أخبار

مستشارو "إدارة الغذاء والدواء" الأمريكية يؤيدون العلاج الجيني

علاج جديد للعمى، يستهدف الطفرات المسبِّبة للمرض، قد يكون هو الأول من نوعه الذي تُوافِق عليه الولايات المتحدة.

هايدي ليدفورد
  • Published online:
حكومة الولايات المتحدة قد توافق على علاجٍ جيني يمنع تَلَف الخلايا الشبكية.

حكومة الولايات المتحدة قد توافق على علاجٍ جيني يمنع تَلَف الخلايا الشبكية.

P. Motta/Dept. of Anatomy/University “La Sapienza”, Rome/SPL

مَنَحَ مستشارو إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) باحثي مجال العلاج الجيني شعورًا بالانتصار، بعد عقودٍ من الكفاح لتطوير علاجاتٍ تُصَحِّح الطفرات المسبِّبة للأمراض.

فقد أعلنت لجنةٌ مكونة من خبراء خارجيين في تصويتٍ لها بالإجماع - في الثاني عشر من أكتوبر الماضي- أن فوائد وجود علاج جيني يُعالِج أحد أشكال العمى الوراثي تفوق مخاطره. إن إدارة الغذاء والدواء ليست مُلْزَمة باتباع توجيهات مستشاريها، إلا أنها عادةً ما تفعل. ويُتَوَقَّع صدور القرار النهائي للوكالة بشأن العلاج، واسمه "فوريتيجين نيبارفوفيك" voretigene neparvovec (واسمه التجاري "لوكستورنا" Luxturna)، في الثاني عشر من يناير الحالي.

إن حصول هذا العلاج على موافقة لدخول سوق الدواء الأمريكي الثري سيكون بمثابة مؤشر على حقيقة النهضة الحديثة للعلاج الجيني في العموم. يقول مارك كاي، المتخصص في علم الوراثة بجامعة ستانفورد في كاليفورنيا: "غَدَت الأمور مبشِّرة أكثر بالنسبة إلى العلاج الجيني".

إن عقار لوكستورنا المُصنّع من قِبَل شركة "سبارك ثيرابيوتكس" Spark Therapeutics في فيلادلفيا بولاية بنسلفانيا صُمم لعلاج الأفراد الذين يحملون نسختين طافرتين من جينٍ يُسَمّى RPE65. تُضْعِف هذه الطفرات قدرة العين على الاستجابة للضوء، وتقود في نهاية المطاف إلى تدمير مستقبِلات الضوء في الشبكية. يتألّف العلاج من فيروس مُحَمَّلٍ بنسخةٍ طبيعيّة من الجين RPE65، يُحْقَن في العين، حيث يتمّ التعبير عن الجين فيها.

في تجربةٍ عشوائية محكمة، شارك فيها 31 شخصًا، كشفت الشركة المُصنِّعة أن المشاركين الذين تلقّوا العلاج – في المتوسط - تحسَّنت قدرتهم على المشي في مسار خاصّ مليء بالعقبات1. دام هذا الأثر في المشاركين لمدة عامٍ على الأقل، بينما لم تُظْهِر المجموعة الضابطة بشكلٍ عامٍ أي تحسن. وقد كان هذا كافيًا لإقناع لجنة مستشاري إدارة الغذاء والدواء بأن فوائد العلاج تفوق مخاطره.

على مدار العقود الثلاثة الماضية، مرّ العلاج الجيني بفتراتٍ من النجاح الساحق، والفشل أيضًا. يقول ديفيد ويليامز - كبير المسؤولين العلميين بمستشفى بوسطن للأطفال في ماساتشوستس - إن العلاج الجيني في أوائل تسعينات القرن الماضي كان في أوج نجاحه. ويضيف قائلًا: "لم يكن ممكنًا إبعاد الشباب عن المجال، فقد كان الجميع يريدون اقتحامه".

ثم حلّ فجأة في عام 1999 خبر وفاة مريضٍ شابّ، كان مشارِكًا في تجربة إكلينيكية لاختبار العلاج الجيني، تبعه اكتشاف أن العلاج الجيني المستخدَم لعلاج أطفالٍ مصابين بمرضٍ مناعي قد يؤدي إلى إصابتهم بسرطان الدم.

