تحقيق إخباري

صعود وأفول نجم شركة «23 آند مِي» ثم صعوده مجددًا

كيف نجحَتْ آن وجسيكي في إنقاذ الشركة الناشئة من حافة الانهيار، والوصول بها إلى التفوق العلميّ.

إيريكا تشيك هايدن
  • Published online:
أسست آن وجسيكي شركة 23 آند مِي، المتخصصة في المعلومات الوراثية الموجهة للمستهلك في عام 2006، وتهدف إلى توسيع قاعدة عملاء الشركة؛ لتبلغ 10 ملايين عميل.

أسست آن وجسيكي شركة 23 آند مِي، المتخصصة في المعلومات الوراثية الموجهة للمستهلك في عام 2006، وتهدف إلى توسيع قاعدة عملاء الشركة؛ لتبلغ 10 ملايين عميل.

Gabriela Hasbun for Nature

توجد في مكتب آن وجسيكي لافتة تجسّد التوجه الذي قادت به شركتها، «23 آند مِي»، نحو الهاوية. تحمل هذه اللافتة الصغيرة المكسوة بالخشب، التي وُضِعت وراء دمية لوحيد القرن عبارة: "أنا الرئيسة التنفيذية، يا حقير".

بهذه الصفاقة بدأت وجسيكي رحلةً استهدفت إحداث ثورة في صناعة الرعاية الصحية في عام 2006، فكانت تسعى إلى إتاحة تحليلات الحمض النوويّ المتطورة للعملاء بمَنْحهم معلومات عن الصحة، والمرض، والنَّسَب، والسماح للشركة ببيع إمكانية الوصول إلى البيانات الوراثية؛ لإمداد الأبحاث بها، إلا أن هذه الرؤية واجهت العراقيل في عام 2013؛ إذ لم يكن يخطر ببال وجسيكي أنه يلزمها الحصول على موافقة من الجهات التنظيمية، لتوفير معلومات عن المخاطر الصحية التي يواجهها عملاؤها. فقد رفضت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية هذا الأمر، وأمرت الشركة بالتوقف.

حَفَّز رد فعل إدارة الغذاء والدواء الشركةَ على مراجعة نفسها، ووضع استراتيجيات بشأن كيفية تغيير توجّهها في العمل مع الجهات التنظيمية. وفي هذا الصدد، تقول وجسيكي: "في مرحلة ما، يقبل المرء فكرة خضوعه للوائح التنظيمية، وأنه ما مِن حلّ سريع يمكن الوصول إليه بين عشية وضحاها في وادي السيليكون".

بعد سنوات، تَكَلَّل جهد الشركة بالنجاح في إبريل عام 2017، حين وافقت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية على السماح لها بإخبار عملائها بمخاطر إصابتهم بعشر حالات مرضية، من بينها مرض باركنسون، والظهور المتأخر لمرض ألزهايمر. وفي ظل تلك الموجة من الأخبار الإيجابية، أطلقت الشركة منذ ذلك الحين حملة إعلانية؛ لتوسيع قاعدة عملائها على نحو هائل، لتبلغ 10 ملايين عميل.

لقد كانت «23 آند مِي» دائمًا الشركة الأبرز في توفير الاختبارات الوراثية الموجَّهة مباشرة إلى المستهلك، وهي الآن تتمتع بقوة أكبر من أي وقت مضى. ففي سبتمبر من عام 2017، أعلنت الشركة أنها جمعت 250 مليون دولار أمريكيّ، وهو ما يفوق مجموع الأموال التي جمعتها الشركة منذ إنشائها. ويُقدِّر المستثمرون أن قيمتها تزيد على مليار دولار، ما يجعلها من الشركات "وحيدة القرن" بلغة وادي السيليكون (وهو اللفظ الذي يطلقونه على الشركات الناشئة التي تتعدى قيمتها المليار دولار)؛ أي أنها نادرة ونفيسة. لكنْ في نظر العلماء، تَكْمُن القيمة الحقيقية لشركة «23 آند مِي» في بياناتها. ففي ظل قاعدة عملائها التي تضم أكثر من مليوني عميل، تمتلك الشركة حتى الآن أكبر مجموعة من البيانات الصحية المرتبطة بالجينات، مقارنة بأي مكان آخر. هذا، فضلًا عن أنها قدّمت 80 منشورًا، ووقّعت أكثر من 20 شراكة مع شركات الأدوية، ودشنت قِسمًا علاجيًّا خاصًّا بها.

