أخبار

الكشف عن علاقة بين فيروس "سارس" وكهف خفافيش في الصين

علماء يكتشفون كل العناصر الجينيّة لفيروس "سارس" البشري الفتّاك في جماعة واحدة من خفافيش حدوة الحصان.

ديفيد سيرانوسكي

  • Published online:
يحذِّر العلماء من احتمال نقل خفافيش حدوة الحصان لسلالات فيروسيّة شبيهة بفيروس سارس، قد تتسبب في تفشٍ وبائيّ آخر.

يحذِّر العلماء من احتمال نقل خفافيش حدوة الحصان لسلالات فيروسيّة شبيهة بفيروس سارس، قد تتسبب في تفشٍ وبائيّ آخر.

KARL VAN GINDERDEUREN/MINDEN/GETTY

بعد بحثٍ مُضنٍ في جميع أنحاء الصين، توصَّل الباحثون أخيرًا إلى برهان قاطع في سعيهم للوصول إلى منشأ فيروس المتلازمة التنفسيّة الحادّة الوخيمة سارس المميت. ففي كهف ناءٍ بمقاطعة يُونّان الصينية، اكتشف علماء فيروسات جماعة واحدة من خفافيش حدوة الحصان، تحمل سلالات من الفيروس تحتوي على جميع اللبنات الجينيّة الأساسية للفيروس الذي أصاب البشر في عام 2002، وتسبَّب في وفاة حوالي 800 نسمة حول العالم.

ذكر الباحثون في دوريّة "بلوس باثوجينس"1 في 30 نوفمبر الماضي أن سلالة الفيروس القاتلة من المحتمل أن يكون منبعها هذه الجماعة من الخفافيش، وحذَّروا من توفُّر كل العوامل التي يمكن أن تؤدي إلى ظهور مرض مماثل مستقبلًا.

في أواخر عام 2002، بدأت تَحْدُث إصابات بمرض غامض، شبيه بالالتهاب الرئويّ في مقاطعة جوانجدونج جنوب شرق الصين. وتَسبَّب ذلك المرض - الذي سُمي بالمتلازمة التنفسيّة الحادة الوخيمة سارس - في حالة طوارئ عالمية؛ إذ انتشر حول العالم في عام 2003، مُصيبًا الآلاف من الأشخاص.

حدد العلماء المتسبِّبَ في هذا المرض بأنه سلالة من الفيروس التاجيّ، واكتشفوا فيروسات مشابِهة جينيًّا في بعض حيوانات زَبّاد النخيل الأسيويّ المقنّع (Paguma larvata)، التي تُباع في أسواق الحيوانات بمقاطعة جوانجدونج. وكشفت الاستطلاعات اللاحقة عن أعداد كبيرة من الفيروسات التاجيّة المرتبطة بعدوى سارس في خفافيش حدوة الحصان الصينيّة 2Rhinolophus، ما يشير إلى أن السلالة المميتة ظهرت - على الأرجح - أولًا في الخفافيش، ثم انتقلت لاحقًا إلى حيوانات الزبّاد، قبل أن تصل إلى البشر. لكن كان ثمة اختلاف في جينات أساسيّة، مسؤولة عن تكوين بروتين يسمح للفيروس بالتعلق بالخلايا وإصابتها، بين نوعي الفيروس اللذين أصابا البشر والخفافيش، ما يشكِّك في صحة هذه الفرضيّة.

ولحسم هذه المسألة، قام فريق بحثيّ بقيادة شي شينج-لي، وكوي جي - الباحثان في معهد ووهان لعلوم الفيروسات بالصين - بأخذ عيّنات من آلاف خفافيش حدوة الحصان في مواقع مختلفة بأنحاء الصين3. وعلى حدّ قول كوي: "أصعب ما في الأمر هو تحديد مواقع الكهوف التي تقع عادةً في مناطق نائية". وبعد أن توصّل الباحثان إلى كهف معيّن في يونّان بجنوب غرب الصين، حيث بدت فيه سلالات الفيروس التاجيّ مماثلة لنظيراتها في البشر5،4، أمضيا خمس سنوات في مراقبة الخفافيش التي تسكن الكهف، جمعا خلالها عينات حديثة من ذرق الخفافيش، ومسحات شرجيّة منها1.

