أخبار

 أصل المستسعر الأعظم

أرصاد نجم منفجر تلقي بظلال الشك على "الشمعة العيارية" الفلكية.

شانون هول

  • Published online:

NASA

تتميز النجوم المنفجرة - التي تُعرف بالمستسعرات العظمى من الفئة Ia - بأنها تسطع باستمرار، حتى إنّ علماء الفلك يعدّونها شموعًا عيارية؛ أي علامات موثوقة، يمكن استخدامها لقياس المسافات الكونية الشاسعة، غير أن هذه العلامات الكونية قد لا تكون منتظمة إلى هذا الحد. ومؤخرًا، وَجَدَت إحدى الدراسات أدلة على أن المستسعر الأعظم يمكنه أن ينشأ عبر عمليتين مختلفتين، مما يزيد من الشكوك القائمة حول كون الشموع العيارية ليست عيارية إلى هذا الحد.

قد تساعد النتائج - التي تم نشرها على خادم مسودات الأبحاث "أركايف" arXiv، والتي تم قبولها للنشر في دورية "ذي أستروفيزيكال جورنال" The Astrophysical Journal - علماء الفلك في معايرة قياسات تَمَدُّد الكون (G. Hosseinzadeh et al. Preprint at http://arxiv.org/abs/1706.08990; 2017). وأظهر تتبُّع المستعرات العظمى من الفئة Ia أن الكون يتمدد بمعدل متزايد، وساعد على إثبات وجود الطاقة المظلمة، وهي اكتشافات ضمنت لأصحابها جائزة "نوبل" في الفيزياء لعام 2011.

إنه لأمر محرج أن العلماء لا يفهمون هذه الأدوات الكونية بشكل كامل، حسب قول الباحث الرئيس للدراسة الأخيرة، جريفين حسين زاده، عالِم الفلك بجامعة كاليفورنيا، سانتا باربارا، الذي يضيف: "أحد أعظم اكتشافات القرن يعتمد على هذه الأدوات، ونحن لا نعلم ماهيتها حقًّا".

لا يرجع ذلك إلى عدم المحاولة؛ فقد واصل علماء الفلك طرح مجموعة متنوعة من الفرضيات؛ لتفسير كيفية حدوث هذه الانفجارات النجمية. اعتقد العلماء في السابق أن المستعرات العظمى تكونت بصورة منظمة، كأنها ألعاب نارية في خط تجميع كوني، ثم تغيَّر ذلك الاعتقاد في تسعينيات القرن الماضي، عندما لاحظ العلماء أن بعض المستعرات العظمى أكثر خفوتًا من بعضها الآخر.

حاول علماء الفلك تعديل القياسات وفقًا لهذه الفروق، ولكنّ حقيقة أن كل ’شمعة عيارية‘ تبدو مختلفة قليلًا عن التي تليها أثارت مخاوفهم. يقول بيتر جارنافيتش، عالِم الفلك بجامعة نوتردام في إنديانا: "عندما تحاول قياس معدل التمدد الكوني بفارق 1%، قد تثير هذه الفروق الطفيفة قلقك حيال ما إذا كانت المستعرات العظمى من الفئة Ia تضرّ بهذه الدقة، أم لا".

سطوع شديد

على الأقل، شيء واحد يبدو واضحًا، بحسب علماء الفلك؛ ألا وهي قناعتهم بأن قزمًا أبيض - بقايا في حجم الأرض لنجم شبيه بالشمس - له دور مركزي في تكوين كل مستسعر أعظم من الفئة Ia. لكنهم ليسوا متأكدين ما الذي يدفع الأقزام البيضاء نحو نهايتها، لأن هذه النجوم مستقرة للغاية، بحيث لا يمكنها أن تنفجر من تلقاء ذاتها. مما يحيل إلى افتراض أن هناك نجما مرافقا - قزما أبيض آخر، أو نجما شبيها بالشمس أو حتى نجما عملاقا - يساعد في إطلاق شرارة البدء لتشكل المستسعر الأعظم.