وفي هذا الصدد، يقول يوان آشلي، وهو طبيب قلب في جامعة ستانفورد بولاية كاليفورنيا: "لقد تدرجت الشركة بهدوء، حتى صارت أكبر جهة لدراسة الوراثة شهدها العالم".

هذا، ولكنْ كلما تطورت الشركة، واجهت مصاعب جديدة. ولذلك، تَعَيَّن عليها الحفاظ على ثقة عملائها، وتحدي منافسيها، وإثبات قدرتها على الاستفادة من البيانات الوراثية في تصنيع أدوية جديدة؛ وهو هدف لطالما اشتهر بصعوبته البالغة. ولا يزال الطريق طويل أمام شركة «23 آند مِي» مع إدارة الغذاء والدواء، التي لن تسمح بإطلاع العملاء على العديد من النتائج الوراثية ذات الصلة المباشرة بالصحة البشرية، مثل تلك المتعلقة بجينات BRCA

كما أن وجسيكي لا ترتدع، فهي تقول عن نفسها: "إنني عنيدة جدًّا".

الإلمام بالصورة الكاملة

يوحي مقر 23 آند مِي - الواقع في مدينة ماونتن فيو بولاية كاليفورنيا - بأن الشركة ناشئة، الأمر الذي يناقض حقيقة امتداد تاريخها إلى أحد عشر عامًا مضت. وتتراقص في ذلك المقر البالونات الوردية والخضراء - المصنَّعة من مادة الفويل - على المكاتب؛ للاحتفاء بالذكرى السنوية لعمل الموظفين. ويمتلئ المطبخ الصغير بوجبات خفيفة صحية، بينما تصطف صور فوتوغرافية لجميع الموظفين على جدار الكافتيريا المجانية، ومكتوب على كل صورة معلومة طريفة عن صاحب الصورة، مثل "مشروبها المفضل هو الشاي الأخضر"، و"فاز ذات مرة بمسابقة "الغناء بتزامن الشفاة" لإحدى أغاني فرقة "نيو كيدز أون دا بلوك". وتوضح الصور المرتبة حسب انضمام الموظفين إلى الشركة المكانَ الملائم للجميع.

"تدرجت الشركة بهدوء، حتى صارت أكبر جهة لدراسة الوراثة شهدها العالم".

تخص الصورة الأولى بالطبع وجسيكي، التي ترعرعت في حرم جامعة ستانفورد كابنة لمعلمة وأستاذ في الفيزياء. تخصصت وجسيكي في علم الأحياء في جامعة ييل في نيو هيفن بولاية كونيتيكت، حيث مارست رياضة هوكي الجليد (ولا تزال مولعة بمزاولة الرياضة؛ إذ توجد في الغالب الدراجة التي تستقلها إلى العمل في بهو شركة 23 آند مِي).

عقب تخرجها في عام 1996، عملت وجسيكي في شركات استثمارية، وصناديق تحوُّط، حيث اضطلعت بتحليل مشروعات رعاية صحية. وانتهى بها المطاف إلى الاستياء من تحفيز المجال لتطوير منتجات وخدمات باهظة الثمن، تحقق أقصى قدر من المدفوعات التأمينية، بدلًا من العلاجات والأجهزة التي يستطيع المستهلكون تحمُّل ثمنها وحدهم.

