أنباء وآراء

العلاج الجيني: خلايا جذعية محوَّرة جينيًّا تحلّ محل الجلد

علاج مريض مصاب بمرض جلدي جيني غير قابل للعلاج يُظْهِر فعالية وجدوى وسلامة استبدال جلده كله تقريبًا باستخدام خلايا جذعية مُصحَّحة جينيًّا.

مارياسيليست أراجونا، وسيدريك بلانبين

  • Published online:

كثيرًا ما يُنظر إلى العلاجات بالخلايا الجذعية والعلاجات الجينية على أنها مستقبل الطب، لكن لطالما كان هناك العديد من المعوّقات التي تَحُول دون التطبيق العملي لهذه الأساليب. وفي واقع الأمر، هناك أمثلة معدودة لعلاجات بالخلايا الجذعية البشرية مفيدة حقًّا1. وفي بحث نُشر مؤخرًا بدورية Nature، وَصَف هيرش وزملاؤه2 نجاحًا في هذا المجال، تَمَثَّل في استخدام العلاج الجيني لتصحيح خلايا طفل كان مصابًا بمرض وراثي مدمِّر، مرتبط بظهور بثور في الجلد.

يتكون الجلد من قشرة خارجية (تُسمَّى البشرة)، تعمل كحاجز يحمي من البيئة الخارجية، تحتها الأدمة، التي تلتصق بها البشرة بشكل وثيق يمنحها مرونة ومقاومة ميكانيكية3. في مرض انحلال البشرة الفقاعي، تمنع الطفرات الجينية وجود المقاوَمة الطبيعية في البشرة، أو التصاقها الشديد بالأدمة؛ فيصبح الجلد هشًّا. ومن ثم، يؤدي الإجهاد الميكانيكي والإصابات الطفيفة إلى تفتت البشرة، أو انفصالها عن الأدمة؛ ما يسبب ظهور بثور في الجلد، وتقرّحات. يتسبب ذلك في إحداث جروح مزمنة مؤلمة وغير قابلة للعلاج، ويؤدي في نهاية الأمر إلى سرطانات الجلد، والإصابة بالعدوى، وأحيانًا الموت4. وفي الوقت الحالي، لا يوجد له علاج. 

كانت المجموعة التي أجرت الدراسة الحالية قد استخدمت سابقًا العلاج الجيني؛ لمعالجة شكل بسيط من أشكال انحلال البشرة الفقاعي، الناجم عن طفرات في الجين لامينين بيتا 3 (LAMB3)، الذي يشفر البروتين الخاص بالتصاق البشرة5. في تلك الدراسة، قام الباحثون بعزل قطعة صغيرة من البشرة من مريض، ثم أضافوا نسخة طبيعية من الجين LAMB3 إلى خلايا البشرة المعزولة، وذلك باستخدام ناقل رجعي كحاملٍ لنقل الجين إلى داخل نوى الخلايا. اندمج الناقل في جينوم كل خلية؛ ما أتاح التعبير الطبيعي عن الجين LAMB3. وعمدت المجموعة إلى إنماء الخلايا المصحّحة جينيًّا داخل المختبر؛ لتشكل قطعة أكبر من البشرة، زرعوها فيما بعد على ساق المريض، حيث أصبحت طُعْمًا.

ومؤخرًا، أضاف هيرش وزملاؤه الكثير جدًا من التطورات إلى هذه الاستراتيجية؛ إذ تم إدخال طفل يبلغ من العمر سبع سنوات مصاب بحالة شديدة جدًّا من انحلال البشرة الفقاعي، نتيجة طفرات في الجين LAMB3، إلى المستشفى، وكانت حياته مهددة من شدة المرض، حيث كان قد فقد كل جلده تقريبًا. أخذ الباحثون خزعة تبلغ 4 سنتيمترات مربعة من جزء غير متأثر من جلده، وصححوا الخلايا جينيًّا باستخدام ناقل رجعي كحامل للجين LAMB3، وعمدوا إلى إنماء مجموعة الخلايا المصحّحة؛ للحصول على 0.85 متر مربع من طعوم البشرة المحوَّرة جينيًّا. قام الباحثون بثلاث عمليات منفصلة لاستبدال 80% من جلد المريض بهذه الطعوم (الشكل 1). وبعد 21 شهرًا من المتابعة، بدا أن الطفل قد شُفي تمامًا، ولم تعد هناك بثور على جلده، فقد أصبح جلده مقاوِمًا للإجهاد؛ وشُفي بشكل طبيعي.