فإذا كان النجم المُرافق ضخمًا، فالفرضية تقول إن القزم الأبيض حينها سيمتص منه مادته. وفي نهاية المطاف، سيراكم القزم الأبيض الكثير من الكتلة الإضافية حتى إن الضغط سيولد انفجار نووي حراري هائل، أما إذا كان النجم المُرافق صغيرًا – ربما كان قزمًا أبيض آخر - فسيتخذ الجرمان السماويان مسارًا حلزونيًّا نحو بعضهما البعض؛ ويندمجان معًا، قبل أن ينفجرا.

ولطالما بحث الباحثون عن أدلة على هاتين العمليتين، عن طريق تعقُّب المستعرات العظمى حديثة التكون، لأن المستسعر الأعظم الذي يتكون في السيناريو الأول لا بد أن يخلِّف أدلة؛ إذ ستضيء المادة المنتقلة من الانفجار النووي لدى اصطدامها بالنجم المُرافق، الذي ما زال سليمًا، لكن المستسعر الأعظم الذي تَكَوَّن نتيجة لاندماج قزم أبيض، ومُرافق صغير، سيطمس جميع آثار النجوم التي شاركت في تكوينه.

وحتى الآن، وجد علماء الفلك أدلة على السيناريو الثاني فقط. وتُعَدّ الورقة البحثية لجريفين وفريقه هي الأولى التي تعلِن عن مستسعر أعظم، كَوَّنَه قزم أبيض، قام بامتصاص المادة من نجم ضخم مُرافق له. وتعضِّد النتائج فرضية أن المستعرات العظمى من الفئة Ia يمكن أن تتكون من خلال خَطَّي تجميع نجميين مختلفين.

البحث مستمر

بدت أُولى لمحات الاكتشاف في العاشر من مارس الماضي، عندما ظهر مستسعر أعظم على مشارف المجرة الحلزونية NGC 5643، على مسافة 16.9 مليون فرسخ فلكي (55 مليون سنة ضوئية) من الأرض. اكتشف النجم، ديفيد ساند، عالِم الفلك بجامعة أريزونا في توسان، وأحد باحثي الدراسة، أثناء تفحُّصه بيانات البحث عن المستعر الأعظم DLT40، الذي يتم فيه مسح حوالي 500 مجرة كل ليلة.

سرعان ما التقط ساند صورة أخرى؛ ليتحقق مِن أنّ ما رآه هو انفجار نجمي، وليس كويكبًا غير معروف. وخلال بضع دقائق، أدرك أن الوقت قد حان لتنبيه مرصد لاس كومبريس، وهو شبكة من 18 تليسكوبًا حول العالم، تسمح لعلماء الفلك بمراقبة الأجرام باستمرار في أثناء حركتها عبر السماء.

قام حسين زاده، وساند، وزملاؤهما برصد المستسعر الأعظم كل 5 ساعات لمدة 6 أيام تقريبًا، ثم مرة كل ليلة لمدة 40 يومًا أخرى، مما ساعدهم على رسم خريطة لسطوعه المتغير. وفي خلال هذه الفترة، وجدوا قفزة مؤقتة في سطوعه، تسببت فيها المادة المقذوفة من المستسعر الأعظم، والمصطدِمة بالنجم المُرافق.

يقول جارنافيتش: "إنه خير دليل حتى الآن على الصدمة الناتجة عن وجود نجم مُرافق للمستسعر الأعظم العادي من الفئة Ia".

إنّ هذا الاكتشاف ليس سوى مجرد بداية عملية لفك اللغز وراء هذه الشموع "غير العيارية تمامًا". ولتحديد قياساتهم الكونية بشكل أفضل، سوف يواصل علماء الفلك البحث عن المزيد من هذه المستعرات العظمى الشابة الخافتة.

يقول حسين زاده:"الأمر أشبه بامتلاكك لأداةٍ، تَعرِف كيفية استخدامها، ولكنْ لا تعرف كيفية عملها. إنّ فَهْم الطبيعة الفيزيائية للأداة التي تستخدمها يبدو أفضل من استخدامها على غير هدى".