أسست وجسيكي شركة 23 آند مِي في عام 2006، بالاشتراك مع ليندا أفي، وبول كوسنزا؛ بهدف إحداث ثورة في النماذج التقليدية للرعاية الصحية. وفي العام التالي، تلقّت الشركة مبلغ 8.95 مليون دولار من عدد من كبار المستثمرين، ومِن بينهم شركة التكنولوجيا الحيوية الكبرى جنينتيك في جنوب سان فرانسيسكو، وشركة جوجل، التي كان أحد مؤسسيها، وهو سيرجي برين، متزوجًا من وجسيكي من عام 2007 إلى 2015.

استهدفت وجسيكي اجتذاب ملايين العملاء، عن طريق بيع اختبار زهيد التكلفة، يكشف عن الميول الوراثية لعشرات السمات، ويوضح مخاطر الإصابة بالأمراض، وكذلك النزعة الوراثية المرتبطة بالصلع، والسمنة، وسمات أخرى غير مهمة، مثل قوام شمع الأذن. أرادت وجسيكي أن تجعل من مسألة الجينوم أمرًا ممتعًا وجذابًا؛ لاستقطاب العملاء، فاستضافت حفلات "بصق" للمشاهير؛ لتُطلِع مَن يصنعون التوجهات السائدة على منتجاتها، وتثير اهتمام وسائل الإعلام. فبعد الخضوع لأحد اختبارات الشركة، عبّرت إيفانكا ترامب عن سعادتها بأن فرص إصابتها بالسمنة بفعل العوامل الوراثية ضئيلة للغاية. وبعد اجتياح الاختبارات للسوق في أواخر عام 2007، أُشيد بوجسيكي، وأفي، بوصفهما صاحبتَي رؤية (كان كوسنزا قد ترك الشركة في عام 2007، ثم لحقت به أفي في عام 2009).

كبر الصورة

Source: Credence Research; Grand View Research

وفي الوقت نفسه، ساورت الشكوك العلماء؛ فتاريخ الأسرة كان - ولا يزال - مؤشرًا أفضل من الجينات للتنبؤ بخطر الإصابة بمعظم الأمراض. يقول هانك جريلي، المحامي وأخصائي الأخلاق في جامعة ستانفورد، الذي يوجه انتقادات للشركة منذ فترة طويلة: "تتزايد الأدلة قوة على ضآلة أو انعدام فوائد الاختبارات الموجهة مباشرة للمستهلكين فيما يخص هذه الأنواع من دواعي الاستخدام".

ثارت الشكوك كذلك حول خطة شركة 23 آند مِي لبيع بيانات العملاء؛ للمساعدة على تطوير الأدوية؛ إذ لطالما كانت الشركات تحاول التنقيب عن البيانات الوراثية لتصميم العقاقير لمدة تزيد على العشر سنوات على الأقل، ولم تسفر تلك الجهود سوى عن نجاحات محدودة. ومن الأمثلة على ذلك، شركة ديكود جيناتيكس، التي تأسست في ريكيافيك في عام 1996، واستخدمت ما يقرب من نصف السكان البالغين في آيسلندا في دراسة وراثية. فعلى الرغم من أن بحث الشركة وفر معلومات عن الآليات الوراثية للمرض، فإنه لم يثمر عن أي عقار حتى الآن.

بيد أن شكوك العلماء لم تُثنِ مئات الآلاف من العملاء عن الاشتراك في 23 آند مِي، ولم تمنع المستثمرين من ضخّ 118 مليون دولار في الشركة في السنوات الخمس الأولى من عمرها. إلا أن ثمة مشكلة لاحت في الأفق؛ ففي عام 2009، بدأت إدارة الغذاء والدواء تطالب الشركة بإثبات أن منتجاتها تعمل وفقًا للإعلانات، وأنها لا تضر بالعملاء، حيث كانت الإدارة متوجسة من اتخاذ الناس تدابير طبية مهمة، بناءً على نتائج اختباراتهم، مثل قرار تغيير جرعات الأدوية التي يحصلون عليها، دون استشارة طبيب، أو إجراء عملية جراحية بلا داع، مثل استئصال الثدي، أو العلاج بناءً على نتائج زائفة تفيد بوجود أمراض ما. ومن ثم، طلبت الجهات التنظيمية ما يثبت دقة الاختبارات وفَهْم العملاء لما تشير إليه تلك النتائج.