الشكل 1 | علاج جيني لمعالجة مرض جلدي.

استخدم هيرش وزملاؤه2العلاج الجيني لمعالجة طفل، كان قد فقد 80% من جلده، بسبب مرض انحلال البشرة الفقاعي، وهو مرض جلدي يتسم بظهور بثور على الجلد، يسببه تطفُّر الجين LAMB3. عزل الباحثون خلايا من البشرة من منطقة جلدية خالية من البثور، وصححوا الخلايا عن طريق إصابتها بعدوى فيروس رجعي يحمل نسخة غير طافرة من الجين LAMB3. ينتج إنماء خلايا البشرة في المختبر ثلاثة أنواع من المستعمرات: مستعمرات خلايا جذعية غير متمايزة (holoclones) تكاثرية، ومستعمرات خلايا جذعية متمايزة (paraclones)، ومستعمرات مختلطة بينية متوسطة التمايز (meroclones). وينتج الاستمرار في الإنماء صفائح من البشرة المحوَّرة جينيًّا، المشتقة من هذه المستعمرات، يمكن إعادة زرعها في المريض. يعيد الجلد تجدده بالكامل مرة واحدة كل شهر تقريبًا، مع استبدال الخلايا المتمايزة. وبعد مرور أربعة أشهر، وجد الباحثون أن عددًا كبيرًا من المستعمرات المتمايزة والمستعمرات المختلطة من عملية النقل الأولى قد فُقدت، وبعد ثمانية أشهر كان الجلد بأكمله تقريبًا قد أصبح مشتقًا من مستعمرات الخلايا الجذعية غير المتمايزة الأولية. وهكذا، فإن الجلد يتم الحفاظ عليه بعدد قليل من الخلايا الجذعية.

استخدم هيرش وزملاؤه2العلاج الجيني لمعالجة طفل، كان قد فقد 80% من جلده، بسبب مرض انحلال البشرة الفقاعي، وهو مرض جلدي يتسم بظهور بثور على الجلد، يسببه تطفُّر الجين LAMB3. عزل الباحثون خلايا من البشرة من منطقة جلدية خالية من البثور، وصححوا الخلايا عن طريق إصابتها بعدوى فيروس رجعي يحمل نسخة غير طافرة من الجين LAMB3. ينتج إنماء خلايا البشرة في المختبر ثلاثة أنواع من المستعمرات: مستعمرات خلايا جذعية غير متمايزة (holoclones) تكاثرية، ومستعمرات خلايا جذعية متمايزة (paraclones)، ومستعمرات مختلطة بينية متوسطة التمايز (meroclones). وينتج الاستمرار في الإنماء صفائح من البشرة المحوَّرة جينيًّا، المشتقة من هذه المستعمرات، يمكن إعادة زرعها في المريض. يعيد الجلد تجدده بالكامل مرة واحدة كل شهر تقريبًا، مع استبدال الخلايا المتمايزة. وبعد مرور أربعة أشهر، وجد الباحثون أن عددًا كبيرًا من المستعمرات المتمايزة والمستعمرات المختلطة من عملية النقل الأولى قد فُقدت، وبعد ثمانية أشهر كان الجلد بأكمله تقريبًا قد أصبح مشتقًا من مستعمرات الخلايا الجذعية غير المتمايزة الأولية. وهكذا، فإن الجلد يتم الحفاظ عليه بعدد قليل من الخلايا الجذعية.

