أنباء وآراء

التكنولوجيا الحيوية: تتبُّع ميكروبات الأمعاء بالموجات فوق الصوتية

من الصعب مراقبة الميكروبات التي تعيش في أعماق الأمعاء، إلا أن تصميم بكتيريا تعبِّر عن بِنى يمكن تعقُّبها بالموجات فوق الصوتية قد يقدم طريقة مناسبة لمعرفة موقع هذه الخلايا داخل الجسم الحي، كما قد تكون لها فوائد إكلينيكية.

ريكارد سوليه، ونوريا كوندي بوييو
  • Published online:

يوجد نظام بيئي ميكروبي بداخلك، يشبه في مدى غِناه وتعقيده الغابات المطيرة. هذا النظام البيئي – مثله مثل الغابات المطيرة - يحوي عوالم لا يمكن الوصول إليها، وعادة ما تكون مخفية عن الأنظار. تواجهنا مشكلة كبيرة عند محاولتنا مراقبة الأمعاء الحية، تتمثل في أنّ تقنيات التصوير بالضوء لا تصل إلا إلى عمقٍ محدود تحت السطح، إلا أنه في بحث نُشر مؤخرًا بدورية Nature، أشار بوردو وزملاؤه1 إلى تصميمهم نهجًا يَستخدِم الموجات فوق الصوتية؛ لاستكشاف هذا العالم الداخلي، حيث استخدموه لرسم خريطةٍ لمواقع تجمُّعات معيّنة من الخلايا الميكروبية داخل الجسم الحي. وهناك أساليب طبية - سواء المستخدَمة حاليًّا، أم التي قيد التطوير - تطرح الخلايا البكتيرية كوسيلة علاجية لأمراض الأمعاء، أو السرطان. ولذا، من الممكن ضبط تقنية الموجات فوق الصوتية تلك، لاستخدامها إكلينيكيًّا؛ من أجل تحديد ما إذا كانت هذه الخلايا قد وصلت إلى الموقع المستهدَف، أم لا.

ظلّت المجتمعات الميكروبيّة تتطوّر جنبًا إلى جنب مع البشر لملايين السنين2. وتُظهِر هذه المجتمعات في هيكلها خِصالًا تنظيمية مكانية وزمانية واضحة. يتكوَّن هذا النظام البيئي الطبيعي عند الولادة، ويتطوَّر ويستجيب للاضطرابات ومصادر الإجهاد المختلفة، وقد ينهار أحيانًا، إلا أنه ظلّ من الصعب التعرف على قوانين الحياة في عمق الأمعاء، ونقاط ضعفها، بل إنّ بعض أفضل التقنيات الموجودة لتصوير الجسم الكامل لا تكشف إلا الهياكل الموجودة في أعماق لا تتجاوز بضع سنتيمترات فقط تحت السطح4,3 .

لذا يقدم بوردو وزملاؤه حلًّا مبتكرًا لهذه المشكلة. فحتى اليوم، يُستخدم التصوير بالموجات فوق الصوتية - في الأساس - لدراسة الأنسجة، إلا أن الباحثين كشفوا أنه يمكن استخدامه بكفاءة أيضًا لتتبُّع تجمُّعات معيَّنة من الخلايا البكتيرية المُهَنْدَسَة وراثيًّا؛ للتعبير عمّا سمّاه الباحثون "جينات مُبَلِّغَة صوتيّة". تُشَفِّر هذه الجينات مكوِّنات بِنى داخل خلويّة مغلَّفة بالبروتين ومملوءة بالغاز، وتُسمَّى حويصلات غازيّة، وهي موجودة طبيعيًّا في العديد من الكائنات الدقيقة، حيث تتحكَّم في قدرة هذه الكائنات على الطفو في البيئات المائيّة5.

تشمل عملية الكشف بالموجات فوق الصوتية توجيه نبضات من الموجات الصوتية تجاه عيِّنة، ومراقبة الصدى المنعكس، الذي يتأثّر باختلافات كثافة المواد التي يمر الصوت خلالها. تشتِّت الحويصلات الغازية موجات الصوت، وبهذا يمكن مراقبة الكائنات التي تحتوي على هذه الحويصلات باستخدام الموجات فوق الصوتيّة6. كما تتسبب النبضات الضاغطة فوق مستوى معيَّن في انهيار الحويصلات، وبالتالي يمكن الاستدلال على أن اختفاء الإشارات فوق الصوتية بعد توجيه تلك النبضات قد نشأ بسبب وجود حويصلات غازيّة6، وهو أسلوب يمكن استخدامه لتحسين رصد الإشارات فيما فوق مستويات إشارات الخلفيّة (الشكل 1).