كانت السنوات التالية عصيبة على «23 آند مِي»؛ إذ تواصلت الشركة مع إدارة الغذاء والدواء مرّات قليلة، ووعدت في يناير 2013 بتجهيز البيانات. وأفادت إدارة الغذاء والدواء أن الشركة انقطعت عن التواصل مع الجهات التنظيمية انقطاعًا تامًا في شهر مايو، حتى في الوقت الذي دشّنت فيه حملة إعلانية جديدة. وبعد أن فاض الكيل بالإدارة، أرسلت إلى وجسيكي رسالة تحذير شديدة اللهجة بتاريخ 22 نوفمبر 2013، مُطَالِبةً شركتها بوقف تسويق منتجها.

لكن كان هذا مسمارًا دقته الشركة في نعشها. وفي هذا الصدد، يعلِّق ريتشارد شيلر، الذي كان مسؤولًا تنفيذيًّا في جنينتيك حينذاك، قائلًا: "كان هناك نوع من الغطرسة"، وعليه، أُجبرت 23 آند مِي على تعليق العروض المقدَّمة للعملاء؛ ما هَدَّد قدرتها على الاستمرار.

أصاب وجسيكي الذهول، حيث تقول: "صار من الواضح أنهم شعروا بالاستياء منا. لم أكن أدرك أننا فعلنا أشياء كثيرة جعلتهم يغضبون بهذا الشكل".

عودة إلى المسار الصحيح

لم يمض وقت طويل على وصول رسالة إدارة الغذاء والدواء، حتى اتصلت وجسيكي بالمحامية كاثي هيبز، التي كانت تعمل آنذاك في شركة جينوميك هيلث، وهي شركة لاختبار الجينات، توجد في مدينة ريدوود سيتي القريبة بولاية كاليفورنيا.

سألت وجسيكي هيبز: "هل يمكنني استعادة شركتي بالكامل في غضون سنة واحدة؟"، فأجابتها هيبز: "يمكنك استعادتها، لكن الأمر سيستغرق سنوات". ونصحت لوجسيكي أنها لكي تصل إلى ذلك، يلزم عليها التعاون مع الجهات التنظيمية.

كانت التسوية صعبة على لوجسيكي؛ إذ لم يخطر ببالها أن إدارة الغذاء والدواء قد تكون قادرة على منع العملاء من معرفة المعلومات الوراثية الخاصة بهم، لكن هيبز وغيرها أقنعوا لوجسيكي بأن الرضوخ لمطالب إدارة الغذاء والدواء هو أسرع وسيلة لإنقاذ شركتها.

إن فكرة تطوير العقاقير، بناءً على علم الوراثة، ليست بسيطة كما يتمنى الكثيرون منا".

تقول وجسيكي: "الأمر أشبه بالدخول في علاقة؛ فثمة أشياء قد لا تتفق معها، لكنك مضطر إلى فعلها". عيّنت وجسيكي هيبز، التي شرعت في جمع الأدلة؛ للرد على مخاوف إدارة الغذاء والدواء، ما مثّل مهمة صعبة بسبب النزاعات التي دارت بين الإدارة والشركة بشأن عدة مسائل على مدار سنوات. وبحلول نهاية عام 2014، شعرت هيبز بأن الشركة جاهزة، ومن ثم طلبت من إدارة الغذاء والدواء اعتماد اختبار واحد يهدف إلى إعلام العملاء باحتمال وراثة أطفالهم لخطر الإصابة الوراثيّ بمرض متلازمة بلوم.