كبر الصورة

مِن المضاعفات المحتملة للعلاج الجيني هي أنه قد يعطل الجينات الأساسية، أو يحفز تعبير مفرط للجينات التي تتحكم في نمو الورم، وذلك لأن الناقل يندمج في جينوم المضيف في مواقع عشوائية. وللتأكد من صحة هذا الاحتمال، قام هيرش وزملاؤه بوضع تسلسل الحمض النووي المأخوذ من جلد المريض المصحح جينيًّا؛ فكشف التسلسل أن معظم عمليات الدمج حدث في تسلسلات غير مشفرة للبروتين. ولا يُعرف عن الجينات التي تحتوي على حاملات مدمجة من الفيروسات الرجعية أنها تضطلع بدور مباشر في السرطان، ما يشير إلى سلامة هذا النهج.

بعد ذلك، قام الباحثون بمقارنة أنماط الاندماج في المزارع المصححة في المختبر بالأنماط في البشرة المجددة في الجسم الحي، لتحديد ما إذا كانت أنماط معينة (كالاندماج في تسلسل محفّز يقود التعبير الجيني مثلًا) قد منحت ميزة بقاء، قد تجعل المريض عرضة للإصابة بالسرطان في المستقبل. وجد الباحثون أنماطًا متشابهة في كلتا الحالتين، ما يدل على أن كلًّا من بروتوكول الزرع، والتجدد الطبيعي لخلايا الجلد لم يؤديا إلى قدرة بقاء تفضيلية، وتوسّع في مجموعات خلوية فرعية معينة. وأخيرًا، لم يجد الباحثون أي علامة على إنتاج أجسام مضادة ذاتية ضد الجين المُحوّر، يمكنها أن تؤدي إلى رفض الطعم المزروع؛ ما زاد في التأكيد على سلامة الأسلوب.

تتجدد البشرة بشكل كامل مرة واحدة كل شهر تقريبًا3. وإذا كان التجدد مضمونًا بوجود الخلايا الجذعية في قمة التدرج الخلوي، أو كانت جميع الخلايا التكاثرية تتصرف كسلائف متساوية الفاعلية تختار عشوائيًّا بين التكاثر والتمايز، يبقى أمرًا قيد النقاش6. تنتج زراعة خلايا البشرة في المختبر ثلاثة أنواع من المستعمرات الخلوية: مستعمرات خلايا جذعية غير متمايزة (holoclones)، ومستعمرات خلايا جذعية متمايزة (paraclones)، ومستعمرات تحتوي خليطًا من الاثنين (meroclones). النوع الأول هو مستعمرات تكاثرية، تتألف من خلايا غير متمايزة لها قدرة على التجدد الذاتي. أما النوع الثاني، فهو يتألف من خلايا متمايزة، تمتلك قدرة تَجَدُّد ضئيلة، والنوع الثالث بين بين7. ورغم افتراض أن مستعمرات الخلايا الجذعية غير المتمايزة تحتوي على خلايا جذعية خاصة بالبشرة، فإن هذه العلاقة لم يتم إثباتها بشكل منهجي.

حَدَّد هيرش وزملاؤه مواضع مواقع اندماج الفيروس في جينومات مستعمرات الخلايا الجذعية غير المتمايزة في المختبر، وقارنوها بمواقع الاندماج المُحافَظ عليها في خلايا من جلد الطفل بعد أربعة أشهر وثمانية أشهر من زرع الطُّعم. فوجدوا أن هناك عدد أقل بكثير من مواقع الاندماج المختلفة في الخلايا المأخوذة بالخزعات عند الشهر الرابع، مقارنة بها في المزارع الأولية. وعلى النقيض من ذلك، احتُفِظ بالعديد من مواقع الإدخال بين عينات الشهر الرابع، والشهر الثامن. وتشير هذه البيانات إلى أن معظم الخلايا الموجودة في المزرعة الأولية يضيع خلال الأشهر الأربعة الأولى، مع وجود عدد قليل فقط من الخلايا الجذعية التي تسهم في الحفاظ على البشرة على المدى الطويل.