الشكل 1 | استخدام الموجات فوق الصوتية لمراقبة ديناميكيات التجمعات الخلوية مكانيًّا وزمانيًّا داخل الجسم الحي.

الشكل 1 | استخدام الموجات فوق الصوتية لمراقبة ديناميكيات التجمعات الخلوية مكانيًّا وزمانيًّا داخل الجسم الحي.أ: قام بوردو وزملاؤه1 بتعديل البكتيريا بالهندسة الوراثية، لتعبِّر عما يسمونه جينات الاستجابة الصوتية (ARG)، التي تشفِّر مكوِّنات بِنى مفرغة تُسمَّى حويصلات غازية، تشتِّت الموجات الصوتيّة، وتولِّد صدى يمكن رصده بالموجات فوق الصوتية. يؤدي استخدام نبضات ضاغطة إلى انهيار الحويصلات الغازية، واختفاء الإشارات فوق الصوتية، ما يمكن استخدامه لتحسين رصد الإشارات عند تتبُّع موقع الخلايا المحتوية على حويصلات غازية. تتيح هذه التقنية مراقبة التجمعات الخلويّة الكامنة في أمعاء الفئران الحية، التي لا يمكن تتبُّعها بالمجهر الضوئي. ب: قام الباحثون بهندسة نوعين من الحويصلات الغازية (تظهر هنا باللون الأحمر والأزرق)، تنهار عند مستويات مختلفة من النبضات الضاغطة، ما يتيح تمييز الخلايا المحتوية على هذه الحويصلات من بعضها البعض باستخدام الموجات فوق الصوتية. ومن التطبيقات المحتمَلة لهذا البحث إدخال سلالتين مختلفتين من البكتيريا، تحتوي كل منهما على نوع واحد من هذه الحويصلات إلى فأر تجارب. وسيتيح ذلك المراقبة الزمنية والمكانية غير الباضعة داخل الجسم الحي لديناميكيات مجموعتين مختلفتين من البكتيريا في الأمعاء، في مناطق معينة، مثل: الأمعاء الدقيقة، أو القولون.

الشكل 1 | استخدام الموجات فوق الصوتية لمراقبة ديناميكيات التجمعات الخلوية مكانيًّا وزمانيًّا داخل الجسم الحي.أ: قام بوردو وزملاؤه1 بتعديل البكتيريا بالهندسة الوراثية، لتعبِّر عما يسمونه جينات الاستجابة الصوتية (ARG)، التي تشفِّر مكوِّنات بِنى مفرغة تُسمَّى حويصلات غازية، تشتِّت الموجات الصوتيّة، وتولِّد صدى يمكن رصده بالموجات فوق الصوتية. يؤدي استخدام نبضات ضاغطة إلى انهيار الحويصلات الغازية، واختفاء الإشارات فوق الصوتية، ما يمكن استخدامه لتحسين رصد الإشارات عند تتبُّع موقع الخلايا المحتوية على حويصلات غازية. تتيح هذه التقنية مراقبة التجمعات الخلويّة الكامنة في أمعاء الفئران الحية، التي لا يمكن تتبُّعها بالمجهر الضوئي. ب: قام الباحثون بهندسة نوعين من الحويصلات الغازية (تظهر هنا باللون الأحمر والأزرق)، تنهار عند مستويات مختلفة من النبضات الضاغطة، ما يتيح تمييز الخلايا المحتوية على هذه الحويصلات من بعضها البعض باستخدام الموجات فوق الصوتية. ومن التطبيقات المحتمَلة لهذا البحث إدخال سلالتين مختلفتين من البكتيريا، تحتوي كل منهما على نوع واحد من هذه الحويصلات إلى فأر تجارب. وسيتيح ذلك المراقبة الزمنية والمكانية غير الباضعة داخل الجسم الحي لديناميكيات مجموعتين مختلفتين من البكتيريا في الأمعاء، في مناطق معينة، مثل: الأمعاء الدقيقة، أو القولون.

كبر الصورة

ولم يكن قد سبق إجراء أي اختبارات لمعرفة ما إذا كانت الخلايا التي لا تُنتِج حويصلات غازية بشكل طبيعي يمكن تعديلها بالهندسة الوراثية لتتمكن من ذلك، أم لا، ما يسمح بمراقبة هذه الخلايا باستخدام الموجات فوق الصوتية. لذا قام بوردو وزملاؤه بهندسة أنواع من الكائنات الدقيقة، يجري استخدامها أو تطويرها حاليًّا كوسائل علاجيّة؛ لتعبِّر عن مكوِّنات الحويصلات الغازية. أحد تلك الميكروبات بمثابة سُلالة غير مُمْرِضة من بكتيريا Escherichia coli، تُعطى لبعض المصابين بعدوى في الأمعاء7. وهناك نوع آخر من البكتيريا، هو Salmonella enterica Typhimurium، قادر على غزو الأورام. وتتمّ حاليًّا دراسة نماذج لفئران، لغزو الأورام بهذا النوع من البكتيريا؛ لمعرفة إمكانيّة استخدامها في تصميم عقاقير قاتلة للأورام9,8.