وضع الباحثان تسلسل جينومات 15 سلالة فيروسيّة من الخفافيش، واكتشفا أن كل هذه السلالات عند جمعها معًا تحتوي على جميع المكونات الجينيّة التي تؤلِّف نوع الفيروس الذي يصيب البشر. وعلى الرغم من أن الباحثين لم يجدا خفاشًا واحدًا يحمل سلالة فيروس سارس التاجيّ نفسها التي تصيب البشر، كشف تحليلهما عن أن السلالات تختلط عادةً. ويقول كوك-يونج يوين - عالِم الفيروسات في جامعة هونج كونج، الذي شارك في اكتشاف فيروس سارس - إن السلالة البشريّة ربما تكون قد نشأت من مثل هذا الاختلاط. ويضيف: "يجب علينا تهنئة الباحثين، لقطعهم الشك باليقين".

ولكن تشانجتشون تو - وهو عالِم فيروسات، يدير المختبر المرجعيّ لبحوث السُّعار، التابع للمنظمة العالمية لصحة الحيوان في تشانجتشون بالصين - يقول إن النتائج مُقْنِعة بنسبة 99% فقط، وإنه يأمل أن يؤكِّد العلماء في المختبر أن سلالة سارس البشريّة قادرة على الانتقال من الخفافيش إلى حيوانات أخرى، مثل الزبّاد. ويضيف: "لو كان من الممكن فِعْل ذلك، لصار الدليل لا مراء فيه".

مشكلة الانتقال

ثمة تساؤل مهم آخر، وهو كيف يمكن لفيروس من خفافيش في مقاطعة يونّان أن ينتقل إلى حيوانات وبشر في مقاطعة جوانجدونج على بُعْد ألف كيلومتر، دون التسبب في أيّ حالات مشتبه فيها في يونّان نفسها. يقول تو: "هذا الأمر حيّرني طويلًا".

يبحث كوي وشي حاليًّا عن جماعات أخرى من الخفافيش، ربما تكون قد أنتجت سلالات قادرة على إصابة البشر. وعزل الباحثان حتى الآن حوالي 300 تسلسل من الفيروسات التاجيّة في الخفافيش، أغلبها لم يُنْشَر بعد، وسيتابعان من خلالها تطوّر الفيروس.

ويحذِّر الباحثان من إمكانية ظهور فاشية فتاكة مرة أخرى؛ فالكهف الذي اكتُشِفت فيه عناصر فيروس سارس يبعد كيلومترًا واحدًا فقط عن أقرب قرية، والاختلاط الجينيّ بين السلالات الفيروسيّة يحدث بسرعة. ويذكر مؤلفا الدراسة في ورقتهما البحثية أن: "خطر الانتقال إلى البشر، وظهور مرض مشابه لمرض سارس أمر محتمل".

وعلى الرغم من أن الكثير من أسواق بيع الحيوانات في الصين قد أُغْلِقَت، أو قُيّد نشاطها في أعقاب حالات تفشي فيروس سارس وغيره من الأمراض المعدية أخرى، فإن يوين يرى أن أحدث النتائج التي توصّل إليها العلماء تشير إلى أن الخطر ما زال قائمًا. ويقول يوين: "يعزز ذلك فكرة أنه يجب علينا عدم إرباك موائل الحياة البريّة، والامتناع عن بيع الحيوانات البريّة في الأسواق". ويرى يوين أن احترام الطبيعة "هو سبيلنا إلى تفادي ضرر الأمراض المعدية الناشئة".

References

  1. Hu, B. et al. PLoS Pathog. 13, e1006698 (2017).  | article
  2. Li, W. et al. Science 310, 676–679 (2005).  | article
  3. Cui, J. et al. Emerg. Infect. Dis. 13, 1526–1532 (2007).  | article
  4. Ge, X. Y. et al. Nature 503, 535–538 (2013).  | article
  5. Yang, X.-L. et al. J. Virol. 90, 3253–3256 (2016). | article