اعتمدت إدارة الغذاء والدواء الاختبار في فبراير 2015. ولم يحقق الخبر ضجة كبيرة؛ فمتلازمة بلوم اضطراب نادر جدًّا، يصيب شخصًا واحدًا تقريبًا من بين كل 50 ألف شخص من ذوي الأصول اليهودية الأشكنازية. على أن شركة «23 آند مِي» أصبحت أول شركة معتمَدة لتسويق اختبار وراثيّ لأحد الأمراض بصورة مباشِرة للمستهلكين في الولايات المتحدة، على الرغم من أنها كانت تطرح الاختبار بالفعل في الخارج.

وحتى بعد قرار إدارة الغذاء والدواء، الصادر في إبريل 2017، لا تزال 23 آند مِي ممنوعة من إطلاع العملاء على الكثير من المعلومات المتاحة، مثل ما إذا كانوا يحملون متغيرات جينية تزيد من خطر تعرُّضهم لبعض أنواع السرطان، أو تتنبأ بمدى فعالية بعض الأدوية. فقَبْل الحظر الذي فرضته الإدارة، كانت 23 آند مِي تقدِّم معلومات عن مئات الحالات الصحية.

يرى جريلي أن تلك القيود مبررة؛ فثمة أدلة قوية جدًّا على أن المتغيرات الجينية تسبب الحالات العشر المذكورة في موافقة إدارة الغذاء والدواء، الصادرة في إبريل، إلا أن القيمة التنبؤية أضعف بكثير فيما يخص المتغيرات المرتبطة بالغالبية العظمى من الحالات الصحية الشائعة التي تود 23 آند مِي إطلاع عملاءها عليها.

مسارات الاكتشاف

حتى مع تعرض الشركة لمعارضة إدارة الغذاء والدواء، فإنها كانت تسعى لتطوير عقاقير. وكان أحد العناصر الأساسية لهذه الخطة تعيين شيلر في الشركة. فقد راسلته وجسيكي بالبريد الإلكترونيّ في اليوم الذي أعلن فيه تقاعده من شركة «جنينتيك» في ديسمبر 2014. وبعد أربعة أشهر، وصل شيلر إلى مدينة ماونتن فيو، لبدء مجموعة العلاج التابعة لشركة 23 آند مِي؛ و بحلول شهر يوليو كانت وجسيكي قد جمعت 115 مليون دولار إضافية من المستثمرين.

لم ينجذب شيلر إلى حجم قاعدة بيانات 23 آند مِي فحسب، وإنما أيضًا إلى ثرائها، فكل عميل كان يجيب على 300 سؤال في المتوسط حول مجموعة ضخمة من السمات، بما في ذلك تاريخهم الطبيّ. ويتيح ذلك لفريق شيلر محاولة اتباع نهج مختلف في تطوير العقاقير القائمة على الجينات.

كانت الطريقة المعتادة هي دراسة الارتباط على نطاق الجينوم (GWAS)، التي يجمع فيها العلماءُ الأشخاصَ الذين يشتركون في مرض أو سمة ما، ثم يبحثون عن المتغيرات الوراثية التي يبدو أنها تسهم في ذلك المرض، أو السمة، لكن فريق شيلر يمكنه فعل العكس؛ فهم يبدأون بجين معين تستهدفه العقاقير المعروفة، ثم يبحثون عن الأمراض أو السمات الصحية – الأنماط الظاهرية - التي ترتبط بشكل أقوى بالمتغيرات المختلفة في الجين. وفي هذا الصدد، يقول شيلر: "كل ما فعلناه هو أننا تركنا قاعدة البيانات تخبرنا بما ينبغي أن نركز عليه".

يُسمَّى هذا النوع من الدراسات دراسة الارتباط على نطاق الأنماط الظاهرية (PheWAS). ويُطْلِق عليه إريك كارير - مدير اكتشاف العقاقير - وصف "الخلطة السرية" للشركة. فتأمل شركة 23 آند مِي في الإسراع من اكتشاف العقاقير، عن طريق تمكين العلماء من تحديد مستهدفات العقاقير المهمة في علم الأحياء البشرية، التي يمكن أن تستهدفها العقاقير التي يقل احتمال أن تكون مصحوبة بآثار جانبية.