ومن ثم، قام الباحثون بإدخال بكتيريا مهندَسة - تعبِّر عن الحويصلات الغازية - إلى أمعاء الفئران، وأظهروا أن تقنيّة التصوير بالموجات فوق الصوتية تعمل بكفاءة، حتى على التجمعات الخلوية المخففة بدرجة عالية، حيث أمكن التقاط إشارات لخلايا E. coli بتركيز 5 × 710 خلية لكل ملِّيمتر. كما أوضح الباحثون أيضًا أنه بإمكانهم هندسة سلالات بكتيرية، تُوَلِّد إشارات فوق صوتية متميِّزة؛ ما يتيح مراقبة مجتمَعَين مختلفين من البكتيريا في الوقت نفسه، باستخدام سلالات تحتوي على حويصلات غازية، تنهار عند مستويات مختلفة من النبضات الضاغطة.

وقارن الباحثون بين قدرتهم على مراقبة موقع البكتيريا المُهَنْدسة بالموجات فوق الصوتيّة، وبتقنية أخرى تتعقب البكتيريا التي تعبِّر عن جزيء مشع للضوء، باستخدام سلالات تعيش في منطقة داخلية عميقة في الأمعاء، يصعب تصويرها بالأساليب البصرية.. فتفوَّقت تقنية الموجات فوق الصوتية على نظيرتها الضوئيّة، حيث أظهرت الإشارات فوق الصوتية النابعة من البكتيريا المهندَسة درجةً عالية من الدقّة المكانية، ووصلت إلى مناطق عميقة، لم يكن تصويرها ممكنًا بالتقنيّة المبنية على الضوء. وباستخدام الموجات فوق الصوتية، وجد الباحثون بكتيريا تغطي سطح القولون، وموجودة بتركيزات خلوية مماثلة للتركيزات المستخدَمة في الوسائل العلاجيّة.

ويمكن لأنظمة التصوير داخل الجسم الحي، التي تتيح المراقَبة الآنية للبكتيريا المضيئة المخترقة للأورام، أن تراقب بشكل فعال الأورام المرتبطة بالبكتيريا، الموجودة تحت الجلد مباشرة في الفئران10,9، إلا أنها أقل نفعًا في مراقبة الأعضاء الأعمق. أما تقنية الموجات فوق الصوتية، التي أتى بها بوردو وزملاؤه، فتقدم صورًا جيدة للسلالات المهندَسة من بكتيريا S. enterica Typhimurium، التي تكمن في عمق ورمٍ داخلي (من سرطان المبيض الغدي) في فأر، تطوّر من خلايا بشرية منقولة من سرطان المبيض.

قد تفيد تقنيّة الموجات فوق الصوتية تلك في تأكيد فعالية الأساليب التي تستخدم الخلايا البكتيرية المهندَسة لاستهداف الأورام، وضبطها حسب الحاجة. ويعتبر التصوير داخل الجسم الحي جزءًا مهمًّا من عملية تقييم هذه العلاجات في النماذج الحيوانية، بما في ذلك تحديد الجرعة الصحيحة، وتقدير زمن الاستجابة للعلاج. وحتى في مستوى إثبات المبدأ هذا، فإن هناك احتمالًا كبيرًا لاستخدام هذه الوسيلة غير الباضعة لمراقبة تأثير علاج السرطان بالبكتيريا في أحد المصابين بمرور الوقت. وقد يقدم هذا البحث أداة مناسبة لتحسين أداء علاجاتٍ ووسائل تشخيصية أخرى قيد التطوير، يُستخدَم فيها نهج حيوي تخليقي لهندسة الخلايا؛ لتتخذ مسارات بيولوجية ليست موجودة بشكل طبيعي في نوع معيَّن من الخلايا11.

