اكتساب تلك الذكريات في وقت متقارب13. في تقارب ملحوظ، وجد سيلفا في عمله أيضًا أن الفئران تميل إلى الربط بين ذِكْرَيين تشكلتا في وقت متقارب. ففي عام 2016، لاحظت مجموعة سيلفا أنه عندما تعلمت الفئران أن تشعر بالخوف من صدمات القدم في قفص معين، بدأت تلك الحيوانات أيضًا تعبِّر عن خوفها من قفص غير مؤذٍ، كانت قد زارته قبل ذلك الحين ببضع ساعات14. أوضح الباحثون أن الخلايا العصبية التي رمّزت ذكرى واحدة ظلت أكثر قابلية للاستثارة لمدة خمس ساعات على الأقل بعد التعلّم، الأمر الذي من شأنه خلق فرصة، ربما تكوّن خلالها "إنجرام" متداخل جزئيًّا. في واقع الأمر، عندما قام أعضاء فريق سيلفا بوَسْم الخلايا العصبية النشطة، وجدوا أن كثيرًا من الخلايا قد شاركت في الذكريات الخاصة بكلا القفصين.

تشير هذه النتائج إلى بعض الآليات البيولوجية العصبية، التي تربط الذكريات الفردية بأفكار أكثر عمومية بشأن العالم. تقول جوسلين: "ذاكرتنا ليست جُزُرًا منعزلة من المعلومات، وإنما نحن - في الواقع - نبني مفاهيم، ونربط بين الأشياء التي تجمع بينها خيوط مشتركة"، لكن هذه المرونة قد تسفر عن تشكيل ذكريات زائفة، أو خاطئة؛ فقد صارت فئران سيلفا تخاف من قفص غير مؤذٍ، لأن الذكرى المرتبطة لدى تلك الحيوانات بذلك القفص تشكّلت في وقت قريب للغاية من الوقت الذي تشكّلت فيه ذكرى خوف من قفص مختلف. واستقراء تجارب فردية في مفاهيم مجردة وأفكار جديدة ينطوي على خطر فقدان بعض التفاصيل الخاصة بالذكريات الفردية. فبينما يسترجع الناس ذكريات فردية، قد تصبح هذه الذكريات مترابطة، أو مشوشة. تقول بريستون: "الذاكرة ليست ظاهرة مستقرة".

يرغب الباحثون حاليًّا في استكشاف كيف تتطور ذكريات محددة بمرور الوقت، وكيف يمكن إعادة تكوين تلك الذكريات، أو تحريفها، أو حتى إعادة إيجادها عندما تُسترجَع. ومع توفُّر القدرة على تحديد خلايا الإنجرام العصبية الفردية لدى الحيوانات، والتلاعب بها، يأمل العلماء في تعزيز نظرياتهم بشأن كيفية تخزين الخلايا للمعلومات، وعرضها، وهي نظريات طالما كان من الصعب اختبارها. تقول بريستون: "هذه النظريات قديمة وبديهية حقًّا، لكننا في الواقع لم نعرف الآليات الكامنة وراءها". ومن خلال تعيين الخلايا العصبية الفردية التي لا غنى عنها لذكريات معينة تحديدًا، يمكن للعلماء أن يدرسوا - بقَدْر أكبر من التفصيل - العمليات الخلوية التي تكتسب بواسطتها الخلايا العصبية الرئيسة المعلومات، وتسترجعها، وتفقدها. تقول جوسلين: "نعيش الآن عصرًا ذهبيًّا نوعًا ما؛ فلدينا كل هذه التكنولوجيا التي تمكِّننا من طرح بعض الأسئلة القديمة جدًّا".

References

  1. Chen, J. et al. Nature Neurosci. 20, 115–125 (2016). | article
  2. Lashley, K. S. Soc. Exp. Biol. Symp. 4, 454–482 (1950).  
  3. Han, J. H. et al. Science 323, 1492–1496 (2009). | article
  4. Zhou, Y. et al. Nature Neurosci. 12, 1438–1443 (2009). | article
  5. Liu, X. et al. Nature 484, 381–385 (2012). | article
  6. Ramirez S. et al. Science 341, 387–391 (2013). | article
  7. Denny, C. A. et al. Neuron 83, 189–201 (2014). | article
  8. Tanaka, K. Z. et al. Neuron 84, 347–354 (2014). | article
  9. Polyn, S. M., Natu, V. S., Cohen, J. D. & Norman, K. A. Science 310, 1963–1966 (2005). | article
  10. Zadbood, A., Chen, J., Leong, Y. C., Norman, K. A. & Hasson, U. Cereb. Cortex 27, 4988–5000 (2017). | article
  11. Tompary, A. & Davachi, L. Neuron 96, 228–241 (2017). | article
  12. Zeithamova, D., Dominick, A. L. & Preston, A. R. Neuron 75, 168–179 (2012). | article
  13. Zeithamova, D. & Preston, A. R. J. Cogn. Neurosci. 29, 1311–1323 (2017). | article
  14. Cai, D. J. et al. Nature 534, 115–118 (2016). | article

هيلين شين صحفية علمية، تقيم في سانيفيل بولاية كاليفورنيا.