أخبار

الصحاري المحترَّة تبوح بأسرارها

يستند مشروع رسم خرائط لمجموعات الطيور والثدييات إلى دراسة استقصائية رائدة، تمت في بدايات القرن العشرين.

إيمي ماكسمِن، وادي الموت، كاليفورنيا 

  • Published online:
جيم وكارول باتون يطاردان جرذان الكنغر والقوارض الصحراوية الأخرى في وادي الموت بكاليفورنيا.

جيم وكارول باتون يطاردان جرذان الكنغر والقوارض الصحراوية الأخرى في وادي الموت بكاليفورنيا.

Jason Ogulnik for Nature

يمرر جيم باتون سن قلم ذات لون أخضر زاه على بطن جيروذ مغطاة بفراء أبيض، وهو نوع من الفئران، بينما تدندن زوجته كارول بصوت خافت: "نحن نزيّنك أيها الفأر الصغير!"

يقوم باتون - وهو عالِم متقاعد متخصص في مجال الثدييات - باصطياد الكائنات البرية الصحراوية، وإطلاقها، كجزء من مشروع طموح لتكرار الدراسات الاستقصائية التي أجراها عالِم البيئة الشهير جوزيف جرينيل، من عام 1908 إلى عام 1939. قام جرينيل – الذي اشتهر بأبي الملاحظات الميدانية - بطَوْف كاليفورنيا بسيارته الفورد، موديل "تي"، لتصنيف الطيور والثدييات الخاصة بالولاية. كانت توصيفاته كاملة وشاملة، حتى إن الباحثين اليوم يمكنهم مقارنة كثافة وتوزيع مجموعات الحيوانات في زمنه، وفي الوقت الحالي.

توفِّر سجلات جرينيل للباحثين خط أساس لا مثيل له، لاستكشاف كيف أن التمدّن، والزراعة، والتعدين، وتغيُّر المناخ؛ كلها تعيد تشكيل النظم البيئية للولاية. وقد سعى مشروع جرينيل ريسورفيي Grinnell Resurvey Project، الذي تديره جامعة كاليفورنيا في بيركلي، على مدار السنوات الـ14 الماضية، إلي تسجيل الأوضاع الحالية، مع الأخذ في الاعتبار تحديد كمية التحولات البيئية المستقبلية. وتركز المرحلة الأخيرة من العمل، التي بدأت شهر سبتمبر الماضي، على فهرسة الثدييات الصغيرة في صحراء كاليفورنيا سريعة التغير.

يقول جوش توكسبوري - وهو عالِم متخصص في الاستدامة - في مبادرة فيوتشر إيرث، وهي مجموعة بحوث بيئية في بولدر بولاية كولورادو: "إن الطريقة الوحيدة لإدراك ما يحدث في ظل تغير المناخ، وما يمكن توقعه في المستقبل، هي من خلال نوع العمل الجاري في مشروع جرينيل البحثي". ويضيف قائلًا: "من الصعب أن ترى غليان الماء وأنت داخل الوعاء".

عندما بدأ جرينيل مشروعه، صدمته السمات الجغرافية المتنوعة لكاليفورنيا، من الجبال الثلجية إلى الصحاري الحارقة، وحتى السواحل الصخرية. وفيما هو مترقب تحولات الولاية الحتمية، مع تحرُّك الأمريكيين غربًا، قام بتوثيق توزيع الأنواع في حوالي 700 موقع. وقد أودع فريقه أكثر من 100 ألف عينة في متاحف التاريخ الطبيعي، بما في ذلك جمجمة أحد آخِر الدببة البُنِّية في كاليفورنيا (Ursos arctos californicus)، بالإضافة إلى 74 ألف صفحة من الملاحظات الميدانية، و10 آلاف صورة.

كَتَب جرينيل في عام 1910، بعد عامين من تعيينه أول مدير لمتحف بيركلي للحيوانات الفقارية، قائلًا: "سيكون في إمكان الطالب في المستقبل الوصول إلى السجل الأصلي لأوضاع مجموعات الكائنات الحيوانية في كاليفورنيا". وأضاف قائلًا: "لكن هذه القيمة لن تُدرك إلا بعد مرور عدة سنوات، بل وربما قرن من الزمن".

في عام 2003، شرع أحفاد جرينيل الأكاديميين في إعادة اقتفاء أثر الدراسة الاستقصائية، التي قام بها لمتنزه يوسيميتي الوطني. وبعد ذلك بخمس سنوات، أفادوا بأن 14 من الـ28 نوعًا من الثدييات التي رُصدت في يوسيميتي قد هاجرت إلى ارتفاعات أعلى، بمتوسط  500 متر، منذ زمن جفلرينيل (C. Moritz et al., Science 322, 261-264; 2008). وقد هاجرت الحيوانات خلال فترة ارتفعت فيها درجات الحرارة في فصول الشتاء في المتنزه بنحو 3 درجات مئوية. ولأن يوسيميتي كانت منطقة محمية منذ عام 1864، خلص الباحثون إلى أن التغيرات في استخدام الأراضي لم تكن عاملًا رئيسًا في تحولات الأنواع.