ولمعرفة جدوى ذلك، درَس عالِم الأحياء الحاسوبية فاه ساثيرابونجساسوتي إمكانية تنبؤ البيانات الوراثية والصحية التي لدى شركة 23 آند مِي بنجاح العقاقير التي تم تطويرها على مدار العقود القليلة الماضية. واستعرض ساثيرابونجساسوتي قاعدة بيانات تضم آلاف المركبات الدوائية، بعضها مصرح بتداوله من الجهات التنظيمية.

جمع ساثيرابونجساسوتي قائمة بجميع الجينات التي تُشفِّر البروتينات المستهدفة من الأدوية في قاعدة البيانات المذكورة، وقارنها بالاختلافات في هذه الجينات بين عملاء شركة 23 آند مِي، مع إجراء فحص لمعرفة الحالات الطبية التي أُبلِغت بها الشركة. وقد ساعدت هذه العملية على التحقق من صحة الأساس الجينيّ لبعض العقاقير لدى البشر بطريقة تعجز عنها دراسات الفئران وغيرها من البحوث قبل الإكلينيكية الأخرى في كثير من الأحيان. وتوصّل ساثيرابونجساسوتي أيضًا إلى وجود حالات، تنبأت فيها بيانات العملاء لدى 23 آند مِي على نحو صحيح بالآثار الجانبية لعقاقير معتمدة.

وتمكّنت البيانات من التنبؤ بالعقاقير المعتمدة لبعض الحالات التي قد تحقِّق نتائج أفضل في حالات أخرى. على سبيل المثال، كانت "طرطرات الأيزوفاجومين" مخصصة في الأساس لعلاج مرض جوشيه، وهو اضطراب وراثيّ نادر، لكن استخدامها توقف بعد تجربة إكلينيكية فاشلة في عام 2009. وتشير بيانات ساثيرابونجساسوتي إلى أن هذا الدواء قد يؤثر أيضًا على العمليات التي تتسبب في مرض باركنسون. وقد خضع المركّب لاختبار علاج هذه الحالة أيضًا.

أشارت بيانات ساثيرابونجساسوتي إلى أن نهج دراسة الارتباط على نطاق الأنماط الظاهرية PheWAS برنامج عقاقير خاص بها. وباستخدام نتائج دراسات أخرى للارتباط على نطاق الأنماط الظاهرية (PheWAS)، قرر شيلر وفريقه التركيز في الوقت الحالي على سبعة أهداف للعقاقير لأربع فئات من الأمراض: السرطان، وأمراض القلب والأوعية الدموية، وأمراض الجلد، والاضطرابات المناعية، مثل الربو.

لم يعد معظم العلماء يرون أن 23 آند مِي مشروع تافه، فقدرة الشركة على جذب مليوني عميل، وربما أكثر في المستقبل، جعلتها جذّابة، وصار الباحثون يتهافتون على التعاون معها، فلا يتجاوز عدد عملاء البنوك الحيوية الكبرى الأخرى نصف مليون عميل. وفي هذا الصدد، يقول إريك توبول، وهو طبيب قلب، ومدير معهد سكريبس للعِلْم الانتقاليّ في لاهويا بولاية كاليفورنيا: "إنهم يملكون القدرة على النمو المطرد".

وفي شهر أكتوبر من عام 2017، منحت معاهد الصحة الوطنية الأمريكية شركة 23 آند مِي 1.7 مليون دولار كمنحة لوضع تسلسل جينومات مئات الآلاف من عملائها الأمريكيين ذوي الأصول الأفريقية، الذين اشتروا بالفعل المنتج النمطيّ للشركة، الذي يقدم لمحة عامة عن الجينوم، بدلًا من التحليل المتعمق. ويهدف المشروع - الذي يمثّل إحدى المبادرات المتعددة لوضع التسلسل الجينومي، التي بدأتها الشركة - إلى المساعدة في التغلّب على ندرة بيانات التسلسل الجينومي للأقليات العرقية.