وإضافة إلى ذلك، كانت هناك زيادة هائلة في وتيرة ظهور مواضع الاندماج في مستعمرات الخلايا الجذعية غير المتمايزة في المختبر في الجلد المتجدد مع مرور الوقت (هذا الجلد لم يحتو فقط على هذه المستعمرات، بل احتوى أيضًا نوعي المستعمرات الأخريين – مستعمرات الخلايا المتمايزة، والمستعمرات المختلطة - المشكَّلة حديثًا). وهكذا، فإن مستعمرات الخلايا الجذعية غير المتمايزة تحتوي على خلايا جذعية تعيد ملء الجلد المتجدد. وبعد ثمانية أشهر، أصبحت كل البشرة تقريبًا مشتقة من مستعمرات الخلايا الجذعية غير المتمايزة. فمن الواضح أن بضع خلايا جذعية طويلة العمر من شأنها أن تحافظ على بشرة الإنسان.

ومن ثم، تُظْهِر دراسة هيرش وزملائه جدوى وسلامة عملية استبدال البشرة بأكملها باستخدام العلاج بالخلايا الجذعية، والعلاج الجيني معًا. وبالإضافة إلى ذلك، يوفر العمل رؤى ثاقبة في التدرج الخلوي الذي يحكم الحفاظ على البشرة في البشر، ولكن هناك العديد من الاعتبارات التي ينبغي التعامل معها قبل استخدام العلاج مع مرضى آخرين.

كما يمكن لانحلال البشرة الفقاعي أن يحدث بسبب طفرات في جينات مختلفة، لن يكون تصحيحها جميعها سهلًا. وعندئذ ستكون هناك حاجة إلى استراتيجيات، مثل استخدام تقنية التحرير الجيني "كريسبر-كاس9" CRISPR–Cas9؛ لتصحيح بعض الطفرات. وسيكون من الضروري أيضًا تكييف الإجراء على مواقع مختلفة في الجسم، ولا سيما لدى الأفراد الذين يعانون من حالات جلدية أقل حدة. وقد يكون العلاج أكثر فعالية في الأطفال الذين تمتلك خلاياهم الجذعية قدرة أعلى على التجدد، ومساحة جلدهم الإجمالية اللازم استبدالها أقل، مقارنة بالبالغين.

وأخيرًا، سوف تكون هناك حاجة إلى متابعة طويلة المدى للطفل في الدراسة الحالية، ولمرضى آخرين، لضمان عدم وجود عواقب سلبية، مثل الإصابة بسرطانات الجلد، أو حدوث تغييرات تؤدي إلى فقدان التعبير عن الجين المتحور في بعض الخلايا، ما قد يؤدي إلى ظهور بثور في بعض المناطق. ومع ذلك، فإن ما قام به الباحثون يمثل خطوة كبيرة نحو الأمام في السعي لاستخدام علاجات الخلايا الجذعية لعلاج المرض. 

References

  1. Trounson, A. & McDonald, C. Cell Stem Cell 17, 11–22 (2015). | article
  2. Hirsch, T. et al. Nature 551, 327–332 (2017). | article
  3. Blanpain, C. & Fuchs, E. Nature Rev. Mol. Cell Biol. 10, 207–217 (2009). | article
  4. DeStefano, G. M. & Christiano, A. Cold Spring Harb. Perspect. Med. 4, a015172 (2014). | article
  5. Mavilio, F. et al. Nature Med. 12, 1397–1402(2006). | article
  6. Blanpain, C. & Simons, B. D. Nature Rev. Mol. Cell Biol. 14, 489–502 (2013). | article
  7. Barrandon, Y. & Green, H. Proc. Natl Acad. Sci. USA 84, 2302–2306 (1987). | article

مارياسيليست أراجونا، وسيدريك بلانبين يعملان في مختبر الخلايا الجذعية والسرطان، جامعة بروكسل الحرة، 1070 بروكسل، بلجيكا.