ومن ثم، تراجَع المستثمرون عن دعم المجال، بل صار بعض الأكاديميين ساخطين عليه. ورغم أن الجهات المنظِّمة الأوروبية قد وافقت على أحد العلاجات الجينية في عام 2012 لحالةٍ مرضيّة تسبِّب التهابًا شديدًا في البنكرياس، فإن كثيرين قد شككوا في نجاحه. كانت الشركة المصنِّعة له قد أعلنت أنها لن تجدد ترخيصها لتسويق الدواء، بمجرد انتهاء صلاحيته في الخامس والعشرين من أكتوبر. وقد قال أحد زملاء كاي له: "أنت أذكى من أنْ تعمل في هذا المجال.. هذا علمٌ زائف".

توقّعات محسوبة

إلا أن بعض الباحثين ظلوا مصممين على تناول المشكلة، بتحسينهم للحاملات الفيروسية التي تنقل الجينات إلى داخل الخلايا البشريّة. وبمرور الوقت، بدأت التجارب الإكلينيكية الجديدة تُظْهِر نتائج مبشِّرة، وأصبحت شركات المستحضرات الدوائيّة تهتم أكثر بتطوير علاجاتٍ لأمراضٍ وراثية نادرة.

إنّ الطلب على حاملات العلاج الجيني عالٍ جدًّا الآن، حتى أنه فاق قدرة الموردين، وصار على الباحثين الانتظار لمدد تتراوح بين 18 شهرًا وعامين، للحصول على بعض الكواشف المطلوبة لإجراء دراساتهم الإكلينيكية، كما يقول ويليامز.

وفي السنوات القليلة الماضية، أظهرت العلاجات الجينية نتائج مبشِّرة في التجارب الإكلينيكية لمجموعةٍ من الأمراض، منها مرض الهيموفيليا، وفقر الدم المنجلي، واضطراب مناعي يُطلق عليه اسم "متلازمة ويسكوت ألدريخ". وفي الرابع من أكتوبر الماضي، سجّل ويليامز وزملاؤه تجربة ناجحة للعلاج الجيني، لعلاج مرض في المخ يُسمى "حثل الكظر وبيضاء الدماغ"، أو adrenoleukodystrophy، وهو اضطراب مدمِّر، ومميت أحيانًا، يصيب الجهاز العصبي والغدد الكظريّة2.

كانت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية قد وافقت في الثلاثين من أغسطس الماضي على علاجٍ جيني للمرة الأولى، تتمّ فيه هندسة الخلايا المناعية؛ لمحاربة السرطان. وعلى عكس علاج شركة "سبارك"، لا يستهدف علاج السرطان هذا طفرة معينة مسبِّبة للمرض، كما أنه يتم إدخاله لخلايا مناعيّة تُؤخذ من الجسم، وتتم هندستها، ثم يعاد إعطاؤها للمريض.

لذلك.. يقول الباحثون إن موافقة الإدارة على عقار "فوريتيجين نيبارفوفيك" ستكون علامة فارقة. يقول ماثيو بورتيوس، خبير أمراض الدم في الأطفال في جامعة ستانفورد: "إن الفكرة العامة للعلاج الجيني هي استبدال أو تعويض جين مفقود، وهذا هو ما يفعله هذا الدواء. الجميع متحمّسون جدًّا له".

إنّ علاج شركة "سبارك" يسلط الضوء أيضًا على القيود التي تحدّ من قدرات هذا الجيل من العلاجات الجينية. فرغم أن العلاج يبدو أنه يحسِّن النظر، إلا أنه ليست واضحة المدة التي سيستمر فيها الفيروس في التعبير عن جين RPE65 الطبيعي، وبالتالي مدة استدامة تأثيراته.

يقول كاي: "أظن أننا ما زلنا بحاجةٍ إلى إجراء تحسينات كبرى على التقنية، قبل أن نكون قادرين على علاج هذه الأمراض، لكننا قد نجد في الطريق لذلك علاجات قد تساعد على إحراز تحسُّن ما".

References

  1. Russell, S. et al. Lancet 390, 849–860 (2017). | article
  2. Eichler, F. et al. N. Engl. J. Med. http://dx.doi.org/10.1056/NEJMoa1700554 (2017).