وإضافة إلى ذلك، يمكن استخدام تقنية تصوير صوتي أخرى، تُسمّى "التصوير الصوتي الضوئي" كمُكمِّل لعمل بوردو وزملائه. في هذه التقنية تستثير نبضات ضوئية أو نبضات بتردد راديوي إحداث توسُّع حراري للأنسجة المستهدَفة، يولِّد موجات صوتية12. وقد يتيح دمج التصوير الصوتي الضوئي في التقنية التي طورها الباحثون إمكانية تحديد موقع البكتيريا بدقة، إلى جانب معلوماتٍ مفصَّلة عن الأنسجة المحيطة داخل الجسم الحي.

كما يمكن تصوّر إمكانية ابتكار امتدادات أخرى وتطبيقات لعمل بوردو وزملائه. فمثلًا، يمكن تصميم مجموعات من البكتيريا المُهَنْدَسَة14,13لإنتاج إشارة فوق صوتية، كردّ فعلٍ لمجموعة محددة من الظروف الفسيولوجية والبيئية المختلفة في الأمعاء. كما أن الخلايا البكتيريّة المُهَنْدَسَة عند استجابتها للتفاعل مع خلايا الأمعاء قد تساعد على تتبُّع الجغرافيا الحيوية الوظيفية للأمعاء. والقدرة على التحكم الانتقائي في تعبير جينات الاستجابة الصوتية قد تفيد في تصميم تجارب لمراقبة كيفية استعمار البكتيريا المستجدَّة للأمعاء، أو مراقبة تدمير المُمْرِضات البكتيرية عبر المكان والزمان في أثناء العلاج.

وربما يمكن أيضًا استخدام هذه التقنية الجديدة لدراسة أنظمة أخرى فيما هو أبعد من نطاق الجسم، كالأنظمة البيئية الميكروبية مثلًا في مواطنها السليمة أو التالفة في التربة. فقد تحوي التربة بيئة ميكروبية غنية، وما زالت البيئة المكانيّة لميكروبات التربة غير مفهومة تمامًا15، كما أن تصوُّر تشارلز داروين عن وجود "مجموعة متشابكة" تضم تفاعلات معقَّدة بين الكائنات يتناسب مع كلٍّ من الشبكات البيئية في التربة، والقَدْر العالي من التعقيد الموجود في التفاعلات الخلوية في الأمعاء. ولذلك فإن هناك حاجة إلى وجود أدوات فحصٍ مرنة؛ من أجل فهْم البيئات من هذا النوع. وربما تكون الدراسات المستقبلية المبنية على أساس بحث بوردو وزملائه لتقديم تصوير دقيق صوتي للديناميكيات المكانيّة للخلايا خطوة مهمّة إلى الأمام.

References

  1. Bourdeau, R. W. et al. Nature 553, 86–90 (2018).| article
  2. Walter, J. & Ley, R. Annu. Rev. Microbiol. 65,411–429 (2011). | article
  3. Berlec, A., Završnik, J., Butinar, M., Turk, B. &Štrukelj, B. Microb. Cell Fact. 14, 181 (2015). | article
  4. Hong, G., Antaris, A. L. & Dai, H. Nature Biomed. Eng.1, 0010 (2017). | article
  5. Walsby, A. E. Microbiol. Rev. 58, 94–144 (1994). 
  6. Shapiro, M. G. et al. Nature Nanotechnol. 9,311–316 (2014). | article
  7. Sonnenborn, U. & Schulze, J. Microb. Ecol. HealthDis. 21, 122–158 (2009). | article
  8. Din, M. O. et al. Nature 536, 81–85 (2016). | article
  9. Danino, T., Lo, J., Prindle, A., Hasty, J. & Bhatia, S. N.ACS Synth. Biol. 1, 465–470 (2012). | article
  10. Weissleder, R. Nature Rev. Cancer 2, 11–18 (2002). | article
  11. Weber, W. & Fussenegger, M. Nature Rev. Genet. 13,21–35 (2012). | article
  12. Xu, M. & Wang, L. V. Rev. Sci. Instrum. 77, 041101(2006). | article
  13. Brenner, K., You, L. & Arnold, F. H. Trends Biotechnol.26, 483–489 (2008). | article
  14. Macía, J., Posas, F. & Solé, R. V. Trends Biotechnol.30, 342–349 (2012). | article
  15. Ettema, C. H. & Wardle, D. A. Trends Ecol. Evol. 17,177–183 (2002). | article

ريكارد سوليه، ونوريا كوندي بوييو يعملان في مؤسسة ICREA، التابعة لجامعة بومبيو فابرا، 08003 برشلونة، إسبانيا. ريكارد سوليه يعمل أيضًا بمؤسسة سانتا في، سانتا في، نيو مكسيكو، الولايات المتحدة الأمريكية.

البريد الإلكتروني: ricard.sole@upf.edu; nuria.conde@upf.edu