ومن جانبه، يقول ستيف بيسينجر، عالِم الأحياء المتخصص في الحفظ البيئي في بيركلي، وقائد المشروع، إن الدراسات الاستقصائية الأخيرة قد أسفرت عن نتائج أقل اتساقًا مع بعضها البعض. ويضيف قائلًا: "بينما نحن ننظر بشكل أوسع عبر المواقع في كاليفورنيا، نجد أن الاستجابات أكثر تعقيدًا بكثير، فبعض الأنواع يتحرك إلى ارتفاعات أقل في المناطق التي أصبحت أشد مطرًا، وفي بعض الأماكن نرى ثباتًا".

ولكن ثمة عدد متزايد من الدراسات يشير إلى مستقبل قاتم لسكان الصحراء في العقود المقبلة، حيث الأجواء أكثر دفئًا وجفافًا. فدرجات الحرارة في وادي الموت في شهر يوليو كانت الأكثر سخونة من أي شهر في أي مكان في العالم في عام 2017، وبلغت في المتوسط 41.9 درجة مئوية.

يعتقد العديد من علماء الأحياء أن الكائنات الصحراوية تعيش عند حدود البقاء على قيد الحياة، وأن المناطق الأكثر برودة قد تكون بعيدة عن متناول الأنواع بطيئة الحركة، أو قصيرة العمر. وتؤكد النتائج الأولية لمشروع "جرينيل ريسورفيي" هذه الفكرة. ويقول بيسنجر إن نوعًا واحدًا فقط من أصل 135 نوعًا من الطيور التي تمت دراستها في صحراء موهافي قد وَسَّع نطاقه بشكل كبير منذ بدايات القرن العشرين. فيما تقلصت نطاقات 38 نوعًا آخر.

 

مساحات طبيعية متغيرة

في صباح بارد بمنطقة "لي فلات" في وادي الموت، احتوى معظم الفخاخ التي نصبها باتون - البالغ عددها 160 فخًّا - على حيوانات صغيرة ذات فراء. وفي غضون 24 ساعة، وجد هو وكارول 90 من السناجب والفئران والجرذان، تنتمي إلى تسعة أنواع، بزيادة نوع واحد عمّا أدرجه جرينيل في المنطقة نفسها في عام 1917.

يرفض باتون الفكرة القائلة إن تغيُّر المناخ سيؤدي قريبًا إلى انقراض العديد من الثدييات الصحراوية، فهو مثل جرينيل، منبهر بقدرة الحيوانات على التكيف مع الظروف القاسية. تستخرج جرذان الكنغر (Dipodomys sp.) المياه من البذور، وتفقد قليلًا منها، إذ تقوم الكلى لديها بتركيز البول في صورة شبه بلورية. ويُذكر أن المعاطف الدهنية للقوارض تمنع فقدان المياه من خلال التعرق.

ومع ذلك، لا يزال باتون يرى علامات للتغيير؛ فلم يتمكن حتى الآن من العثور على نوع القوارض "وودرات" ذي الذيل الكثيف (Neotoma cinerea)، الذي كان سائدًا في سجلات جرينيل عن وادي الموت، إلا أن باتون يتردد في التكهن بغياب النوع، إذ إن البيانات الموثوقة حول توزيعه تأتي فقط من زمن جرينيل، ومن الوقت الحالي. فربما يكون عدد الفئران قد تضاءل قبل اشتداد احترار الصحراء في سبعينيات القرن الماضي.

ويستكشف آخرون في مشروع "ريسورفيي" لتكرار الدراسات الاستقصائية، كيف يمكن للأجواء الأكثر حرارة وجفافًا أن تضرّ الطيور والثدييات، وذلك من خلال دراسة العمليات الاستقلابية للأنواع، ومقدار المياه التي تفقدها من خلال التبخر. يمكن لصناع النماذج في مجال البيئة الجمع بين هذه النتائج، وأحدث بيانات تعداد الكائنات، من أجل الوصول إلى تنبؤ أدق بالكيفية التي يمكن بها أن ينجو النظام البيئي للصحراء مع احترار الكوكب.

وإذا ما سارت الأمور بالشكل النموذجي، سيقوم العلماء بإعادة النظر في هذه التنبؤات في غضون بضعة عقود باستخدام بيانات جديدة، لكن هذا النوع من العمل الميداني لم يعد مُفَضَّلًا لدى كثيرين. يقول باتون - وهو يحدق في الجبال الزرقاء في الأفق - إنه لا يعرف مَن سيحل محله؛ فعدد قليل جدًّا من الطلاب اليوم يتدرب كعلماء طبيعة، وتعاني المتاحف والمتنزهات الوطنية من نقص مزمن في التمويل. "الجميع يريد أن يعرف كيف تتغير الطبيعة، ولماذا"، كما يقول، "لكن تقريبًا لم يعد أحد يقوم بهذا النوع من العمل".