لا يزال العلماء بحاجة إلى التأقلم مع التعامل مع بيانات 23 آند مِي؛ إذ إن الشركة تطلب من المتعاونين معها اتباع قواعد غير عادية، فيمنعها اتفاقها مع عملائها من مشاركة البيانات الفعلية مع المتعاونين معها، وهكذا، فإن العلماء لا يطلعون إلا على نتائج التحليلات التي تجريها الشركة، ولا يتاح لهم أبدًا الوصول إلى البيانات الأولية التي تقوم عليها الدراسات

يشعر بعض العلماء، كذلك، بعدم الارتياح إزاء البيانات المبلَّغ عنها ذاتيًّا، الناتجة عن استبيانات 23 آند مِي. فعلى سبيل المثال، تقول آشلي وينسلو - وهي عالمة وراثة عصبية، قادت مشروعًا تعاونيًّا كبيرًا مع شركة فايزر؛ للتعرّف على الواسمات الوراثية المرتبطة بالاكتئاب - إن الأقران الذين راجعوا الورقة البحثية الناتجة عن المشروع ساورتهم مخاوف بشأن مصداقية بيانات عملاء 23 آند مِي، إذ يرون أن الأشخاص الذين قالوا إن حالتهم شُخِّصت بالاكتئاب الإكلينيكي ربما كانوا يشعرون فقط بالإحباط في اليوم الذي أجابوا فيه على الدراسة الاستقصائية للشركة. وقد أجرى فريق وينسلو دراسات داخلية على صحة البيانات، مثل التحليلات التي تبيّن النسبة المئوية للأشخاص الذين أبلغوا أيضًا باستخدامهم مثبطات إعادة امتصاص السيروتونين الانتقائية. وكانت التحليلات كافية لنشر الورقة البحثية، إلا أنه يُحتمَل ظهور هذه المخاوف مرة أخرى.

تقول وينسلو، التي تعمل حاليًّا في جامعة بنسلفانيا بولاية فيلادلفيا: "قد يظل الشك يساور البعض بقدر أكبر، ويطلبون المزيد من البيانات لإثبات صحتها"، لكنّ - حسبما تضيف وينسلو - نتائج دراسة كبيرة، مثل دراستها التي أقرها منذ ذلك الحين أحد اتحادات علم الوراثة النفسيّ الأخرى، تشجع المزيد من العلماء على العمل مع الشركة. وتستطرد وينسلو قائلة إن "هناك بالتأكيد انفتاحًا لم يكن موجودًا من قبل".

لكن هذا لا يعني أن نموذج 23 آند مِي سيؤدي حتمًا إلى أدوية جديدة؛ فأدوية بارزة عديدة من تلك الناتجة عن أبحاث الجينات البشرية لم تنجح في تحقيق كل ما يمكنها تحقيقه، أو فشلت كليةً. وفي مايو 2017، على سبيل المثال، أعلنت شركة الأدوية أمجين - التي يقع مقرها في ثوزاند أوكس بكاليفورنيا - أن عقار هشاشة العظام "روموسوزماب" المستهدف جينيًّا قد رفع من خطر الإصابة بأمراض القلب بنسبة تصل إلى 30% في تجربة إكلينيكية، شارك فيها 4 آلاف شخص. وفي هذا الصدد، يقول توبول: "إن فكرة تطوير العقاقير بناء على علم الوراثة ليست بسيطة كما يتمنى الكثيرون منا".

شهد سوق الاختبارات الجينية الموجهة مباشرة للمستهلك تحولًا منذ السنوات الأولى لعمل شركة 23 آند مِي. وبالرغم من أنه يمثّل شريحة صغيرة من سوق الاختبارات الجينية، فمن المتوقع أن ينمو ليبلغ 340 مليون دولار في السنوات الخمس القادمة (انظر: "سوق الجينات").

يتنافس حاليًّا عدد متزايد من شركات التحليل الجيني على عملاء 23 آند مِي، من بينها شركات تقدِّم تسلسلًا طبيًّا مستهدفًا غير باهظ الثمن (مثل شركة كلر جينوميكس في برلينجيم بكاليفورنيا)، واختبارات النسب (مثل شركة أنسيستري دي إن إيه، ومقرها سولت ليك سيتي بولاية يوتا)، وتسلسل الجينوم الكامل سواء بمفرده (مثل شركة فيريتاس، ومقرها دانفرز بولاية ماساتشوستس)، أو مع اختبارات طبية (مثل مركز كريج لدارسة طول العمر البشري في سان دييجو بكاليفورنيا)، أو مع تطبيقات لتفسير البيانات الجينومية )مثل شركة هيليكس ومقرها سان كارلوس بولاية كاليفورنيا).

ينسب منافسو وجسيكي الفضل إليها في الكشف عن فرص تأسيس أعمال في مجال جمع البيانات الوراثية، وبيعها. وفي هذا الصدد، يقول ميرزا سيفريك، الرئيس التنفيذي لشركة فيرتاس: "أنا معجب بشدة بـشركة 23 آند مِي وما فعلته في خدمة الصناعة بأكملها بريادتها مجال علم الوراثة الموجهة للمستهلك، وخوضها هذا الطريق الحافل باللوائح التنظيمية الصعبة". ولا تزال 23 آند مِي الشركة الوحيدة التي توفر اختبارات صحية موجهة مباشرة إلى المستهلك، ومعتمدة من إدارة الغذاء والدواء الأمريكية، ولم تشر أي شركات منافسة عن نيتها لسلوك هذا المسار.

من جانبها، ترغب وجسيكي أن تبقى في المقدمة، وتقول: "هناك طرق كثيرة يمكن أن نتبعها في التعامل مع علم الوراثة"، فعلى سبيل المثال، تتابِع 23 آند مِي عن كثب تطوير شركات التكنولوجيا، مثل آبل، وجوجل لأدوات الاستشعار، وتطبيقات البيانات الصحية التي تعمل على الأجهزة المحمولة. وتبحث الشركة كذلك عن مشروعات تجريبية في هذا المجال، يمكن أن تسمح لها بجمع بيانات مستمرة بسلاسة من مستخدميها. وما من شك لدى وجسيكي في تحقيق الشركة لهدفها، المتمثل في جذب 10 ملايين عميل، إذ تقول: "بالنظر فقط إلى نمو الشركة الطبيعي، سنبلغ هدفنا".

في كافيتريا شركة 23 آند مِي، تبدو الحقيقة الطريفة المكتوبة على صورة بـوجسيكي تافهة ومعبرة في الوقت ذاته؛ إذ كُتِب عليها: "ذات مرة تناولت الكثير من الجَزَر؛ حتى تحول لوني إلى البرتقالي، وطُلِب مني عدم أكل الجَزَر لمدة عام".

عاد لون وجسيكي مرة أخرى لطبيعته، بعد أن عملت بالنصيحة، لكن ما يبقى مثار للتساؤلات هو ما إذا كانت عزيمتها وقدرتها على تصحيح المسار يمكن أن تدفعا شركة 23 آند مِي أيضًا للتحول من التركيز على شمع الأذن، والنَسَب إلى تطوير عقاقير، من شأنها إنقاذ أرواح البشر، أم لا. إذا نجحت وجسيكي في ذلك، فإن المشككين في قدرتها سيصبحون يومًا ما "وحيدي القرن" الحقيقيين في وادي السيليكون؛ أي أنهم سيندرون ويخجلون لدرجة يصعب معها تصديق أنه لهم وجود في الأساس.

إيريكا تشيك هايدن صحفية متخصصة في العلوم، تعيش في سان فرانسيسكو بكاليفورنيا.